ولكنه بنيان قوم تهدما وفاة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

المحدث الأديب الشيخ محمد سلطان ذوق الندوي – رحمه الله تعالى –
مايو 24, 2026
السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين ( الحلقة الرابعة )
مايو 24, 2026
المحدث الأديب الشيخ محمد سلطان ذوق الندوي – رحمه الله تعالى –
مايو 24, 2026
السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين ( الحلقة الرابعة )
مايو 24, 2026

علم فقدناه :

ولكنه بنيان قوم تهدما

وفاة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

الأستاذ عبد الرحمان الفاروقي ، لكناؤ – الهند

ودعت المملكة العربية السعودية أحد علمائها وشيوخها الكبار ، الذين كرسوا حياتهم كلها لخدمة الدين والعقيدة والإفتاء ، والنصح للأمة وصلاحها ، والمشاركة في كل ما فيه من خيري الدين والدنيا . . . وهو سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ : المفتي العام للملكة العربية السعودية ، ورئيس هيئة كبار العلماء والبحوث العلمية والإفتاء ، ورئيس المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة سابقاً ، الذي استأثرت به رحمة الله تعالى صبيحة يوم الثلاثاء الماضي الموافق الأول من شهر ربيع الثاني من عام ١٤٤٧هـ – ٢٣/ من سبتمبر أيلول ٢٠٢٥م . عن عمر يناهز ٨٢/ عاماً ، قضى أكثر من نصفها في خدمة العلم واعتلاء منابر الخطابة والتدريس ، وتولي مهام الإفتاء والدعوة ، وأسهم بعطاءاته في خدمة الإسلام والمسلمين على مدى عقود .

وكانت وفاته حادثةً مفاجئةً لم يكن يخطر على بال أحد ، مما جعلت القلوب تضطرب ، والعيون تدمع ، والألسنة تسترجع ، وكانت الحقيقة أن المصاب جلل ، ووقعه على الإسلام والمسلمين أشد وأعظم ، وذلك لأن وفاته قد شهدت العصر الذي يموت فيه العلماء من وقت لآخر ، ويذهب الصلحاء ، وفقدانهم جميعاً يعد علامةً من علامات الساعة الصغرى ، وسبباً لانتشار الجهل والضلال ، وذلك لأن الله يقبض العلم بقبض العلماء ، فيرفع العلم ، ويتعزز الجهل ، وتشرب الخمر ، ويظهر الزنا . . . لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عنها بقوله : إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بموت العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا ( رواه البخاري ومسلم ) .

فبفقده فقدت الأمة العربية السعودية خصوصاً ، والأوساط العلمية بالدول العربية الأخرى بصفة عامة ، رجلاً من رجال العلم الشرعي والإفتاء في المملكة العربية السعودية والعالم العربي ، أسهم بجهود مضنية في خدمة العلم والإسلام والمسلمين في كافة أرجاء المعمورة .

كان الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ خلف سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ( ١٣٣٠ – ١٤٢٠هـ / ١٩١٢ – ١٩٩٩م ) ، ومن أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( المتوفى ١٢٠٦هـ / ١٧٩٢م ) ، ومن العلماء الأكثر ثقةً لدى الشعب السعودي في المملكة العربية السعودية ، وكان يتمتع بقبول حسن واحترام بالغ حكومةً وشعباً في المملكة العربية السعودية . . فلم يكن عالماً سعودياً ومفتياً عاماً للمملكة وخطيب يوم عرفة بمسجد نمرة ولا رئيس هيئة كبار العلماء والبحوث العلمية والافتاء فحسب ؛ بل إنما كان رمزاً أكاديمياً بارزاً في خدمة العلم الشرعي والإفتاء والنصح للأمة ، ونموذجاً مشرقاً للعالم الرباني الذي يجمع بين سعة الفقه وحسن الاعتدال ، وحكمة التوجيه والإرشاد في حياة الأمة . . كان طلبة العلم يتوجهون إلى الفقيد الراحل أفواجاً وجماعات لحضور مجالسه الفقهية والعلمية من مختلف أنحاء المملكة العربية السعودية حتى من أقاصي البلدان ، ويستفيدون منه فيما يتفرد به من التضلع من علوم الكتاب والسنة ، والعلم الشرعي ، والتعمق في مجال الفقه الإسلامي .

وكان كثير الاهتمام بشؤون الجماهير السعودية المسلمة نحو قضاياهم فيما يتعلق بدينهم وعقيدتهم . . وكان يمثل مدرسةً في بيان الحق ، ومرجعاً كبيراً في نشر الفتاوى وأحكام الإسلام ، وأحكام الحلال والحرام ، والدفاع عن العقيدة والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هى أحسن .

وكان عالماً جليلاً بكل ما للكلمة من معنى ، وصوت للاعتدال والوسطية يصدر في جميع مواقفه في الحياة عن العلم الشرعي الثابت . . . أمضى جملة حياته في محراب العلم والفتوى يزرع الحكمة ويغرس في القلوب الطمأنينة .

وكنت قد تشرفت بمقابلته في مكة المكرمة عام ٢٠١٣م ، وذلك في برامج ندوة الحج الكبرى السنوية ، التي تنظمها سنوياً وزارة الحج والعمرة بالذكرى الخالدة بمكة المكرمة ، حيث كنت مشاركاً أحد ضيوف وزارة الحج بمرافقة والدي الشيخ عبد العليم الفاروقي ( رحمه الله تعالى ) ( المتوفى ١٤٤٥هـ / ٢٠٢٤م ) ، على دعوة موجهة إلي من قبل وزير الحج والأوقاف السعودي الدكتور عبد السلام الفارسي . . وقد وجدت في شخصيته يومها من العناصر التي لا توجد إلا في عالم كبير يتجسد فيه الورع والتقوى ، والغيرة والعفاف ، وينتهي إليه جميع الخصائص والإنجازات من التواضع الجم ، والبساطة المنقطعة النظير ، والتخلق بمكارم الأخلاق ، والجدية ، والفهم المباعد عن التعصب والمغالاة .

وُلد الشيخ عبد العزيز بن محمد آل الشيخ بمكة المكرمة في ٣/ ذي الحجة ١٣٦٢هـ / ٣٠ من نوفمبر ١٩٤٣م ، لم يتجاوز الثامنة من عمره في عام ١٩٧٠م حتى توفي والده ؛ فقامت برعايته أمه رعايةً خاصةً ، وربته أحسن تربية ، وكان منذ ولادته ضعيف البصر ، وفقد بصره في العشرينيات ، ولكنه كان مفرطاً في الذكاء ، وسريع الإدراك ، ذا بصيرة نفاذة . . . حفظ القرآن الكريم صغيراً في عام ١٣٧٣هـ على يد محمد بن سنان ، الذي كان له دور بالغ الأهمية في توعيته وتثقيفه بواسع الثقافة ، وتصقيل شخصيته ، حيث نشأ يتيماً معتمداً على نفسه ، مستعيناً بالله تعالى ، في بيئة احتضنته ووجهته نحو الإيمان والتقوى ، والتوكل على الله ، والانقطاع لخدمة العلم والدين والأدب .

درس العلم الشرعي على مفتي الديار السعودية الأسبق محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وغيرهم .

عُين مدرساً بمعهد إمام الدعوة العلمي بالرياض ، وظل على هذا المنصب من ١٣٨٤هـ حتى عام ١٣٩٢هـ . وعمل أستاذاً مشاركاً في كلية الشريعة بالرياض التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وبالإضافة إلى التدريس بها قام بالإشراف والمناقشة لرسائل الماجستير والدكتوراه في كل من كلية الشريعة وأصول الدين ، والمعهد العالي للقضاء التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وكلية الشريعة التابعة لجامعة أم القرى بمكة المكرمة . إلى جانب التدريس بالمعهد العالي للقضاء بالرياض ، والعضوية والمشاركة بالمجالس العلمية     بالجامعة .

في شهر شوال عام ١٤٠٧هـ عُين عضواً في هيئة كبار العلماء والبحوث العلمية والإفتاء ، وتولى الإمامة والخطابة في جامع الشيخ محمد ابن إبراهيم بدخنة بالرياض ، عقب وفاة الشيخ محمد بن إبراهيم ، وذلك في عام ١٣٨٩هـ .

في شهر شهر رمضان عُين خطيباً في الجامع الكبير بالرياض . وفي عام ١٤٠٢هـ إماماً وخطيباً بمسجد نمرة بعرفة ، وبقي خطيباً بها لحين وفاته . ثم عضواً في هيئة كبار العلماء في عام ١٤٠٧هـ ، وفي عام ١٤١٢هـ عضواً متفرعاً في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمرتبة الممتازة . وفي العام نفسه تم تعيينه إماماً وخطيباً بجامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض .

وبعد وفاة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز في عام ١٤٢٠هـ / ١٩٩٩م ، أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز بياناً بتعيينه مفتياً عاماً للمملكة ، ورئيساً لهيئة كبار العلماء ، ورئيساً للرآسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء برتبة وزير .

وكان لسماحته حضور مميز في المحافل العلمية بالإضافة إلى المشاركة في الندوات والبرامج وإلقاء الدروس والمحاضرات في شتى الموضوعات الدينية ، وفي البرامج الدينة عبر الإذاعة والتلفاز .

قدم سماحته إرثاً علمياً موسعاً يتضمن مؤلفات شرعيةً غير مسبوقة ودروساً متواصلةً تنوعت موضوعاتها بين الفتاوى المتصلة بالمعاملات والعبادات ، وأحكام العقيدة ، والقضايا ذات العلاقة بالحلال والحرام ، التي يحتاج إليها المسلمون ، بصفة عامة ، في حياتهم اليومية . وكتاباته ورسائله جميعاً تتميز بالوضوح والاعتماد على نصوص الكتاب والسنة ، مقرونة بالمنهج الوسطي ، الذي لا يمت إلى الغلو والتفريط بصلة ، مما جعل نتاجه العلمي محل ثقة واعتماد لدى شرائح واسعة من المجتمع الإسلامي .

نسأل الله تعالى أن يرحمه رحمةً واسعةً ، وأن يجزيه عن الأمة خير الجزاء ، وأن يبارك في آثاره وعطائه ، ويخلفها خيراً في علمائها ومرشديها .

يقول الشاعر العربي :

وما كان قيس هلكه هلك واحد  ولكنه بنيان قوم تهدما