الجاحظ ونبذة من آرائه التفسيرية : عرض ودراسة للأستاذ محمد عفان الندوي

التَّحَدُّث بالنِّعمة
مايو 24, 2026
التَّحَدُّث بالنِّعمة
مايو 24, 2026

إصدارات حديثة :

الجاحظ ونبذة من آرائه التفسيرية : عرض ودراسة

للأستاذ محمد عفان الندوي

الأخ أنس الزيات *

من أبرز مظاهر النهضة العلمية المباركة في دار العلوم التابعة لندوة العلماء بلكناؤ عنايتها بتنمية ذوق البحث العلمي لدى أبنائها ، وتدريبهم على ما ينبغي أن يتحلى به الباحث من أصول الكتابة الأكاديمية ومناهج التحقيق العلمي ، وذلك من خلال القسم الرائد المسمى بـ ” التدريب العلمي ” ، الذي يهدف إلى تكميل وعي الطالب وصقل شخصيته العلمية ، وإكسابه القدرة على جمع المادة العلمية وترتيبها وتنسيقها وتنقيحها وتحليلها تحليلاً نقدياً .

ومن ثمَّ يقوم طلاب الدراسات العليا بإعداد المقالات والرسائل والبحوث العلمية تحت إشراف الأساتذة المتخصصين ، ليكتسبوا ملكة البحث والتحقيق ، ويتمكنوا من الرجوع إلى أمهات الكتب والمصادر الأصيلة ، وتحقيقاً لهذا الهدف النبيل ، أخرج طلاب الدراسات العليا بحوثاً علميةً كثيرةً تحت لواء معهد الدراسات العلمية ، الذي اعتنى بنشر المتميز منها  ، إشادةً بجهود الباحثين وتشجيعاً لهم .

ومن بين هذه البحوث المختارة هذا البحث الموسوم بـ ” الجاحظ ونبذة من آرائه التفسيرية ” للباحث الفاضل محمد عفان الندوي ( باحث التدريب العلمي بدار العلوم لندوة العلماء سابقاً ) .

وهذه الدراسة – فيما أعلم – من أوائل الدراسات العلمية المستفيضة التي عُنيت باستجلاء التراث القرآني عند الجاحظ ، إذ لم يُعرف له كتاب مستقل أفرده لتفسير القرآن الكريم ، أو لبيان وجوه إعجازه وبلاغته ، أو لشرح أحكامه ومعانيه ، وإن كان شديد التأثر بأسلوبه المعجز ، وما فيه من دقة وإحكام ، وجزالة وروعة ، وحسن انتقال ، وبديع تمثيل وتشبيه ، وغير ذلك من الخصائص البيانية والمعنوية التي امتاز بها الذكر الحكيم عن سائر الكتب .

وقد كانت هذه الآراء القرآنية المتناثرة في ثنايا مؤلفات الجاحظ ورسائله موضع اهتمام الباحث ، فنهض بمهمة علمية جادة ، قوامها جمع ما تفرق من أقوال الجاحظ في تفسير الآيات الكريمة وبيان دلالاتها ومعانيها ونواحيها البيانية ، وقد وُفِّق الباحث الفاضل محمد عفان الندوي إلى إنجاز هذا العمل ، فجمع تلك المادة ورتبها وهيأها في صورة علمية ميسرة ، ينتفع بها المشتغلون بعلوم القرآن الكريم ، وبذل في إعداد هذه الأطروحة جهداً كبيراً مشكوراً يستحق الثناء والتقدير ، ويتضح من خلال فصول البحث ومباحثه مقدار الجهد الذي بذله الباحث في تحقيق موضوعه .

فقد تناول في الباب الأول مولد الجاحظ ونشأته ، وعقيدته ، والأحوال السياسية والدينية والعلمية والاجتماعية في عصره ، كما تحدث عن صلته بالخلفاء وأصحاب النفوذ ، وعن شيوخه وتلاميذه ، ومؤلفاته ، ومن اتصل بهم من خاصته وخدمه .

أما الباب الثاني فقد خصصه للحديث عن مكانة الجاحظ في العلوم العربية والكلامية ، وآثاره العلمية والأدبية ، وضمنه تعريفاً موجزاً بأهم مؤلفاته ، مثل : ” الحيوان ” ، و ” البيان والتبيين ” ، و ” البخلاء ” ، و ” البرصان والعرجان والعميان والحولان ” ، و ” التبصر بالتجارة ” ، و ” التاج في أخلاق الملوك ” ، ورسائله المختلفة ، وغيرها من الكتب التي تدل على سعة معارفه وتنوع ثقافته . كما أشار فيه إلى منهجه في التأليف وخصائصه الكتابية .

وفي الباب الثالث عرض الباحث مناهج التفسير وطرائقه في عصر الجاحظ ، وبيّن خصائص منهجه التفسيري مدعماً ذلك بالأمثلة والنماذج من نصوصه وآرائه ، كما جمع الآيات التي تعرض الجاحظ لتفسيرها في كتابيه       ” الحيوان ”  و ” البيان والتبيين ” .

أما الباب الرابع فقد تناول قضية إعجاز القرآن الكريم ومسألة الصرفة ، مبيناً رأي الجاحظ فيها وآراء غيره من العلماء ، كما تعرض لقواعد التفسير وأنواعه عند الجاحظ ، وجملة من المسائل المتصلة بذلك .

وفي الباب الخامس أفاض الباحث في دراسة آراء الجاحظ الكلامية المتعلقة بالقرآن الكريم ، فتناول موقفه من الاعتزال ، وردوده على الشبهات ، وحديثه عن التأويل ، وقضية خلق القرآن ، والميزان ، والخلة ، وغير ذلك من القضايا العقدية والكلامية المهمة .

وفي خاتمة الرسالة لخص الباحث أهم النتائج التي انتهى إليها ، مؤكداً أن ما وصل إلينا من آراء الجاحظ في علوم القرآن وتفسيره ليس إلا جزءاً يسيراً من تراث واسع ، وأنه يعد من أوائل من تنبهوا إلى أسرار الإعجاز البياني في القرآن الكريم . كما ختم بحثه معترفاً بأن دراسة شخصية الجاحظ من الناحية التفسيرية وآرائه القرآنية والعلمية ما تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والتحليل والاستقصاء .

ومن ثم فإن هذه الدراسة لا تقتصر على جمع أقوال الجاحظ التفسيرية وشرحها فحسب ، بل تضم ترجمةً وافيةً له ، وتتناول عدداً من القضايا المهمة في العقيدة والكلام وعلوم القرآن ، وكل ذلك في صياغة علمية رصينة وأسلوب أكاديمي متين ، يجعل هذا البحث جديراً بأن يقدم إلى الأوساط العلمية والبحثية ، وأن يحتل مكانته بين الدراسات الأدبية والقرآنية المعاصرة .

وقد تحلى جيد الكتاب بمقدمة قيمة للشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي ، وكلمة المشرف الأستاذ محمد نعمان الدين الندوي مدير معهد الدراسات العلمية بدار العلوم ، والكتاب يغطي 468 صفحة ، وطُبع من معهد الدراسات العلمية .

* الأمين العام للنادي العربي بدار العلوم لندوة العلماء .