السيرة النبوية : شبهات وردود

ميكافيلية الغرب وإسرائيل في الميزان
أغسطس 26, 2026
ميكافيلية الغرب وإسرائيل في الميزان
أغسطس 26, 2026

صور وأوضاع :

السيرة النبوية : شبهات وردود

محمد فرمان الندوي

ما زالت سنة الصراع والتدافع قائمةً منذ خلق الله تعالى الإنسان ، وإن اختلفت أشكالها ، وتنوعت صورها ، وتعددت مسالكها ، ولا يزال أعداء الإسلام يكرِّسون جهودهم لطمس معالم الدين ، وتشويه صورته من طرق شتى ، وأساليب متنوعة ، رغم أن الله قد تكفل بصيانة الإسلام والقرآن والسنة ، وضمن له البقاء والخلود ، وجعله في حصن حصين وحصار آمن من الضلال والانحراف والابتداع والاختلاق ، وقد نشأت في الآونة الأخيرة جماعة من المستشرقين نسجت خيوط المؤامرة وحاكت دسائسها تحت شعار العلم والتحقيق ، ونفثت السموم في بحوث    وكتابات ، وهي تستند إلى أكاذيب وافتراءات ، أقامت عليها صروح أفكارها الهزيلة ، ومباني آرائها الجوفاء ، وهذه التدليسات والتلفيقات تتناول مصادر الإسلام أمثال القرآن والسنة والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي المشرق ، رغم أن هذه الينابيع الثرة بعيدة عنها ، وبريئة منها مثل براءة الذئب من دم يوسف ، ولا تعود تبعتها إلا على هؤلاء المبرمجين المشئومين :

كناطح صخرة يوماً ليوهنها    فلم يضرها ، وأوهى قرنها الوعل

تصدى لدحر هذه الشبهات والأقاويل لفيف من علماء المسلمين ، وقد فندوا هذه الشبهات ، وأقاموا الحجج والبينات على نقاء صورة الإسلام وصفاء ديباجته ، فظهر وجهه من جديد مشرقاً مستنيراً ، اهتدى إليه الخاصة والعامة من غير المسلمين ، نتناول في السطور الآتية عدة تساؤلات للمستشرقين وردود العلماء عليها ، حتى لا يتطرق شك وريبة إلى أذهان الأجيال الناشئة ، ولا تنشأ في عقولها بذور الإلحاد والزندقة :

(1) ” نشر محمد دينه بالسيف ” :

هذه الشبهة أثارها أعداء الإسلام أن الناس دخلوا في الإسلام بالقهر والجبر والإكراه ، ولم يدخلوه بطواعية نفس أو عن رضا ورغبة ، وقد حرَّض محمد ( صلى الله عليه وسلم ) أتباعه على القتال ، وكان متعطشاً للدماء ، ولاشك أن هذا الاتهام لا علاقة له بالواقع ، ولم يدخل الناس في الإسلام أبداً بالجبر والقهر ، وإنما دخلوا فيه فرحين مسرورين ، آمنين مطمئنين ، وقد وجدوا فيه ضالتهم المنشودة ، وبغيتهم المفقودة ، فلما رأوا تعامل رسولهم صلى الله عليه وسلم وتعامل أصحابه والذين اتبعوهم بإحسان تأثروا به للغاية ، ودخلوا في الإسلام فرادى وجماعات ، إن محمداً صلى الله عليه وسلم نادى منذ أول يومه بالعدل والمساواة ، والرفق بالضعفاء ، وأخرج الناس من استعباد العباد إلى ظلال التوحيد ، وواحات العبادات ، وقد أوذي في مكة المكرمة ثلاثة عشر عاماً ، لكن لم يحمل السلاح ضد الأعداء ، بل هم الذين رفعوا السيوف ضده ، وأخرجوه من دياره بغير حق ، وبدؤوا القتال معه ، فجميع غزوات الإسلام كانت دفاعيةً لا هجوميةً ، حُوربت غزوة بدر وأحد والخندق قريباً من المدينة ، فاضطر إلى أن يدافع عن الإسلام والمسلمين ، قال الله تعالى :         ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) [ الحج : 39 ] .

أما هذا الادعاء أن الإسلام انتشر بالسيف والقتال ، فلا أصل      له ، لأن منهج الإسلام في تقديم الإسلام وعرضه أمام الناس هو أن تعرض كلمة التوحيد أمام الناس ، فإذا نطقوا بها فقد دخلوا في الإسلام ، وإذا رفضوها اقترح عليهم تقديم الجزية ، وإذا لم يقبلوا هذا الاقتراح حُمل عليهم السلاح ، بشرط أن لا يقتل وليد ولا امرأة ولا عجوز ، وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم القتال ، حتى لا يحب أن يسمى الأولاد باسم حرب ومرة ، فقال مرة : أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ، وأصدقها حارث وهمام ، وأقبح الأسماء : حرب ومرة ( متفق عليه ) ، وقد شهدت الإنسانية بأم أعينها أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا سبعاً وعشرين غزوةً ، وبعث كذلك بضعاً وخمسين سريةً ، لكن لم يقتل من كلا الفريقين إلا ألف رجل ، هذا دليل على أن الإسلام انتشر بالسلم والسلام لا بالسيف والسلاح .

(2) تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم :

طعن المستشرقون في تزوج النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة امرأة في حياته ، وأنه كان مستسلماً للذات شهوانية ، إذا درسنا الموضوع عرفنا أن تعدد الزوجات لم يكن أمراً غريباً ، ولا شأناً مستهجناً في العرب ، وقد كان لإبراهيم عليه السلام ثلاث زوجات ، وكان ليعقوب عليه السلام زوجتان ، وكان عند سليمان عليه السلام مائة زوجة ، وهلم جراً ، وكانت المصالح وراء ذلك تتعدد وتتنوع ، منها عقم النساء ، ومنها قتل الرجال في حرب أو حادثة ، ومنها الشهوة المتزايدة في الرجال ، أما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم فكان يختلف عن ذلك تماماً ، وكان لزواجه دوافع تشريعية وإنسانية وسياسية واجتماعية ، ولم تكن هناك رغبة في الزواج ، بل كان زواجه نظراً إلى حالاتهن الخاصة ، وأسماء نسائه هي : خديجة ، وعائشة ، وحفصة ، وأم سلمة ، وسودة ، وأم حبيبة ، وميمونة الهلالية ، وجويرية الخزاعية ، وزينب بنت جحش ، وصفية ، ومارية القبطية ، فتزوج النبي صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة بنت خويلد ، وهي أولى زوجاته ، وكانت في عمرها الأربعين ، وجميع أولاده منها ، فلم يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم للمتعة الجنسية ، بل كان للاستفادة من تجاربها السابقة ، وقد توفيت رضي الله عنها عن خمسة وستين من عمرها ، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم السيدة سودة بن زمعة بعد خديجة نظراً إلى إعانتها ، لأن زوجها قد مات سكران ، وتركها من غير ولد ، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن قومها يبطشونها ، ويفعلون بها ما يفعلون فتزوجها صلى الله عليه وسلم ، وتزوج السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها ، وهي الزوجة البكر الوحيدة ، وقد كان زواجها في ست سنوات ، وبني عليها في تسع سنوات ، ولم يكن هذا العمر غير منسجم للزواج نظراً إلى الجو والبيئة التي تعيشها السيدة عائشة رضي الله عنها ، وكانت أكثر النساء روايةً للحديث وأعرفهن بمسائلهن ، وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة بعد وفاة زوجها في غزوة أحد ، وتزوج زينب بن جحش التي تم زواجها أولاً مع زيد بن حارثة رضي الله عنه لإبطال نظام التبني الجاهلي ، وقد كان زواج السيدة حفصة بنت عمر رضي الله عنهما لما مات زوجها خنيس ابن حذافة السهمي ، وكان حزنها وحزن أبيها أضعافاً مضاعفةً ، وكان زواج جويرية بنت الحارث تنتمي إلى بني المصطلق ، وقد أتت في السبايا ، فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم ثم تزوجها تأليفاً لقلوب قومها ، فأسلم قومها وحسن إسلامها ، وقد كان زواج أم حبيبة بعد وفاة زوجها عبيد الله بن جحش ، إنها هاجرت إلى المدينة المنورة مع زوجها ، فلما توفي زوجها ، كانت غريبةً في مكة ، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما صفية بنت حيي بن أخطب فقد سبيت في خيبر ، وكانت يهوديةً ، أعتقها النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت ، فخيرها إما أن تلحق بقومها أو يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ، فاختارت الزواج مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت السيدة ميمونة بنت الحارث قد توفي زوجها ، فكانت في حاجة إلى من يكفلها ، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم مواساةً لها في فقد زوجها ، تأليفاً لقومها في الإسلام .

وقد اتضحت حِكم ومصالح لزواج النبي صلى الله عليه وسلم مع إحدى عشرة امرأة ، وهي توفير ملاجئ للأرامل ، والكفالة الاجتماعية ، وتكريم الناس بالمصاهرة ، وتحبيب القوم إلى الإسلام ، وإعزاز وتشريف القوم ، أما التشريع والتعليم ، فقد كانت هؤلاء الزوجات ينقلن أمور الدين المتعلقة بالنساء إليهن ، وكانت النساء يأتين إليهن ويسألنهن عن أمور نسوية بدلاً من النبي صلى الله عليه وسلم ، المصلحة الثانية الرعاية وكفالة الأيتام ، وقد كان زواج النبي صلى الله عليه وسلم مع أكثر الزوجات نظراً إلى هذه الحكمة ، لأن أكثر أزواجه كن أرامل ، فكانت الحاجة ماسةً إلى تزويجهن ، لئلا يكن عرضةً للفتن ، ولا يقعن فريسةً للمحن ، والمصلحة الثالثة مصاهرة القبائل ، وقد تزوج النبي صلى الله عليه وسلم لتوطيد العلاقات مع القبائل ، وتأليف قلوبهم للدخول في الإسلام .

هذا وأمثاله من الشبهات تُثار ضد السيرة النبوية ، فالحاجة إلى أن يدرس الجيل الجديد هذه الشبهات بعمق ودراية ، ويبحث عن ردودها في ضوء الشريعة والعقل ، ويقدمها أمام المتعطشين إليها ، والمصابين بمركب النقص ، حتى تعود ثقتهم بالإسلام وتعاليمه السمحة ، وتعيش الأمة من جديد حياة السعادة والطمأنينة في ظلال الإسلام .