الأضاحي بين الواقع والشبهات المعاصرة
مايو 24, 2026السيرة النبوية : شبهات وردود
أغسطس 26, 2026صور وأوضاع :
ميكافيلية الغرب وإسرائيل في الميزان
محمد فرمان الندوي
امتدت سلسلة الحروب التي بدأت الولايات المتحدة – إسرائيل قبل شهور ، ولا تزال تشتعل نارها حيناً لآخر بعد هدنة واتفاقية تستمر بين الطرفين ، وبدأت مرحلة هذه الحرب الطويلة منذ 13/ يونيو 2025م ، وجرت إلى اثني عشر يوماً ، ثم توقفت في 24/ يونيو 2025م ، ثم بدأت المرحلة الثانية لهذه الحرب في 28/ فبراير 2026م ، ولا تكاد تنتهي ، إذا أوقفت أمريكا إطلاق النار فلا توقف إسرائيل ، وهي تخرق المواثيق ، ولا ترضى بأن تقف الحرب ، ويعيش مواطنو الشرق الأوسط بهدوء وطمأنينة ، هذا ما يُرى من دراسة الأنباء الآتية عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، ومن خلال الشبكات الأخرى الحديثة .
لكن الواقع الذي يتلخص من تحليل الأوضاع المعاصرة أن القوى الباطلة سواء كانت الولايات المتحدة أو إسرائيل لا تحب أن تتوقف الحرب ، لأن الحرب هي غذاؤها وروحها ، وقد شربت على ناجذ الحرب وأكلت ، والحرب هي الوسيلة الوحيدة للحفاظ على مكانتها وسيادتها ، وقد أبدى كثير من المحللين أن اقتصاد التنمية للولايات المتحدة ينحصر على بيع الأسلحة ، فلا ينتعش هذا الاقتصاد إلا في الحروب ، فتخوض بدون مبرر في الحروب ، فتربح الشركات الأمريكية المنتجة للسلاح ، وتنال منافع باهظةً من الأموال الطائلة ، فالحروب هي الحياة لها كما قال أحد الأدباء ، لولا الحروب لمرضت الولايات وماتت ودفنت ، وقد سماها بعض الكتاب بالاحترابيين .
الولايات المتحدة لها سلسلة طويلة من السيطرة والهيمنة والاستيلاء على الدول ، ولا تزال تغذي النزاعات الداخلية بين الدول المجاورة ، ثم تكون بينهما حكماً لتسوية الخلافات ، فأحياناً يمدح هذا ، وأحياناً يمدح ذاك ، وتارةً يبكي دموع التمساح على الخسارات والويلات التي تجرُّ الحرب إلى الدول ، لكنها في الواقع ترعى مصالحها القومية ، وتؤمن بنظرية الفيلسوف ميكافيلي ( Niccolo Machiavelli ) أن الغاية تبرر الوسيلة ، ومكيافيلي كاتب إيطالي ، ولد عام 1469م في مدينة فلورنسا ( Florence ) ، وتوفي سنة 1527م ، واشتهر بكتابه الأمير ( The Prince ) الذي تناول فيه شئون الحكم والسياسة وطرق المحافظة على الدول والسلطات ، وقد نسبت إليه النظرة المكافيلية وهي اتجاه سياسي يغلب السياسة والواقعية على المثل الخلقية ، فإنه كان يقول : إذا كان أمامك غاية فاختر لإنجازها كل طريق مشروع وغير مشروع ، سواء كان فيه قتل الأبرياء ، وهدم البيوت والمنازل وإحراق المنتوجات الزراعية ، ولا قيمة في هذه النظرية للمثل العليا ، ولا للاعتبارات الخلقية ، إن هذا الاتجاه المعاكس للإنسانية قد اختارتها الولايات المتحدة وربيبتها إسرائيل ، فلا ترقب فيها إلاً ولا ذمةً ، ولا تراعي عهداً ولا ميثاقاً ، بل تمتص دماء الأبرياء من الرجال والنساء والولدان بكل وقاحة .
إسرائيل شيمتها الغدر والخيانة :
إن بني إسرائيل كانوا أشهر الأمم في نقض العهود والمواثيق ، وقد تجلت خيانتهم وغدرهم منذ عهد النبوة إلى يومنا هذا ، وإن غزوة بني قريظة لم تكن إلا صفحةً من صفحات الغدر اليهودي ، التي لن تنتهي حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، وقد ذكر الله شيمتهم هذه في القرآن الكريم قائلاً : ( أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) [ البقرة : 100 ] ، وأما غدر إسرائيل وخيانتها منذ طوفان الأقصى فقد أبرمت الاتفاقيات مع حماس عشرات المرات ، ووافقت على عدم الإغارة والهجوم المباغت ، وصيانة النفوس والأرواح ، لكن شهد العالم بأم عينيه أن إسرائيل نقضت هذه الاتفاقيات بين عشية وضحاها ، وذرت الرماد في عيون الإنسانية ، فأصبحت تشكو وتئن بصيحات وصرخات ، لكن ليس لها ملب ولا مجيب .
ومن أبرز الاتقاقيات في التاريخ الحديث اتفاقية أوسلو ، هذه الاتفاقية كانت اتفاق سلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في مدينة واشنطن الأمريكية في 13/ سبتمبر 1993م ، وسميت الاتفاقية نسبةً إلى العاصمة النرويجية أوسلو التي تمت فيها هذه المحادثات ، لكن تنصل الاحتلال منها من دون تفكير ولا روية ، وقد رصد المكتب الإعلامي الحكومي أكثر من 3338 خرقاً إسرائيلياً عبر سنوات في قطاع غزة ، هذه الإحصائية تكشف عن نوايا إسرائيل في هذه المنطقة ، فإنها لا تعلم إلا لغة الحرب والمحاربة ، والقتل والتشريد ، فأنى لها مراعاة العهود والمواثيق ؟ وقد تبنت فكرة مكيافيل مائةً في المائة ، ولا تزال تنفذها نابذة جميع القوانين والدساتير العالمية وراءها ظهرياً .
مدى صلة الغرب بالكتب السماوية :
إذا كان انتماء الغرب إلى الكتب المقدسة التي أنزلت على أنبيائه ، وهو يزعم أنه من قرائها ، وناشري علومها ومعارفها ، فهل يوجد في أي كتاب سماوي أنه يجوز الخداع والإضرار بالناس ، وقتل الأبرياء وسفك دمائهم من دون جريرة ، وإجلاء المواطنين والسكان الأصلاء من بيوتهم ، واحتكار ممتلكاتهم وعقاراتهم بكل وقاحة ، لن يسمح بذلك العقل الإنساني فضلاً عن الكتب السماوية التي نزلت لإقامة العدل والقسط على هذه الكوكبة الأرضية ، فإذا كان عمل الغرب معاكساً لكتبه الساوية فأنى يكون من أتباعه ومقلديه ، وقد جرت العادة أن يومي السبت والأحد يحتفل بهما كيومين دينيين رسميين على المستوى العالمي ، ويحضر المتدنيون لدى الرموز الدينية ، والحاخامات والكرادلة ، ويعترفون بما صدر منهم من خطأ ، ثم يتعاهدون أنهم لا يخرقون دساتير الكتب السماوية ، ويكونون أتباعاً لدياناتهم طول الحياة ، لكن إذا خرجوا من صوامعهم وبيعهم وكنائسهم ورأوا ما يضر بسيادتهم وقيادتهم ، ويكون خطراً على حكوماتهم ونظم حياتهم انقلبوا ظهراً لبطن ، فلا دين ، ولا خلق ، ولا مثل عليا ، ولا معاهدة ولا اتفاقية ، كأنهم برَّروا لمصالحهم ومنافعهم كل ما كان مناسباً لأهوائهم وغرائزهم النفسية ، وأباحوا ذبح الناس وزجهم في السجون والمعتقلات ، واستراحوا من إيذائهم وإلقائهم في أنواع من التعذيبات ، وكل ذلك نتيجة فكرة مكيافيل : الغاية تبرر الوسيلة .
طبيعة الإسلام السمحة :
إن الإسلام دين الإنسانية جمعاء ، إنه لا يسمح الإنسان بكل ما تملي عليه إرادته وتهواه نفسه ، بل يجعل له حدوداً ويفرض له قيوداً ، حتى لا تكون انتهاكات وخروقات للقوانين ، خاض رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم الحروب والمعارك ، ولكنه لم يخض فيها عشوائياً ، بل دخلها بالعدل والقسط ، فلم يتعرض لهجمات الصحابة رضي الله عنهم إلا من كان يتربص بهم الدوائر ، وينوي قتلهم وإهلاكهم ، وكان الكفار والمشركون في غزوة أحد قد قطعوا الأنوف وجدعوا الأذان ، وشوهوا صورة القتلى ، وبقروا بطن حمزة بن عبد المطلب وأخرجوا كبده ، وحاولت هند بنت عتبة أن تلوكها وتأكلها ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن المثلة وعن تشويه الصور ، وقد كره النبي صلى الله عليه وسلم أن تسمى الأولاد بحرب ومُرةً نظراً إلى معانيها القبيحة ، فقد تجلت أخلاقيات الإسلام في الحرب زمن العهد النبوي بحيث لم يقتل من كلا الطرفين إلا حوالي ألف من الناس ، هذا دليل على أن الإسلام لم يبرر لأتباعه أن يفعلوا ما يشاءون ، بل أمرهم بأن يضعوا نصب أعينهم في حياتهم الفردية والجماعية الشريعة الإلهية والقوانين العالمية .
فمواصلة الحروب والانتهاكات الإنسانية ليست إلا إرهاباً وتخويفاً للناس ، وكل من ارتكب أمثال هذه الأفعال الشنيعة والأعمال القبيحة اعتبر مجرماً في ضوء العقل والقانون الدول ، فلا يسمح أبداً بالولايات المتحدة وإسرائيل أن تتبع حذو القذة بالقذة نظرة مكيافيلي الإيطالي ، الذي تنم قولته عن إهلاك الحرث والنسل ، وإبادة البشرية .

