دراسة عن واو العطف في القرآن الكريم
مايو 24, 2026المقاربات التعليمية وعلاقتها باكتساب اللغة
مايو 24, 2026دراسات وأبحاث :
التشخيص القرآني لاضطراب الشخصية النرجسية
( دراسة قرآنية تحليلية )
د . ماجد هاشم كيلاني *
تمهيد :
اضطراب الشخصية النرجسيةNarcissistic Personality Disorder هو اضطراب نفسي مزمن شامل في الشخصية ، ويمثل هذا الاضطراب نمطاً معقداً من السلوك يتميز بالغرور والتكبر والاحتياج المفرط للإعجاب ، ويؤثر بشكل سلبي على علاقات الشخص مع الآخرين ، ويتصف الشخص النرجسي بعدة صفات متجذرة في شخصيته ، تجعله غير قادر على بناء علاقات اجتماعية صحية حيث يخوض حياة الآخرين بأساليب خبيثة ومضللة [1] ، ووفقاً للقرآن الكريم يعد الشخص النرجسي شيطاناً من شياطين الإنس يسعى في الشر وبالشر دائماً ، وقد قال تعالى عن شياطين الإنس : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ) [ سورة الأنعام : 112 ] .
ومن أهم ما يميز الشخصية النرجسية [2] :
- الغرور والتكبر والتعالي على البشر .
- التسلل إلى حياة الشخص على مراحل .
- كراهية الخير للناس ، ومعاداته لهم بدون سبب .
- دفع الناس للعداوة والبغضاء من خلال إثارة الفتن والدسائس .
- إفقار ضحاياه وسلبهم مالياً .
- تخويف وابتزاز وتهديد ضحاياه .
- تضليل الناس عن الحق ، واختلاق قصص تضعف ثقة الضحية في عقلها .
- إغراق الناس بالأماني والوعود الكاذبة .
- التجسس على الناس ، ومراقبتهم ، وانتهاك خصوصياتهم .
- أمر الناس بالفحشاء والمنكر وتبرير المعاصي .
- صد الناس عن ذكر الله .
وفيما يلي شرح وجيز لكل صفة ، مع تأصيل كل صفة من آيات القرآن الكريم .
الغرور والتكبر والتعالي على البشر :
يشعر الشخص النرجسي دائماً بعظمة مبالغ فيها تجاه نفسه حيث يرى نفسه أفضل من الجميع ، فيشكر نفسه كثيراً ، متعالياً على الآخرين ، ويستهين بمشاعرهم وقدراتهم بالشكل الذي يجعله يفرض سيطرته ، ويقلل من قيمة من حوله من الأشخاص ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في عدة آيات عن إبليس في قوله تعالى : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ) [ سورة البقرة : 34 ] . ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ) [ سورة الإسراء : 61 ] .
وقد اختار إبليس الهلاك والخلود في النار ، وأصر على رفضه السجود لآدم تفاخراً واستكباراً ، لذلك يكره الله الشخص النرجسي الفخور بنفسه والمستعلي على البشر كما جاء في قوله تعالى :
( إنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ) [ سورة النساء : 36 ] .
( إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) [ سورة لقمان : 18 ] .
( وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) [ سورة الحديد : 23 ] .
أيضاً يشكر الشخص النرجسي في نفسه كثيراً شأنه شأن إبليس ، لذلك يقال في المثل الشعبي المصري : ” ما يُشكر في نفسه إلا إبليس ” .
ومن المعلوم أن التكبر صفة ذميمة جداً ، تهوي بصاحبها إلى القاع دنيا وآخرة ، لذلك يُقال في المثل العربي : ” ما طار طير وارتفع ، إلا كما طار وقع ” .
وعن التواضع ونبذ التكبر يقول صلى الله عليه وسلم : ” وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلا رَفَعَهُ اللَّهُ ” ( الراوي : أبو هريرة ، المحدث : مسلم ، المصدر : صحيح مسلم ، الصفحة أو الرقم 2588 ، خلاصة حكم المحدث: صحيح ) . ” تواضَعوا حتى لا يبغيَ أحدٌ على أحدٍ ، ولا يفخرَ أحدٌ على أحدٍ ” ( الراوي : عياض بن حمار ، المحدث : الألباني ، المصدر : صحيح أبي داود ، الصفحة أو الرقم 4895 ، التخريج : أخرجه أبو داود (4895) ، والبخاري في ( الأدب المفرد ) (428) ، واللفظ لهما ، ومسلم (2865) ، وأبو بكر الإسماعيلي في ( معجم أسامي شيوخ أبي بكر ) (186) ، باختلاف يسير ) . ” لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ ” ( الراوي : عبد الله بن مسعود ، المحدث : مسلم ، المصدر : صحيح مسلم ، الصفحة أو الرقم 91 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح ) .
(2) التسلل إلى حياة الشخص على مراحل :
لا يدخل الشخص النرجسي حياة ضحيته فجأةً ، بل يتسلل بحذر وبخطوات مخططة بعناية ، محاولاً كسب ثقة الشخص الضحية تدريجياً ، ثم فرض سيطرته تدريجياً بطرق خبيثة تستنزف الضحية نفسياً وعاطفياً ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في عدة آيات عن الشيطان في قوله تعالى : ( ولاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) [ سورة البقرة : 168 ] . . . [ سورة البقرة : 208 ] . . [ سورة الأنعام : 142 ] ، ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ) [ سورة النور : 21 ] .
(3) كراهية الخير للناس ومعاداته لهم بدون سبب :
لا يرحب الشخص النرجسي بنجاح أو سعادة الآخرين ، بل يعادي الخير لهم ، ويشعر بحقد مستمر دون مبرر منطقي ، مما يدفعه لمحاربة من حوله نفسياً ومجتمعياً ، وقد أشار القرآن الكريم إلى كراهية الشيطان الخير للناس ، ومعاداته لهم دائماً وبدون سبب في قوله تعالى : ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) [ سورة البقرة : 168 ] . . . [ سورة البقرة : 208 ] . . . [ سورة الأنعام : 142 ] . . . [ سورة يس : 60 ] . . . [ سورة الزخرف : 62 ] ، ( إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ) [ سورة القصص : 15 ] ، ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) [ سورة يوسف : 5 ] ، ( إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً ) [ سورة الإسراء : 53 ] ، ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) [ سورة فاطر : 6 ] .
(4) دفع الناس للعداوة والبغضاء من خلال إثارة الفتن والدسائس :
يثير الشخص النرجسي الفتن والمكائد بين الناس عمداً لزرع العداوة والبغضاء بينهم ، فهو لا يصلح أن يكون صديقاً أو مرجعية ، بل ينفث سمومه بما يقوّض العلاقات الاجتماعية , وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في عدة آيات عن الشيطان في قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءْ ) [ سورة المائدة : 91 ] ، ( إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ) [ سورة الإسراء : 53 ] .
لذلك لا يصلح الشخص النرجسي الشيطاني أن يكون صديقاً أو رفيقاً أو مرجعية لأحد ، وفي ذلك يقول تعالى : ( وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاء قِرِيناً ) [ سورة النساء : 38 ] ، ( وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ) [ سورة النساء : 119 ] .
(5) إفقار ضحاياه وسلبهم مالياً :
من أخطر أساليب الشخص النرجسي استنزاف موارد ضحاياه المالية عبر الاحتيال أو التلاعب أو الضغط ، حتى يصبح الشخص النرجسي فريسةً مستمرةً لاستغلاله ، وفي ذلك يقول تعالى عن الشيطان : ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ) [ سورة البقرة : 268 ] .
(6) تخويف وابتزاز وتهديد ضحاياه :
يستخدم الشخص النرجسي أساليب التخويف والابتزاز والتهديد لضبط سلوكيات ضحاياه وفق هواه ، والسيطرة عليهم ، مما يخلق حالةً مستمرةً من الرعب وعدم الأمان ، وفي ذلك يقول تعالى عن الشيطان : ( إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ ) [ سورة آل عمران : 175 ] .
(7) تضليل الناس عن الحق ، واختلاق قصص تضعف ثقة الضحية في عقلها :
يخدع الشخص النرجسي ضحاياه بتزييف الحقائق ، واختلاق قصص تكسر ثقة الشخص الضحية بنفسه وبذاكرته ، مما يجعل الشخص الضحية يشك في ذاكرته وإدراكه ، ويضيع بين الحقيقة والوهم ، ومن ثم ينسى ما في عقله من معلومات مع الوقت ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في عدة آيات عن إبليس في قوله تعالى : ( فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ) [ سورة يوسف : 42 ] ، ( وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ ) [ سورة الكهف : 63 ] ، ( وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً ) [ سورة النساء : 60 ] ، ( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) [ سورة المجادلة : 19 ] .
(8) إغراق الناس بالأماني والوعود الكاذبة :
يقدم الشخص النرجسي وعوداً زائفةً وأماني كاذبةً لجذب الناس وإدخالهم في دوامات من المشاكل ، ثم يخلف وعوده ، ويحمّل ضحاياه مسئولية تصديق هذه الأكاذيب ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في عدة آيات عن الشيطان في قوله تعالى : ( يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ) [ سورة النساء : 120 ] ، ( مَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً ) [ سورة الإسراء : 64 ] ، ( يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ ) [ سورة الأعراف : 27 ] .
وبعد أن يمني الناس بالوعود والأماني الكاذبة ، ويهلكهم يخلف وعوده ويُحمل الناس مسئولية تصديقه ، وهذا ما وصفته الآية القرآنية القائلة : ( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم ) [ سورة إبراهيم : 22 ] ، ( وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً ) [ سورة الفرقان : 29 ] ، ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) [ سورة الحشر : 16 ] .
(9) التجسس على الناس ، ومراقبتهم ، وانتهاك خصوصياتهم :
يمارس الشخص النرجسي التجسس على ضحاياه ، ويتعقب تحركاتهم متعدياً على حرياتهم وخصوصياتهم بشكل دائم ، ما يزيد من إحساسهم بالحصار والتضييق والتقييد ، وفي ذلك يقول تعالى عن الشيطان : ( إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ) [ سورة الأعراف : 27 ] .
(10) أمر الناس بالفحشاء والمنكر ، وتبرير المعاصي :
يحث الشخص النرجسي من حوله على ارتكاب المعاصي والخطايا والفواحش ، ويبرر هذه الأفعال ويزينها لهم ، محاولاً إسقاط القيم الأخلاقية وإفساد النفوس ، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الصفة في عدة آيات عن الشيطان في قوله تعالى : ( وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء ) [ سورة البقرة : 268 ] ، ( وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ) [ سورة النور : 21 ] ، ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) [ سورة الأنعام : 43 ] ، ( فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ) [ سورة النحل : 63 ] ، ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ) [ سورة النمل : 24 ] . . . [ سورة العنكبوت : 38 ] .
(11) صد الناس عن ذكر الله :
يسعى الشخص النرجسي لإبعاد الآخرين عن العبادات والروحانيات ، ويصدهم عن ذكر الله ، ويستهزئ بأشخاص وأفعال المؤمنين ، مما يعمّق حالة الضياع والضعف النفسي لدى ضحاياه ، وفي ذلك يقول تعالى عن الشيطان : ( وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ ) [ سورة المائدة : 91 ] .
قائمة المصادر والمراجع :
- القرآن الكريم .
- محمود عواد ، معجم الطب النفسي والعقلي : أول معجم شامل بكل مصطلحات الطب النفسي والعقلي المتداولة في العالم و تعريفاتها ، دار أسامة للنشر والتوزيع ، الأردن ، 2011م .
- موقع الدرر السنية dorar.net
* دكتوراه في القانون الخاص ، ” شعبة فلسفة القانون وتاريخه ” ، جمهورية مصر العربية .
[1] محمود عواد ، معجم الطب النفسي والعقلي : أول معجم شامل بكل مصطلحات الطب النفسي والعقلي المتداولة في العالم وتعريفاتها ، دار أسامة للنشر والتوزيع ، الأردن ، 2011م ، ص 103 وما بعدها .
[2] محمود عواد ، معجم الطب النفسي والعقلي : أول معجم شامل بكل مصطلحات الطب النفسي والعقلي المتداولة في العالم وتعريفاتها ، ص 103 وما بعدها .

