هل لهذه الوقاحة من حد ؟!

أحداث 2019م
دسمبر 11, 2019
تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ
مارچ 1, 2020

محمد فرمان الندوي

تدنيس المصحف الشريف في النرويج :

احتشد أعضاء من منظمة ” سيان ” في النرويج في قارة أوربا في 16/ من نوفمبر عام 2019م ، للتظاهر ضد الإسلام والمسلمين ، وذلك في مدينة كريستيان ساند ، وخلال المظاهرة قام أحد المتظاهرين ( آر ني تهومر ) ، وفي يده نسخة من القرآن ، وبدأ يدنِّسها ويحرقها ( العياذ   بالله ) على رؤوس الأشهاد ، فانفجر غضب أحد الشباب المسلمين يسمى عمر إلياس ، وهجم على المجرم الوقح ، بل ركله برجله ، إذ جاءت الشرطة فقبض عليه ، وتم القبض كذلك على المجرم الأصيل ، ووضعت تحت رقابة تامة . وبلاد النرويج أقل الدول الأوربية كثافةً سكانيةً ، عاصمتها مدينة أوسلو ، وتحدُّها من جوانب مختلفة : السويد وفنلندا ، والدنمارك وروسيا ، وتتبع النظام الديمقراطي في سياستها ، وهي الدولة الثانية عشرة في تصدير النفط ، وكانت النرويج قبل ميلاد المسيح مغطاةً   بالثلوج ، فلم يكن هناك مجتمع سكاني ، فذابت هذه الثلوج بألف سنة ق م ، فهاجر إليه الناس من الدول المجاورة ، يحكمها حالياً الملك هارالد الخامس ، ورئيسة وزرائها إرنا سولبرغ ، وتنتمي النرويج في قديم الزمان إلى  ناروى ( Norway ) ابن للملك وائي الذي حكم في بداية تاريخها .

إساءات بغيضة في أوربا :

ليست هذه الجريمة صُدفةً أو فَجأةً ، صدرت على غفلة من    أهلها ، بل الواقع أن أمثال هذه  العمليات المجرمة في أوربا تُكرَّر وتُعاد فينةً لأخرى ، بحيث تحرق نُسخ القرآن الكريم ، وتجري الإساءات إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا يكون الغرض من ذلك إلا الاستهانة بذات الرسول صلى الله عليه وسلم أو القرآن الكريم ، وما وقع قبل عدة سنوات في الدنمارك جارة النرويج حول نشر صُور كاريكاتيرية للرسول صلى الله عليه وسلم ، وما قام ” تيري جونس ” به من إحراق نسخة القرآن الكريم في أمريكا ليس ببعيد منا ، كأن أعداء الإسلام يختبرون اعتناء المسلمين بهاتين الشعيرتين ، ويحاولون معرفة مدى حبهم لهما ، ولا شك أن المسلمين وإن كانوا في غاية من ضعف العقيدة وضآلة العمل ، لكنهم لا يتخلون أبداً عن معاقبة جريمة الإساءة إليهما ، ولا يتنازلون عن الامتثال لآدابهما أبداً ، مهما أدى ذلك إلى خسائر باهظة ، ويدل على ما وصل إليه المسلمون الضعفاء في الإيمان نحو احترام الرسول صلى الله عليه وسلم ما جرى قديماً في أحد الفنادق مع الشاعر الأردي أختر الشيراني الذي كان مدمناً للخمر ، فكان مرةً في نشوة وطرب ، فانتهز أحد الشباب العلمانيين أن يكلِّفه سهواً على الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه    وسلم ، فضرب بكأس الخمر على رأس ذلك الشاب البذيئ ، وقال : هل أنت تريد أن تسلب مني  زادي الأخير للنجاة الأبدية ؟ هكذا كان شأن المسلمين ” المذنبين ” مع الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم .

غارة أو جهالة ؟

لسنا ممن ينسبون هذه الأعمال إلى ديانة خاصة ، لأن الجرائم لا تحمل أسماء الديانات ولافتات التقديس والاحترام ، ولا ترتبط منها ، فإن المجرم يرتكب أمثال هذه الأعمال إشباعاً لغرائزه الشيطانية ، وإطفاءاً لنار حسده التي تتأجج في دماغه ، وهذه ظاهرة خطيرة تفرض علينا أن نذكر تكرارها وظهورها حيناً لآخر في دولة دون دولة ، وهي تعيد عقارب الساعة إلى الوراء وتحمل في طياتها معاني أخرى ، فهناك ينكشف أن الاتجاه المعاكس للإسلام هو السبب الأصيل وراء هذه الأعمال الوقحة ، ولن يتوقف أبداً ، لأنه يُنْشَر ويروَّج على الصعيد   العالمي ، وهو خطر كبير على أمن العالم أجمع ، وقد قامت في أوربا لذلك لجان وأكاديميات ومجامع علمية ، يسهر أصحابها الليالي الطوال لمجرد توجيه اللومة إلى الإسلام ، وإقامته في قفص الاتهام ، كأنهم نالوا فيه بغيتهم ، فبذروا الشكوك والشبهات في قلوب الناس نحو الإسلام وشعائره ومقدساته ، فضعف اعتقاد الناس نحو هذه الأمور ، فملأتهم حقداً وحنقاً ، واعتبروا الإسلام ديانةً عامةً مثل الديانات السابقة ، ولا نستطيع أن نسمي ذلك إلا بالإسلام فوبيا ، ومعاداة الإسلام ، فليس هذا جهالةً عامةً ، بل وغارة منكرة ، نُسجت خيوطها في جنح الليل ، ودبرت مكايدها في رابعة النهار .

ويبرِّر الغرب أن حرية الرأي تسمح بأن يكون الإنسان حراً في تعاملاته ، فيخترق قوانين الدين والشريعة والدساتير العالمية ، وقد بلغ الإنسان في حرية الرأي إلى أن أصبح أضل من الحيوان ، وأذل من الخنافس والجعلان ، واختل نظامه الاجتماعي حتى بدأ الابن يعصي    أباه ، والبنت تعصي أمها ، وقد تعدى هذا العنصر إلى الشعائر   الإسلامية ، فجعلت تنتهك وتنقص من مكانتها وقيمتها باسم حرية  الرأي ، وقد اتخذ ذلك موضةً عالميةً بعد هجوم مباغت على مركز التجارة العالمي ببنتاغون وواشنطن ، رغم أن الإسلام يحترم الأديان والمذاهب ، ويحد على المسلمين أن يسيئوا إلى الديانات ، قال الله تعالى : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( الأنعام : 108 ) .

مثالان لهذا الاتجاه المعاكس :

وقد انتشر الاتجاه المعاكس للإسلام في الدول الأخرى ، وقد شاهدنا مثال ذلك كما أفادت صحيفة The Indian Express في 16/ أكتوبر عام 2019م ، أن مدير مدرسة رسمية في بيلي بهيت الأستاذ فرقان علي ( البالغ من العمر : 45 عاماً ) ، قد أُجبر على التنازل عن وظيفته لهذه المدرسة ، لمجرد أنه كلّف الطلاب الدارسين في المدرسة أن ينشدوا أنشودة الدكتور محمد إقبال :

لب پہ آتی ہے دعا بن كے تمنا ميری                      زندگی شمع كی صورت ہو خدايا ميری

( يا رب ! إني أمنيتي تنطلق بلساني أن تكون حياتي مثل المصباح المنير ، والشمعة المحرقة وجودها ) ، وكذلك الدكتور فيروز خان الذي تم ترشيحه بل تعيينه كأستاذ للغة السنسكريتية في جامعة بنارس ، لكن بعض الجهات احتجت ضده أن محاضراً مسلماً لا يستطيع أن يتقن تدريس اللغة السنسكريتية ، رغم أن الدكتور فيروز يتضلع كاملاً من هذه اللغة ، وقد أخبرت المصادر الإعلامية بأنه قد نُقل إلى قسم آخر من الجامعة ، وهو يدرس الطلاب في كلية الطب .

هل الاحتجاجات الشعبية تغني عنا شيئاً ؟

حينما وصل خبر تدنيس المصحف الشريف إلى العالم الإسلامي قامت موجة عارمة ضد العمل الوقح ، وبدأت سلسلة الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية في عدة دول ، وخرجت مسيرات كبيرة حول هذه القضية ، حتى استُدعى سفير النرويج إلى مكاتبها احتجاجاً على هذه الفعلة الشنيعة ، وقد تظاهرت بعض الفئات المسلمة بقراءة القرآن جماعياً على الشوارع ، وكان المنظر بهيجاً ورائعاً ، وكتب العلماء  مقالات طويلةً وكتابات عريضةً في صفحة الفيسبوك وفي الصحف والجرائد ، وقال بعض العلماء : ” إن الحلم والصبر والحكمة صفات حسنة ، لا بد للإنسان أن يتظاهر بها ، بشرط أن لا تصل هذه الصفات إلى المداهنة ، ولتعلم الدنيا كلها أن هناك أمرين :  القرآن وذات الرسول صلى الله عليه    وسلم ، إذا انتُهكت حرمتهما يكون المسلمون عاطفيين ، ولا يتحملون أدنى ضيم في هذا الشأن ، ورحم الله الشاب عمر إلياس الذي أدى فريضة الكفاية عن المسلمين جميعاً ” ، وقال آخرون : ” يا ليتني كنت معه في هذه المرحلة ، وفديت شيخوختي على هذا الشاب ” .

لا شك أن هذه العواطف النابعة من القلب تدل على صلة المسلمين بالقرآن الكريم ، وهي درجة حسنة من درجات الكراهية والنفور من تدنيس القرآن الكريم ، لكن يجب على المسلمين أكثر من هذا نحو القرآن الكريم ، فهناك ستة حقوق تعود عليهم ، وهي : الإيمان بأن القرآن الكريم كلام الله تعالى ، وليس كلام محمد صلى الله عليه وسلم ، واحترامه وتقديسه ظاهراً وباطناً ، وتلاوته ليل نهار ، وفهمه ، والعمل بتعليمه ، والدعوة إليه ، فأخذ حق واحد دون غيره عبارة عن إتلاف حقوق القرآن الكريم ، فيكون القرآن الكريم حجةً علينا يوم القيامة ، أعاذنا الله من ذلك .