الحضارة القرآنية : عناصرها وقيمها العليا

العلم القرآني وصلته بحياة الإنسان
اکتوبر 12, 2021

الدعوة الإسلامية :

الحضارة القرآنية : عناصرها وقيمها العليا

الدكتور الحافظ سعيد أحمد *

خلق الله عز وجل الكون وزينه بما شاء ، ثم استخلف آدم وذريته في الأرض ، وأسجد له ملائكته الكرام بعد أن علمه الأسماء كلها ، فقال تعالى : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ    تَعْلَمُونَ ) . ( البقرة : 30 ) .

وإن الإنسان اجتماعي بفطرته . فهو يسعى إلى بناء حياة اجتماعية يسود فيها التعاون وتتحقق فيها المصالح المتبادلة لجميع أفراد المجتمع . والحضارة مصاحبة للوجود الاجتماعي الإنساني . وهي كل إنتاج أو عمل تنعكس فيها الخصائص الفكرية والوجدانية والسلوكية للإنسان الاجتماعي الواعي في الإطارات من القيم العليا والمبادئ القيمة التي تسعد بها البشرية جمعاء . والحضارة هي ثمرة التفاعل بين عناصر ثلاثة . وهي : الإنسان والكون والمنهج . الإنسان وهي اللبنة الأساسية والدعامة الرئيسية في البناء الحضاري ، والكون الذي سخره الله للإنسان بما فيه من كنوز وذخائر وثروات وطاقات ، والمنهج الذي يسلكه الإنسان ليبني حضارته ويحميها . وعناية القرآن الكريم بالإنسان عناية وافية ، يشمل جميع مراحل حياته ، ويبين له منهجه في الحياة ، وعلاقته مع الكون . وأوّل رسالةٍ قرآنيةٍ يتودد الله تعالى فيها لعباده ويعرفهم بنفسه ، فهو خالقنا ، ورازقنا ، ومدبر أمورنا ، ومصرف أحوالنا على وجه العناية والحفظ . فقال تعالى : ( ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ . خَلَقَ ٱلإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ . ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ . ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ . عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) . ( العلق : 1 – 5 ) .

وأوّل رسالةٍ قرآنيةٍ تؤذن بأنه دعوةٌ عالميةٌ ، تحمل مشاعل النور ، وتفتّح روافد الخير ، وتفجّر ينابيع الرحمة للإنسانية . وهذه الرسالة القرآنية تضع اللبنات الأولى في صرح بناء حضارةٍ إنسانيةٍ رائدةٍ راشدة وتضع لنا منهجاً لتلقي العلوم وتأصيلها ، وتطبيقها . فقوله تعالى : ( ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ ) أوّل توجيهٍ إلهيٍّ ، وأول تكليفٍ ربانيٍّ يحمل دعوةً عامةً إلى القراءة ، وحثًّا على العلم ؛ فالقراءة وسيلة الوعي والمعرفة ، والعلم طريق المجد ، ونبراس الرقيّ والحضارة .

كرّم الله الإنسان بالعلم ، فينبغي أن يحسن الانتفاع به فهو سبيل النجاة وطريق الفلاح في الدارين . ومن دلائل تكريم الله تعالى للإنسان ومن تمام إنعامه عليه : أن جعل الكون كلَّه مسخَّراً لمنفعته ؛ السماء والأرض ، والشمس والقمر والنجوم ، والليل والنهار ، والماء واليابس ، والبحار والأنهار ، والنبات والحيوان والجماد ، كلّها مسخّرةٌ لمصلحة الإنسان ، تكريماً له وتفضّلاً عليه . قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) . ( الحج : 65 ) .

وقال تعالى : ( ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) . ( الجاثية : 12 – 13 ) .

فالإنسان مع ضعفه سخّرت له هذه المخلوقات ، وتلك العوالم مع عظمها وقوتها وامتدادها إلا أن الله عز وجل طوّعها له وهيّأها لخدمته وانتفاعه منهما ، رحمةً منه ولطفاً . إن آيات القرآن الكريم تجلّي لنا هذا الكون المشهود ، وتبرز روائعه وتصف بدائعه ، وتحكي اتساقه وتكشف حقائقه وتبرهن على عظمة خالقه . وهذه هي النظرة إلى الكون ، خلافاً للماديين لأنهم لا يفكرون في البداية ولا في النهاية بل يبحثون فيما   بينهما . لكن القرآن يهدي الناس أن يفكروا في الكون وينظروا إليه بنور إيمانهم ويصعدوا منه إلى خالقه .

إن في الكون حقائق كبرى ، لا يمكن الإنسان أن يدركها ، ومباهج لن يذوق حلاوتها ولن يتنسم عبيرها ما لم يتخلّص من القيود المادية التي أثقلته ويتجرّد من تلك النظرة الضيّقة إلى أن يفتح قلبه وبصيرته لهذا الكون الرحيب فيتأمله بعين بصيرته ، ويستكشفه بنور إيمانه ، حينئذٍ ستنكشف له أسرار وتنجلى أمام ناظريه دقائق ولطائف .

إن تقدّم الإنسان وتحضّره مرتبطٌ بنظرته للكون وعلاقته به وعمق معرفته واعتدال سلوكه في هذا الكون ، وبقدر معرفته بنواميس هذا الكون وسننه ودقائقه بقدر تقدّمه وتمكّنه وتحقيقه لواجبات الخلافة ، لكنّ معرفة الإنسان بالكون لا تتناسب مع طموحاته وآماله ، وهناك حجبٌ كثيفة وحواجز تحول دون انطلاق الإنسانية في عالم المعرفة ، منها بعده عن المنهج الرباني ، وتشبّث كثير من البشر بالأساطير والأوهام التي ترسّبت في عقولهم ، وانصرافهم عن العلم والمعرفة بإشباع الشهوات وتحقيق المكاسب المادية .

الإنسان خلق في هذا الكون لأسمى غاية وأسنى مقصد وهو إخلاص العبادة لله رب العالمين الذي خلقه ورزقه وأكرمه وفضله على كثير مـن المخلوقات ، قال تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) .    ( الذاريات : 56 ) .

فمهمة الإنسان وغايته ومحور وجوده هو عبادة الله وحده ، والقيام بحقّ الخلافة في الأرض ، بتعميرها وإصلاحها وإقامة موازين العدل وأركان الرحمة في أرجائها ، والمحافظة على مواردها وحسن استغلالها ، ورعاية البيئة وحمايتها ، وهذه المسئولية يتحمّلها كلّ إنسانٍ مكلفٍ .

قال تعالى : ( وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ آتَاكُمْ ) . ( الأنعام : 165 ) .

ومن مقتضيات مهمة الاستخلاف في الأرض : المحافظة على ثرواتها وكنوزها ، وخيراتها ، والسعي إلى إصلاحها والنهوض بها وبأهلها ، وفق منهج الله تعالى ، فهو تعالى خالق هذا الكون ومدبِّره . والاستخلاف يعني : أن الإنسان وصيٌّ على هذا الكون لا مالكاً له ، إنه مستخلفٌ على إدارته واستثماره وإعماره أمينٌ عليه .

والإنسان موكّلٌ بعمارة الأرض مخوّلٌ بريادتها ، فضلاً عن كونه جزءًا من هذه البيئة التي أمر بحمايتها ورعايتها ؛ فهو مخلوقٌ من الأرض ، قد اشتمل تركيبه على جميع عناصرها ، فهو جزءٌ منها وصلاحه مقترنٌ بصلاحها وحاضره ومستقبله مرتهنٌ بحاضرها ومستقبلها ، وحين يعي ذلك يسعى إلى التدابير الواقية من المفاسد الناتجة عن الإضرار بها .

إن للإنسان دوره المنشود في هذا الكون فهو قوةٌ إيجابيةٌ ، خلقه الله تعالى ليعمّر ويطوّر ، وليصلح وينمّي ، والله سبحانه في عونه بتسخير كثيرٍ من المخلوقات له ومنحه كنوز هذه الأرض وخيراتها ، وهو مُعانٍ من الله كذلك بما وهبه من القوى والاستعدادات الذاتية . ودعا القرآن الكريم إلى معرفة قيمة ما حولنا من مخلوقاتٍ والبحث عن دورها وطبيعتها ، فكم تعلّم الإنسان من الكائنات من حوله ، وكم هداه الله بسببها إلى مخترعاتٍ أفادت الإنسانية .

فعلينا أن نتأمل في قصة هابيل وأخيه قابيل : كيف كان الغراب معلّماً للإنسانية – أول درسٍ في حماية البيئة – كيف تدفن موتاها في أولّ حالة وفاةٍ إنسانية . قال تعالى : ( فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِى ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِىَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ ) . ( المائدة : 31 ) .

من هنا كانت المخلوقات الأخرى مصدراً من مصادر المعرفة الإنسانية فضلاً عن أهميتها البيئية ، لذلك فإنه من الأخطاء التي نبّه القرآن الكريم عليها محذّراً من الوقوع فيها أن يحتقر الإنسان بجهلٍ منه بعض المخلوقات ، أو يتطاول عليها بلسانه فيسبّها لأذًى أصابه منها ، ويغفل عما تحمله من خيرٍ .

الحضارة الإنسانية غايتها الرائدة التي يسعى إليها القرآن الكريم تنسجم مع الغاية من وجود الإنسان في هذا الكون ، وهي غاية يسعى الإنسان لتحقيقها كفرد ، وفي إطار المجتمع الذي يعيش فيه . ومهمّة الإنسان في هذا الكون بعد عبادة الله عز وجل ، القيام بحقّ الخلافة في الأرض ، بتعميرها وإصلاحها وإقامة موازين العدل وأركان الرحمة في أرجائها ، والمحافظة على مواردها وحسن استغلالها ، ورعاية البيئة وحمايتها . وهذه المسئولية يتحمّلها كلّ إنسانٍ مكلفٍ ، ومن مقتضيات مهمة الاستخلاف في الأرض : المحافظة على ثرواتها وكنوزها ، وخيراتها ، والسعي إلى إصلاحها والنهوض بها وبأهلها ، وفق منهج الله تعالى ، فهو تعالى خالق هذا الكون ومدبّره . ورسالة الإنسان هي رسالة الإصلاح والتعمير ، ولقد سخّر الله للإنسان كل ما يعينه ويذلل له الصعاب كي يقوم بواجبه ويؤدي رسالته . وإن رضا الله عز وجل غاية وجود الإنسان لن يتحقق إلا باتباع منهجه وابتغاء وجهه الكريم في كل عمل يقوم به الإنسان ، وهذا يدعوه إلى اختيار الأعمال الصالحة النافعة ، وجودة العمل وإتقانه ، ومراقبة خالقه جل وعلا ، وسعيه إلى إرضائه بإخلاص النية وإتقان العمل . إن تلك الغاية الأسمى للحضارة الإنسانية في القرآن الكريم تجعل للحضارة سماتها التي تتميز بها عن غيرها من الحضارات ، وإن اشتركت معها في مظاهر كثيرة ، لكنها تتميز حين يتعلق الأمر بالعقيدة الإسلامية ، والشريعة الربانية .

إذا اتضحت لنا الغاية من وجود الإنسان ، فقد اتضحت لنا ملامح المنهج الرباني الذي يقيم تلك الغاية ويحققها في الواقع ، هذا المنهج لا بد وأن يكون قدسيّاً علويّاً حتى يذعن له الإنسان ويقبل عليه ، وأن يكون واقعيّاً حقيقيّاً حتى يكون صالحاً للتطبيق في دنيا الناس ، لا يجافي الفطرة ولا يصادم العقل ، ولا ينازع الوجدان ، بل يكون جديراً بالرقي والتقدّم ، والسعادة والرفاهية للإنسانية . والحضارة المؤسسة من منظور القرآن الكريم ، تقوم على منهج قويم يرسم خطاها وينير دروبها ويضيئ معالمها ، ولا بدّ لهذا المنهج أن يتميّز بمزايا عديدة منها الشمول ، والثّبات ، والصّلاحية لكلّ زمانٍ ومكانٍ ، والتّوازن ، والوفاء بحاجات البشر ، والعمق ، والواقعيّة ، والقدسية ، ولا يمكن للعقول البشريّة مع ما اتّسمت به من القدرة على التّفكير والإبداع ، والملاحظة والاستنباط ، والتّجديد والابتكار أن تتفتّق عن مثل هذا المنهج الذي تسلم له العقول ، وتطمئن به القلوب ، وترضى به النّفوس ، ويلائم الفطرة ، ويناسب طبيعة الإنسان ، ويراعي طاقاته وملكاته ، ويحقق المصلحة للجميع .

والقرآن الكريم لا يحتوي على المنهج فحسب بل يربي عليه ويرسّخه في الوجدان ويغرسه في النّفوس التي تزكو لتنشط وتجدّ في حمل هذا المنهج ، ويحبّبه إلى القلوب التي تتهيأ وترتقي للتمثّل بهذا المنهج ، فالقرآن ليس دستوراً يحكم النّاس وينظّم حياتهم وعلاقاتهم بل زادٌ روحيٌّ ، وغذاءٌ ربّانيٌّ ، وقبسٌ نورانيٌّ ، ودواءٌ ناجحٌ لكلّ الأدواء تزكو به النّفوس ، وتطمئن القلوب ، وتسمو الأرواح ، وتنشرح الصّدور ، وتجلو الأفهام ، وتتوقّد القرائح ، يقدح زناد الفكر ، ويوقظ الهمم ، ويثير العقول ، ويرقّق المشاعر ، ويليّن القلوب .

قال تعالى : ( لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِنْ  قَبْلُ لَفِى ضَلالٍ  مُّبِينٍ ) ( آل عمران : ١٦٤ ) .

فمن نعم الله على العباد أن أرسل فيهم رسولاً يبيّن لهم المنهج ويؤصّله ، ويقيّمه ، وينافح عنه ، ويدعو إليه ويتمثّله ، ويقيمه مسلكاً وأسلوباً في الحياة ، ويفنّد ما يثار حوله من غبار الشّبهات .

لا بد لكل بناء من أسس ولا بد لكل أساس من عماد ، والحضارة الإسلامية بناء مشيد على أسسٍ محكمة متينة ، وأعمدة حصينة وسياج قويّ ، فالإيمان والعمل الصالح ، وتقوى الله تعالى والسعي لرضوانه ، واغتنام الأوقات وتوظيف المال ، مع التوكل على الله تعالى والأخذ بالأسباب من أهم عناصر هذا البناء الحضاري ، وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تقرّر هذه الأصول ، ويكفي أن نتأمل في سورة العصر كيف جمعت هذه الأصول : الوقت ، والإنسان ، والغاية ، والإيمان والعمل الصالح ، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وما يقتضيه ذلك من واجبات ، حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله : لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم . تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير ٤/٦٧١ .

قال تعالى : ( وَٱلْعَصْرِ . إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ . إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ ) ( العصر : ١ – ٣ ) .

ولقد بصّرتنا هذه السورة بأساس الحضارة ونبراسها : الإيمان ، والعمل الصالح ، والتواصي بالحق ، والصبر ، سعياً في إصلاح النفس وإصلاح الغير ، وطلباً لإكمال النفس وتكميل الغير .

فالعناصر للحضارة في ضوء القرآن الكريم فيما يلي :

أولاً : الإيمان والعمل الصالح : الإيمان غراس الحضارة وأصولها ، الإيمان شجرة طيبة باسقة ، مزهرة مؤنقة ، مثمرة مغدقة ، الإيمان روح الحضارة وركيزة الانطلاق إلى التقدم والرّقي ، الإيمان إكسير الحياة ، وزاد الإنسان ، وشعلة الكون ، ونفحة الوجود .

ثانياً : العلم النافع : جاء القرآن بالعلم الذي يحيي موات القلوب ، ويصلح فسادها ، ويجلّيها ويوقد سراجها ، جاء بمنهجٍ وطريقٍ وركائز لبناء أسمى الحضارات وأنقاها ، لم تقم تلك الحضارة على أنقاض حضارةٍ أخرى ، ولم تكن وريثةً أو ربيبة لحضارةٍ أخرى ، بل قامت على رمال الصّحراء الشّاسعة ، وأوقدت شعلتها وأشرقت شمسها بعد ظلام ليلٍ طويلٍ حالكٍ ؛ لتنثر ضياءها في ربوع الكون ، ولتبدأ البشريّة عهداً جديداً في ظلال الإسلام ، الذي تولّى قيادة موكب الإنسانيّة قروناً عديدةً ، جاء بالرّوح التي تسري في الأمة ، فإذا هي حيّةٌ نابضة بعد أن كانت راقدةً خامدةً ، فالإيمان هو القداح الذي أذكى شعلتها .

إن الحاجة إلى العلم ضروريّةٌ للإنسان ، فهو أساس النهضة والتقدم ، وعماد الحضارة ، وقوام الحياة ، وقد قام الإسلام على أساس متين من العلم ، وحسبنا أن أول آيات نزلت من الوحي الإلهي إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أشارت إلى فضل العلم ، حيث أمر بالقراءة ، وهي مفتاح العلم ، ونوّهت بـ ( القلم ) ، وهو رمز العلم وأداته التي يدوّن بها .

فلا يعرف دين – مثل الإسلام – ولا كتاب – مثل القرآن – أشاد بالعلم ، وحثّ عليه ، ورغب في طلبه ، ونوه بأهله ومكانتهم ، وأعلى من قدرهم ، وبيّن فضل العلم وأثره في الدنيا والآخرة ، وحض على التعلّم والتعليم .

العلم نورٌ وضياءٌ ، وهدايةٌ وعصمةٌ ، وفضلٌ من الله ونعمةٌ ، ومنحةٌ ورحمةٌ ، به تنكشف الظلمات ، وتنقشع غيوم الفتن ، وينجلي غبار الشّبهات ، وهو نبراس الحضارة وأساسها ، وروحها وملهمها .

ثالثاً : التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب : من أهم الأسباب إلى التقدم والنهوض والحضارة والرقي : التوكل على الله تعالى ، فبيده مقاليد كل شيئ ، وهو المدبر لهذا الكون المصرّف له ، وبيده مفاتيح الرحمات والبركات والعطايا ، مع الأخذ بالأسباب الموصلة للتقدم والنهوض ، فالله تعالى جعل الأخذ بالأسباب وتأثيرها سنةً في هذا الكون لا بد من أخذها بعين الاعتبار ومراعاتها من أجل إصلاح الكون وعمارته ، فالتوكل على الله تعالى من عوامل النجاح ومفاتح التيسير والقبول .

رابعاً : التقوى والاتباع : تقوى الله تعالى من أهم أسس البناء الحضاري ، وحصونه المنيعة ، فتقوى الله زادٌ وسراجٌ وعصمةٌ ومنهاج ، وتقوى الله تعالى دافعٌ لعمل الصالحات واجتناب المحرمات وإتقان الأعمال ومراقبة الله تعالى في جميع الأحوال ، والمبادرة إلى البرّ ، والحرص على الخير ، والأتقياء هم الصادقون الناصحون ، الأوفياء الصالحون ، العاملون المتقنون ، العابدون المحسنون ، الرحماء المتسامحون .

خامساً : توظيف المال : المال وسيلةٌ من الوسائل الضرورية ، فهو قوام الحياة وروحها التي تسري في كيان المجتمعات والأمم ، وهو نعمةٌ من نعم الله تعالى على العباد ، بيد أنّه مع ذلك فتنةٌ وابتلاءٌ لمن ناله ، بل فتنةٌ كذلك لمن حرم منه ، ولنا في هذا المكان وقفةٌ مع نظرة القرآن للمال ، نتدبّر ما تيسّر من الآيات البينات التي وردت في هذا الشأن :

(1) المال نعمة من الله :

نعم الله تعالى لا تعدّ ولا تحصى ، فمنها الظاهر ومنها الباطن ومنها العاجل والآجل ، ومنها النعم العامة والنعم التي يختصّ الله بها من يشاء ، ومن هذه النعم نعمة المال ، قال تعالى : ( وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) ( إبراهيم : 34 ) . وتمام هذه النعمة أن يصير المال الصالح في يد العبد الصالح الذي اكتسبه من حلّه وينفقه في حقه ، من هذا المنطلق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه : يا عمرو ! نعم المال الصّالح مع الرّجل الصّالح . ( أخرجه أحمد في المسند ، ٢٩/٢٢٩ ، رقم ١٧٠٩٦ ) .

(2) المال خيرٌ :

وجاء التعبير عن المال في القرآن بكلمة ( خيرًا ) كما في قوله تعالى : ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ) ( البقرة : ١٨٠ ) . فالمال خير ؛ لأنه يقضي الحاجات ، ويغني عن السؤال ، والمال خيرٌ إذا جاء من حلّه وأنفق في حقّه . قال تعالى : ( وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ) ( البقرة : ٢٧٢ ) . فنظرة الإسلام للمال نظرةٌ إيجابيةٌ واقعيةٌ متوازنة .

(3) المال مال الله :

المال هبةٌ ومنحةٌ من الله ، فهو من الله تعالى ، وعلى العبد أن يضع نصب عينيه دائماً أن المال مال الله تعالى ، فلا يضنّ به على محتاجٍ ، بل يحسن كما أحسن الله إليه ، ويوسّع كما وسّع الله عليه .

(4) الإنسان مستخلف في ماله :

وليدرك الإنسان أنه مستخلفٌ في هذا المال ، وأنه لو دام لغيره لما وصل إليه ، فليتق الله فيه ، ولينفقه في حقه . قال تعالى : ( آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ )      ( الحديد : ٧ ) .

قال الإمام الشوكاني : فإن المال مال الله ، والعباد خلفاء الله في أمواله ، فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه ، وقيل : جعلكم خلفاء من كان قبلكم ممن ترثونه وسينتقل إلى غيركم ممن يرثكم ؛ فلا تبخلوا به ، كذا قال الحسن وغيره ، وفيه الترغيب إلى الإنفاق في سبيل الخير قبل أن ينتقل عنهم ويصير إلى غيرهم . ( فتح القدير ، الشوكاني   ٥/٢٣٣ ) .

(5) المال قوام الحياة :

جبلت النفوس على حبّ المال ، فالمال بالنسبة للحياة كالدم الذي يضخّه القلب فيسري في سائر الأعضاء ، فالمال قوام الحياة ونبضها .

قال تعالى : ( وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ) ( النساء : ٥ ) .

قال البغوي : هو ملاك الأمر وما يقوم به الأمر ، وأراد هاهنا قوام عيشكم الذي تعيشون به ، قال الضحاك : به يقام الحج والجهاد وأعمال البّر ، وبه فكاك الرقاب من النار . معالم التنزيل ، البغوي ٢/١٦٤ .

وقال الزمخشري : ( جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً ) أي : تقومون بها وتنتعشون ، ولو ضيعتموها لضعتم . ( الكشاف ، الزمخشري ١/٣٧٧ ) .

(6) المال وسيلةٌ وليس غاية :

المال في الإسلام وسيلةٌ لا غاية ، وسيلة إلى تحقيق بعض الحاجات وتحصيل المنافع التي لا غنى للإنسان عنها ، لكن إذا صار المال غاية للإنسان فإنه ينقلب آفةً ؛ إذ يحمله على الجشع والطمع ، وارتكاب المحرمات وانتهاك المحظورات ، والشحّ والأنانية ، والتقتير والحرمان حتى يصير عبداً للمال وخادماً له وخازنًا عليه ، ويضنّ بحق الفقراء والمساكين بل يحرم أعزّ الناس عليه من حقهم في الإنفاق ، ولقد نهى الإسلام عن ذلك .

قال تعالى : ( يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ( التوبة : ٣٤ ) .

(7) المنهج القويم في كسب المال :

دعا الإسلام إلى كسب المال الحلال الطيّب ، قال تعالى : ( هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ ) ( الملك : ١٥ ) . وقال تعالى : ( يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ ) ( البقرة : ٢٦٧ ) . ونهى القرآن عن الكسب الحرام بشتى صوره ووسائله قال تعالى : ( وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى ٱلْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ ٱلنَّاسِ بِٱلإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ( البقرة : ١٨٨ ) .

(8) المنهج القويم في إنفاق المال :

قال تعالى في أوصاف عباد الرحمن : ( وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذٰلِكَ قَوَاماً ) ( الفرقان : ٦٧ ) . أي : ليسوا مبذرين في إنفاقهم ولا بخلاء على أهليهم ، بل معتدلون في الإنفاق ، وخير الأمور أوسطها .

سادساً : اغتنام الوقت : للوقت ذكره في القرآن وأهميته ، فلقد بيّن القرآن الكريم قيمة الوقت ، وأنه أمانة ومسئولية ، وأنه نعمة جليلة ، وعبرة عظيمة ، وأن من شأن المؤمن أن يعمّر أوقاته بكل عمل صالح يعود نفعه عليه وعلى من حوله ، وأن المحافظة على الوقت وحسن استثماره من أسباب التقدّم والنهوض ، ومن مظاهر التحضّر والرقي ، وهو من شأن العلماء والمصلحين والمجددين والقادة والحكام .

والعقـلاء وحـدهم هـم الذين يـدركون هذه النعمة ويجدّون في القيام بحق شكر المنعم عز وجل ، الـذي رحـم بنا وأنعم علينا بنعمة الليل ونعمة النهار ، فلا تستقيم الحياة بدون هاتين النعمتين ، فلا غنى بالليل عن النهار ، كما أنه لا غنى بالنهار عن الليل .

قال تعالى : ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ . قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ . وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ( القصص : ٧١ – ٧٣ ) .

من هنا تتجلى لنا تلك النعمة الإلهية التي غفل عن شكرها الغافلون ، وتنافس في تبديدها وإهدارها البطّالون المبطلون ، وفرّط فيها المغبونون .

عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : قال النّبي صلى الله عليه وسلم : ” نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النّاس الصّحّة والفراغ ” . أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الرقاق ، باب ما جاء في الصحة والفراغ ، وأن لا عيش إلا عيش الآخرة ، ( رقم ٦٠٤٩ ) .

فعلى المؤمن العاقل أن يجدّ في شكر المنعم على نعمة الوقت ، وأن يوظّفه في كل مفيد نافع . ولسوف يسأل الكفار وهم يقلّبون في النار عن الأعمار التي أفنوها .

قال تعالى : ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِى كُـنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ) ( فاطر : ٣٧ ) .

سابعاً : رعاية الحقوق وأداء الواجبات :

من أسباب التقدم والنهوض معرفة الحقوق والواجبات ، وأداء الحقوق والقيام بالواجبات ، ولقد ميّز القرآن الكريم في آياتٍ كثيرة بين الحقّ والواجب ، وقدّم الواجب على الحقّ حتى يشتغل به المرء أولًا ففيه صلاحه وفلاحه وسعادته في الدارين ، ولو أدى كلّ واحد ما عليه من واجبات لاستوفى أصحاب الحقوق حقوقهم ، فإن أداء واجبٍ يعني الوفاء بحقٍّ . قال تعالى : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ( الفاتحة : ٥ ) .

وفي تقديم العبادة – وهي حق الله على العباد – على طلب العون – وهو مطلب العباد من ربهم – بيان لوجوب تقديم الواجبات على المطالب .

وقال تعالى : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِى عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ ) ( البقرة : ٢٢٨ ) .

ونهى الله تعالى عن بخس الحقوق أو الانتقاص منها ، فقال : ( وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) ( الأعراف : ٨٥ ) . وقال تعالى : ( وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ . ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسْتَوْفُونَ . وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) ( المطففين : ١ – ٣ ) .

فإن التطفيف في الكيل والميزان كالتطفيف في الحقوق والواجبات ، بعض الناس يقصّر في واجباته ويفرّط فيها بينما يصرّ على استيفاء حقوقه والزيادة عليها ، وهذا من التطفيف في الحقوق والواجبات .

والحقوق في الإسلام منحة ربانية ، ليست من وضع بشر ولا تفضلاً من أحد ، والناس في المجتمع المسلم ليسوا في حاجة للكفاح والثورات من أجل البحث عن حقوقهم ، بل إنها حقوق دعت إليها الشريعة وقررتها ، حقوق تتناسب مع الفطرة ، حقوق متوازنة تحقق العدالة والخير للجميع ؛ الحاكم والمحكوم الغني والفقير ، المرأة والرجل الصغير والكبير ، حقوق ثابتة وشاملة تتواكب مع شتى العصور وتتناسب مع كل الأجيال ، وهي ليست حكراً على طبقة معينة أو على طائفة معينة منهن ، فهي للجميع على السواء ، مهما اختلفت الألوان وتناءت الأوطان وتباينت الظروف والبيئات ، بل إن لغير المسلم حقوقه الشرعية التي يجب على المجتمع المسلم الذي يعيش في كنفه الوفاء بها ، وهي واقعية تراعي طبيعة الإنسان وطاقاته واحتياجاته ودوره في هذا الوجود ، فضلاً عن مراعاة طبيعة من يجب عليه الوفاء بتلك الحقوق ، حقوق معلومة : معرفة تلك الحقوق مطلب ضروري ومقصد شرعي فيجب على الجميع معرفة ما له وما عليه ، خذ على سبيل المثال حق الفقير على الغني قال تعالى : ( وَٱلَّذِينَ فِيۤ أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ . لِّلسَّآئِلِ وَٱلْمَحْرُومِ ) ( المعارج : ٢٤ – ٢٥ ) .

ولقد حرص سلفنا الصالح على معرفة ما عليهم من واجبات وما لهم من حقوق ، فعن حكيم بن معاوية القشيريّ عن أبيه رضي الله عنه قال : ” قلت : يا رسول الله ما حقّ زوجة أحدنا عليه ؟ قال : أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت أو اكتسبت ، ولا تضرب الوجه ، ولا تقبّح ، ولا تهجر إلاّ في البيت ” . أخرجه أبو داود في سننه ، كتاب المناسك ، باب في حق المرأة على زوجها ، ١/٦٥١ ، رقم ٢١٤٢ . وحسنه النووي في رياض الصالحين ، ص ٣٤ ، رقم ٢٧٧ .

وخلاصة الكلام أن القرآن الكريم كان وما زال وسيبقى دائماً المعين الصافي الثر للمعاني والقيم العليا التي تشيّد عليها الحضارة الإنسانية . وذلك لأنه يقصد إلى تحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة على أساس من الحق والعدل والمساواة والسلم . فالقرآن الكريم يقدم نظاماً كاملاً محكماً في مختلف جوانبه الروحية والخلقية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية . وكذلك  يدعو القرآن الكريم إلى مبدأ الوحدة الإنسانية في المنشأ والميلاد ، داعياً إلى إقامة الجسور من التعارف والتعاون بين البشر ، فهم وُلدوا من أب واحد وأم واحدة ، وتعارف الحضارة يؤدي إلى تأليفها وتعاونها ، ويفضي إلى الوئام ويثري الفكر الإنساني ويتولى حاجات البشر المختلفة بأكملها .

المراجع :

القرآن الكريم .

صحيح البخاري .

سنن أبي داود .

معالم التنزيل للبغوي .

تفسير الكشاف للزمحشري .

الشهيد ، الدكتور علي شريعتي ( 2007م ) تاريخ الحضارة . بيروت : دار الأمير للثقافة والعلوم .

الجندي ، أنور . الحضارة في مفهوم الإسلام . القاهرة : دار الأنصار .

ضيف ، شوقي ( 1417هـ ) . الحضارة الإسلامية من القرآن والسنة . القاهرة : دار المعارف .

الرحيم ، عبد الحسن مهدي ( 1994م ) . تاريخ الحضارة العربية الإسلامية . جامعة المفتوحة : طرابلس .

عثمان ، الدكتور عبد الكريم ( 2001م ) بيروت : مؤسسة الرسالة .

* المحاضر والرئيس لقسم العربية ، بكلية كريم غنج ، آسام ، الهند ، البريد الإلكتروني : drhafizsayeed09@gmail.com