الإسلام والمسلمون في روسيا في ضوء الواقع والتاريخ
مايو 24, 2026ترجمة الإمام النسائي ومصادرها ¨
مايو 24, 2026رجال من التاريخ :
صلتي بالعالم الجليل والمربي الكبير
الشيخ منة الله الرحماني
د / أبو سحبان روح القدس الندوي *
في عام 1975م بعثتني دار العلوم لندوة العلماء بلكناؤ ( الهند ) إلى المدينة في زمرة الطلبة المرشَّحين لمواصلة الدراسة في الجامعة الإسلامية ، فالتحقتُ بكلية الدعوة وأصول الدين ، وقد مضت السنة الأولى من الكلية ، وبدأت الإجازة السنوية في شهر شعبان ، ولم تدفع الجامعة تذاكر الذهاب والإياب إلى بلاد الطلبة القادمين من أرجاء المعمورة ، من الطلبة من راح إلى مكة المكرمة للاعتمار وتجول في مناطق شتى من المملكة ، ومنهم من سافر إلى بلاد قريبة من المملكة ، وهؤلاء الذين جاءوا من القارات النائية ، أما الذين جاءوا من الدول المجاورة من المملكة كاليمن والأردن ، والكويت ودول الخليج ، فهم راحوا إلى بلادهم وتمتعوا بالإجازة في بلادهم .
أما أنا فذهبتُ إلى مكة واعتمرتُ ولبثتُ بضعة أيام في مكة ، إذ أفادتني جرائد المملكة اليومية أن رابطة العالم الإسلام بمكة المكرمة أعلنت عقد مؤتمر عالمي بعنوان : ” رسالة المساجد ” ودُعي للحضور في المؤتمر نخبة ممتازة من العلماء الأعلام في الهند ، ومن بينهم :
فضيلة الشيخ المفتي عتيق الرحمن العثماني ( ت 1984م ) وفضيلة الشيخ محمد منظور النعماني ( ت 1998م ) وفضيلة الشيخ المعروف بخطيب الإسلام عبد الرؤوف الرحماني من دولة نيبال ( ت 1999م ) وآخرون .
كما دُعي للحضور في المؤتمر وتقديم بحث علمٌ هندي بارز من رجال الشريعة ، وهو العالم الجليل الشيخ منة الله الرحماني ( 1332 – 1411هـ ) نجل العالم الرباني الإمام الهمام محمد علي المونجيري ( ت 1346هـ ) مؤسِّس حركة ” ندووة العلماء ” التعليمية والإصلاحية .
وبعد انتهاء أعمال المؤتمر في مكة توجه ضيوف المؤتمر إلى المدينة ونزلوا فندق التيسير ثلاثة أيام ورجعوا من حيث قدموا ، وإني قد صحبت شيخنا الرحماني من مكة إلى المدينة ، ولازمته مدة إقامته في المدينة ، ثم استضافه السري المفضال الدكتور خليل عبد الرحمن خان نزيل المدينة ودفينها سنة 1427هـ ، المنتمي إلى أسرة عريقة في العلم والثقافة بمدينة ” مونجير ” ، المعروفة بعائلة ” بيغ ” ، برز فيها رجال في مختلف ميادين الحياة ، وكانت علاقة السيد الوالد بهم قوية ، وبناءً على تلك الأواصر بين والدي وعائلة بيغ تعرَّفتُ على الدكتور خليل عبد الرحمن في مستهل إقامتي بالمدينة وكنت آتي إليه بين الحين والحين ، وكان يُحبني ويُكرمني . . . . فاقترح عليَّ الدكتور خليل الرحمن أن أقيم مع الشيخ الرحماني في منزل الدكتور للقيام بخدمة الشيخ حتى مغادرته المدينة بعد العيد السعيد ، وأكفيه مؤنة المسؤوليات والواجبات نحو الشيخ ، فأعجبني اقتراحُ الدكتور حيث أتاح لي فرص الاستفادة من الشيخ لما وجدتُ في قبوله الجمع بين الحسنيين : أداء الصلوات الخمس في المسجد النبوي وامتثال بر الوالد فيما صحّ في صحيح مسلم ( رقم الحديث : 2552 ) من حديث مرفوع : ” إن من أبرّ البر صلةَ الرجال أهلَ وُدِّ أبيه بعد أن يولِّي ” ( أي يموت ) ، والشيخ الرحماني من أصدقاء والدي .
لبثتُ مع الشيخ شهر رمضان المبارك ، ملازماً له أربعاً وعشرين ساعةً ، مستظلاً بظلاله ، مغتنماً عشرته ، أصحبه في ذهابه إلى الحرم وإيابه منه ، ونزوله سوق المدينة متى شاء الشيخ التسوق ( Shopping ) وزيارته المكتبات التجارية حيناً ومسجد قباء ومعالم المدينة آخر .
لا جرم ، إني قد تمتعت بصحبة الشيخ واستفدت منه ما لا أنساه أبداً .
أما النصيحة الغالية التي زوّدني بها الشيخ فهي : التزام قراءة آية من كتاب الله وحديث من سنة رسول الله قراءة إتقان وتدبر في أهم المصادر الموثوقة يومياً ، مهما كانت الظروف ، وأيّاً كان الشغل والوظيفة .
وبعد التخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة ساقني القدر إلى مباشرة العمل في دار العلوم لندوة العلماء بلكناؤ ، ولما استقر بي القرار واطمأنت بي الدار ، لم يعزب عن بالي قط توجيه الشيخ الرحماني ولفت نظره إلى قراءة آية من القرآن الكريم وحديث من كتب السنة ، مراجعاً أهم المصادر الموثوقة ، فاخترت لنفسي أن أكتب في صحيفة ” الرائد ” النصف الشهرية في عمودها الديني تحت عنوان : ” درس من السنة ” و ” على مائدة الكتاب ” ووُفّقتُ في كتابة هذين الدرسين اللذين رُزقا قبولاً في أوساط الطلبة .
بدأت كتابة ” درس من السنة ” في العدد السادس من السنة السادسة والعشرين 19/ ذي الحجة 1404هـ ، الموافق 16/ سبتمبر 1984م واستمرت إلى العدد الرابع والعشرين من السنة الرابعة والأربعين ، 15/ ربيع الآخر 1424هـ ، الموافق 16/ يونيو 2003م .
أما ” على مائدة الكتاب ” فقد بدأت كتابته في العدد الثالث عشر من السنة السابعة والعشرين 16/ ربيع الثاني 1406هـ ، الموافق أول يناير 1986م ، واستمرت إلى العدد الثامن من السنة الثانية والثلاثين 27/ ربيع الأول 1411هـ ، الموافق 16/ أكتوبر 1990م .
ثم قمت بنشر ” على مائدة الكتاب ” على حدة بعد الحذف والزيادة والغربلة باسم ” فصل الخطاب في تفسير ثلاث سور من الكتاب ” عام 2011م ، موشّىً مع مقدمة حافلة سميتها ” إطلالة على ازدهار التفسير والمفسرين بالعربية في شبه القارة الهندية ” ، في 270 صفحة ، ثم أفردت هذه المقدمة بعنوان : ” أعلام المفسرين الهنود الذين خدموا القرآن الكريم بالعربية ” منقحة مزيدة ، ونشرتها ” مؤسسة القدس لخدمة الحديث وعلومه ” بلكناؤ ، عام 2022م .
أما حلقات ” درس من السنة ” فنشرتها عام 1998م باسم ” روائع الأعلاق شرح تهذيب الأخلاق ” في 856 صفحات ، قدّم له العلامة أبو الحسن علي الندوي ، وقرّظ له المحقق أبو محفوظ الكريم المعصومي رحمهما الله وغفر لهما .
والفضل في كل ذلك بعد فضل الله عز وجل يعود إلى فضيلة الشيخ منة الله الرحماني الذي أرشدني إلى خدمة الكتاب والسنة ، كما لا يفوتني الشكر الواجب للشيخين الجليلين الندوي والمعصومي فإنهما قدرا عملي حق قدره بكلمة التشجيع والإشادة والدعاء للبركة في عمري وقبول عملي .
وهاك ترجمةً وافيةً للشيخ الرحماني ، انتزعتُها من مقدمة كتابي ” فصل الخطاب ” ( ص : 48 ) بقضِّها وقضيضها .
وُلد الشيخ منة الله الرحماني في 9/ جمادى الثانية سنة 1332هـ في مدينة ” مونجير ” بإيالة بهار ، ونشأ وترعرع في حجر والده الشيخ محمد علي المونجيري ، وقرأ القرآن الكريم على الشيخ محمد زاهد العظيم آبادي واللغة الفارسية على الشيخ نظير حسن ، ومبادئ العربية على الشيخ علي العظيم آبادي ، وعلم التصريف والنحو والمنطق على الفاضل الجليل عبد الصمد الرحماني ( ت 1393هـ ) ثم سافر إلى مدينة ” حيدرآباد ” ( الدكن ) في عام 1342هـ وهو ابن أحد عشر عاماً ، وقرأ على العلامة المحدث عبد اللطيف الرحماني ( ت 1959م ) رئيس القسم الديني بالجامعة العثمانية آنذاك ، ثم قدم إلى لكناؤ والتحق بدار العلوم لندوة العلماء وقضى فيها أربع سنوات ( 1925 – 1928م ) ، ومن ثم تسنى له أن يقرأ على أعلامها المبرِّزين في علوم الشريعة واللغة ، على رأسهم العلامة عبد الرحمن النجرامي ( ت 1926م ) والشيخ محمد يوسف البهاري ، والعلامة الأديب أبو الزبرقان عبد الرحمن الكاشغري الندوي ( ت 1972م ) والشيخ عبد الودود الأعظمي ، والعلامة المحدث حيدر حسن خان الطوكي ( ت 1942م ) والشيخ محمد شبلي ، والعلامة عبد الحليم الصديقي ( ت 1969م ) والشيخ السيد علي الزينبي ( ت 1949م ) ، والشيخ الجليل محمد حفيظ الله ( ت 1362هـ ) .
وفي عام 1930م سافر الشيخ الرحماني إلى ديوبند والتحق بدار علومها وأكمل دراسته في عام 1934م ، وتخرج على علمائها الأعلام المبرِّّزين في الفقه وأصوله والمنطق والفلسفة وعلم الهيئة والأدب والتفسير والحديث ، أمثال : الشيخ المفتي محمد شفيع الديوبندي ( ت 1396هـ ) والشيخ المفتي رياض أحمد ، والشيخ عبد السميع ، ومولانا غلام رسول خان ، والعلامة محمد إبراهيم البلياوي ( ت 1387هـ ) ، والأديب الكبير الشيخ محمد إعزاز علي ( ت 1955م ) ، ومولانا حسين أحمد المدني ( ت 1957م ) .
والشيخ منة الله الرحماني ” معدود من علماء الهند الكبار ، شغل مناصب عديدة للعلم والدين ، وظل رئيساً لكثير من المؤسسات الإسلامية ، وساهم في إنشاء هيئة الأحوال الشخصية للمسلمين في الهند ، ثم اختير أميناً عاماً لها ، وكان عضواً للمجلس التنفيذي لندوة العلماء ، ومجلس الشورى لدار العلوم ديوبند إلى آخر أيام حياته .
أما نشاطه العلمي والديني في تأسيس المحاكم الشرعية وإنشاء دور القضاء الإسلامية في الهند فمعروف لدى الجميع ، وكذلك مجهوداته في توجيه المسلمين الديني ، وإسهاماته في الشؤون الدينية المهمة في هذه البلاد غنية عن التعريف ، حتى إنه في أشد أيام المرض كان لا يني عن أداء واجباته الدينية والقيام بالرحلات والأسفار المرهقة ، فكان بذلك قدوةً لعلماء عصره .
وله منة على مسلمي الهند عامة وعلى العمل الإسلامي والقضاء المعنية في هذه البلاد بوجه خاص ، كما أنه كان يرعى ” الجامعة الرحمانية ” في مدينة ” مونجير ” ويضع إمكانياته ووسائله في ترقيتها وتوسعة نطاق عملها التعليمي والتربوي ، توفي في ليلة الأربعاء في الثالث من شهر رمضان 1411هـ ” . كذا كتبه الأستاذ سعيد الأعظمي [1] . وللشيخ الرحماني في الذب عن الحديث النبوي رسالة ممتعة بالأردية باسم ” كتابت حديث ” طبعت في 1951م . كما اعتنى بجمع رسائل العلامة السيد مناظر أحسن الكيلاني ( ت 1956م ) مع حواش ضافية مفيدة ، نشرتها ” دار الإشاعة الرحمانية ” بمونجير في سنة 1972م .
ورثه في المجال العلمي والديني والتربوي والسياسي وما إليه نجله فضيلة الشيخ محمد ولي الرحماني ( 1943 – 2021م ) نفع الله به البلاد والعباد .
هذا ، وقد تناول حياة الشيخ الرحماني وأخباره وأعماله ومجالات جهوده عدد من أصحاب القلم منهم : الشيخ أبو ظفر الرحماني ، والشيخ أنيس الرحمن القاسمي ، والشيخ محمد قاسم المظفرفوري ، والشيخ المفتي عطاء الرحمن القاسمي ، والشيخ زين العابدين ، والأستاذ عمران حسن ، والدكتور وقار الدين اللطيفي الندوي ، وآخرون .
وقد عقدت منظمة خريجي دار العلوم ديوبند القدامى ( تنظيم أبنائى قديم دار العلوم ديوبند ، نئي دهلي ) ندوةً علميةً حول حياة الشيخ منة الله الرحماني ومآثره الجليلة في 19/3/2005م بالجامعة الملية الإسلامية في نيو دلهي ، حضرها عدد كبير من الباحثين والمؤلفين والأعلام ، قدِّم فيها 54 بحثاً ، ونشرت مقالات الندوة عام 2018م في 621 صفحة في ثوب جميل ، بإشراف الأستاذ عميد الزمان القاسمي الكيرانوي ( ت 2010م ) .
وهذه المجموعة من البحوث والمقالات تتضمن جوانب مهمةً من أعمال الشيخ الرحماني . لا جرم ، أنها تعدُّ وثيقةً تاريخيةً ومرجعاً هاماً نحو العلامة الرحماني .
كما تناول الأستاذ شاه عمران حسن ترجمة الشيخ محمد ولي الرحماني وإسهاماته في مختلف المجالات في كتابه المطبوع في حياة الشيخ محمد ولي الرحماني عام 2016م باسم ” حياة ولي ” ، وقد أهدى إليّ الشيخ محمد ولي هذا الكتاب وتلك المجموعة من البحوث والمقالات . . . وكان رحمه الله يحبني وكنت أيضاً أحبُّه ، وكنت أزوره كلما أتيت ” مونجير ” مدينتي أو يأتي هو لكناؤ ، رحمه الله ووالده وجده وغفر لهم جميعاً ، وتقبل جهودهم في خدمة العلم والدين .
* قسم الاختصاص في علوم الحديث ، دار العلوم لندوة العلماء ، لكناؤ .
[1] في مجلة ” البعث الإسلامي ” مايو ويونيو 1991م .

