شجرة طيبة أصلها ثابت ، وفرعها في السماء

ثقافتنا وتحديات العصر
نوفمبر 5, 2022

صور وأوضاع :

شجرة طيبة أصلها ثابت ، وفرعها في السماء

محمد فرمان الندوي

طُبع الإنسان على إجادة عمل وإتقانه من أول يومه ، فأودع التعبير الجميل عن فكره في بنيته وهيكله ، وقد أكرمه الله بصفة البيان ، وهي صفة لم يكرم بها إلا الإنسان ، وقد ظهرت منه روائع وبدائع من الكلام ما يندر نظيره ، وكفاك علماً – يا تُرى – أن اللغة العربية في تاريخها المسجل من العهد الجاهلي إلى عصر النهضة قد اختزنت كنوزاً ولآلئ تتجمل بها ناصية البيان ، فضلاً عن التاريخ اللغوي الأدبي الذي يبتدئ من سيدنا آدم عليه السلام إلى ما قبل العصر الجاهلي .

علاقة بين الأدب والصحافة :

كان الأدب العربي يُستخدم في قديم الزمان للأسجاع والأمثال والحكم والوصايا والخطب والأخبار القصصية والقصائد العربية ، وهذه الأنواع كانت ذائعة الصيت ، ونالت قبولاً واسعاً في المجتمع الجاهلي ، وكانت هناك قصص وحكايات للحروب والملاحم تُحكى وتُروى على ألسنة الناس ، وذلك في أسلوب شيق ، وطراز معسول سائغ للسامعين ، فيكب الأطفال والصبيان والشبان والفتيان على سماعها ويفعمون بها قلوبهم حماسةً وشوقاً إلى الحروب والمعارك ، وقد نالت مجالس الأمراء والسلاطين منها حظاً وافراً ، فلم تكن هذه القصص حديث المنازل والبيوت فقط ، بل حُكيت من على منابر الحكام والولاة ، وقد تناول الشعراء ببيانها في الأسواق والمحافل العامة ، فكانت هناك قصص تاريخية ، وقصص أخلاقية ، وقصص فكاهية ، وقصص اجتماعية ، وقصص فنية ، فحاز الأدب العربي بهذه القصص ثقة الخاصة والعامة ، وكان الأدب العربي هو الكلام الإنشائي البليغ الذي يهدف إلى التأثير في عواطف القراء والسامعين ويملك مشاعرهم ويستولي على ضمايرهم ، وهذا الأدب بالنثر والشعر ظل ساري المفعول يسحر القلوب ، ويبهر العيون ، ويتحف بالطرائف الأدبية ، والنكت العلمية ، فكان المولعون بالأدب يروون غلتهم الأدبية ويشفون ظمأهم العلمي .

هذا ، وقد راج في القرن العشرين الميلادي في العالم العربي صنف آخر للتأثير في النفوس والأرواح ، والوصول إلى ذهن المخاطبين بأحسن أسلوب ممكن ، وهي الصحافة ، هذه الكلمة وإن كانت قديمة الاستعمال ورد ذكرها في القرآن الكريم ، لكن لم تستعمل في هذا المعنى الذي شاع استعماله الآن ، وهي وظيفة اجتماعية ، مهمتها توجيه الرأي العام ، وتزويد الناس بالمعلومات والآراء والأفكار والأنباء ، سواءً كان ذلك بالكتابة أو الصوت أو بالصورة المرئية ، وكان لها من التأثير ما كان للأدب العربي من قبل ، بل دخلت الصحافة في أقسام الأدب العربي وبدأت تعمل عملها بكل استمرار .

الصحافة الإلكترونية بين الإيجاب والسلب :

ثم انبثق من الصحافة المطبوعة نوع آخر من الصحافة ، وهو صحافة إلكترونية ، وظهر هذا الصنف حينما حدثت ثورة إعلامية في عالم المعلومات ، فتحول العالم من أقصاه إلى أقصاه ، وصار قريةً واحدةً ، بل في متناول كل يد ، فيمكن لكل إنسان أن يتصل في لحظة واحدة بأخيه في منطقة أخرى ، ومن ثم اخترعت صحافة إلكترونية ، فالصحافة إلكترونية حديثة العهد بنا ، لم تظهر إلى منصة العالم الحديث إلا في أواخر القرن العشرين الميلادي ، وهي ترسل المعلومات بأسرع ما يمكن إلى الآخرين ، بأدنى تحريك يد ، ولا شك أن من إيجابياتها تقديم الأخبار بسرعة وسهولة الوصول إلى الأخبار والأنباء ، لكن لا يغض منه النظر أن التدقيق والغربلة أصبح نادراً في هذه الصحافة ، فكل ما سمع الإنسان من نبأ أو خبر أرسله إلى رجل آخر بدون تنقيح وتمحيص ، ثم نجمت له من الآثار السلبية على المجتمع ما لا يمكن استد راكه .

إن تاريخ الصحافة المطبوعة في تاريخ العالم يرجع إلى القرن السادس عشر الميلادي حسب ما ذكر ه المؤرخون ، حينما وجدت الطباعة ، وقد نالت لبنان ومصر في العالم العربي التقدم والأولية في هذا المجال ، بعد حملة نابليون بونابارت الفرنسي الذي أتى بآلات الطباعة ، فأصدرت صحفاً عربيةً كانت سبباً للتأثير على الناس والأخذ بمجامع قلوبهم ، ويكفي على سبيل المثال حديقة الأخبار ، والتنبيه والوقائع المصرية ومرآة الأحوال والسلطنة ، هذه كلها أولى الصحف والجرائد التي فتحت آفاقاً واسعةً للالتقاء الشعبي والتعبير عما في ضمائر الإنسان ، ثم تقدمت هذه الحركة الصحفية ، واستمر صدور الصحف في أكثر الدول العربية ، يقدم من منصاتها الصحفيون والمحلِّلون مقالاتهم وآراءهم وأفكارهم ، وكان لهذه الأفكار صدى واسع على المستوى العالمي ، وحينما قام نظام الجمهورية في الدول والبلدان أصبحت الصحافة ركناً رابعاً له من بين الأركان الثلاثة : محكمة العدل ، والهيئة التنفيذية ، والمجلس التشريعي . وتعتبر في النظام الجمهوري الصحافة أداةً مؤثرةً لصياغة الآراء لحزب أو جماعة ، ووسيلةً قويةً لبناء حكومة أو هدمها أو إزاحتها .

هذا العصر وإن تطورت فيها الصحافة الإلكترونية تطوراً مدهشاً ، لكن الصحافة المطبوعة ما يحمل من أهمية ومعنوية لا يستهان بها ، ولا ينكر فضلها ، ذلك لأن الإنسان يقرأ الصحف الإلكترونية في الجوالات والأجهزة الإلكترونية ،ويطلع على معلومات ودراسات خاصة ، لكن كما قال الخبراء إن هذه المعلومات العاجلة لا تستقر في الأذهان إلا قليلاً ، يدرس القراء كثيراً من الصفحات ، لكن إذا أغلقوا الجهاز أو الماكينة فكأنهم نسوا أو تناسوا هذه المعلومات ، ولم يدرسوا شيئاً من الكتب المطبوعة ، وإن كثرة القراءة في الأجهزة الإلكترونية تجلب من المضار على العين والذهن ما لا يوصف ، فكانت الحاجة إلى أن تكون أمام القراء ورقة مطبوعة ، أو كتاب مطبوع أو مجلة وصحيفة منشورة ويقرؤها القارئ بتؤدة وطمأنينة ، ويتأمل فيها ، ويستنتج من النتائج والنكت الفكرية والأدبية والعلمية ، ولا مانع من قراءة الصحف الإلكترونية والمؤلفات الإلكترونية قراءةً سريعةً ، والمرور بها مروراً عابراً ، إذا كانت قلة الوقت أو ضيق الساعة ، ولا شك أن هذه الأجهزة نعمة من الله كبيرة ، وهي تكفي لمعرفة وجود الله في الكون فضلاً عن التأمل والتدبر فيه ، وقديماً قال الشاعر العربي :

وفي كل شيئ له آية تدل على أنه واحد

شجرة طيبة أصلها ثابت …… :

ومن الصحف المطبوعة والصحف الإلكترونية مجلتنا ” البعث الإسلامي ” ، فإنها تصدر بفضل الله تعالى من 68/ عاماً بكل استمرار ، وهي ما زالت ولا تزال تصدر حتى زمن الإغلاق العام ، وأرسلت إلى كل جهة معنية بالصحافة العربية ، وقد قيض الله لها منذ أول يومها رجالاً مخلصين مكبين على مواصلة هذه المسيرة الصحفية ، فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم يُثري ويتحف الآن هذه المجلة الهادفة البناءة بإشراقاتهم وإنتاجات فكرهم ، ويكون نكران للجميل أن لا نذكر منشئها ورئيس تحريرها الأول فقيد الدعوة الإسلامية الأستاذ محمد الحسني رحمه الله الذي قاد هذا الموكب منذ عام 1955م بتعاون كريم من صديقه المخلص الوفي سعادة أستاذنا الدكتور سعيد الأعظمي الندوي ( رئيس تحرير المجلة من أكثر من أربعين سنة ) ، فإن المجلة لم تكمل ربع قرن من الزمان حتى غادر إلى رحمة الله تعالى ، ولحق بركب الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ، ثم آلت إلى سعادة أستاذنا جميع المسئوليات الإدارية والتحريرية ، واعتبرت بعض الجهات صدور المجلة نوعاً من المحال ، لكن توفيق الله حالفه ، وبذل في توسعة نطاق المجلة كل ما أمكن له من الإمكانيات ، وساعده فضيلة الشيخ السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي بكتاباته العلمية والأدبية ، فكانت المجلة مصداقاً لقوله :          ” كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ” .

وقد حلم منشئ المجلة في عددها الأول بأن تكون هذه المجلة نقطة اتصال وهمزة وصل بين الهند والبلاد العربية الشقيقة ، فلا شك أن هذه المجلة لم تكن همزة وصل فقط ، بل تخطت الحدود والثغور ، واحتلت مكانة طليعة الجيش للبلدان العربية ، فأهابتها من الأخطار المحدقة بها ، وزوّدتها بالعلم والثقافة ، ومنهجية البحث والدراسة ، ونالت بحمد الله من الاعتبار والثقة في الأوساط العلمية ، بحيث يعتبر كبار الأدباء نشر مقالاتهم فيها سعادةً ومفخرةً لهم ، ولا تزال تأتي إلى مكتب المجلة من الدراسات العلمية والبحوث الأدبية للباحثين والدكاترة المعروفين ، فتزدان بها صفحات المجلة ، وقد وصلت إلى مكتب المجلة رسالة من لبنان ، مفادها : ” والحق نقول : إننا كلما تصفحنا البعث الإسلامي الموقرة وجدناها دقيقة المباحثة ، قوية المجادلة ، شريفة المعاركة ، مبرورة المنافسة ، فإذا صدر عدد جديد كان ريحانة كل أريب ومنية كل أديب ” ( مجلة التقوى من طرابلس ، لبنان ) ، وقديماً أشاد بذكرها فضيلة الشيخ عبد الله خياط رحمه الله ( إمام وخطيب المسجد الحرام سابقاً ) : ” إن مجلة البعث الإسلامي كان لها من التوفيق أن تشق طريقها منذ صدورها بعيدةً عن التعثر والتعويق في إصدارها أو ضم عدد إلى آخر ، وذلك أثر معية الله لها ، ومن يكن الله معه يأتي بالعجائب ” ( البعث الإسلامي ، المجلد السابع والعشرون ) ، هذا غيض من فيض ، ندعو الله تعالى أن يجعل التوفيق حليفها في كل مرحلة من مراحلها ، وما ذلك على الله بعزيز .