الأستاذ محمد ناظم الندوي وإسهامه في الأدب والشعر العربي

صلتي بالأستاذ محمد واضح رشيد الندوي ( 1933 – 2019م )
مايو 24, 2026
الإسلام والمسلمون في روسيا في ضوء الواقع والتاريخ
مايو 24, 2026
صلتي بالأستاذ محمد واضح رشيد الندوي ( 1933 – 2019م )
مايو 24, 2026
الإسلام والمسلمون في روسيا في ضوء الواقع والتاريخ
مايو 24, 2026

رجال من التاريخ :

الأستاذ محمد ناظم الندوي وإسهامه في الأدب والشعر العربي

د . مجيب أختر الندوي *

شهدت شبه القارة الهندية منذ دخول الإسلام إليها حركةً علميةً نشطة أسهمت إسهاماً كبيراً في خدمة اللغة العربية وآدابها . فقد أقبل العلماء الهنود على دراسة العربية بوصفها لغة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية ، فبرعوا في علومها المختلفة ، وتركوا آثاراً علميةً وأدبيةً قيّمةً . وقد استمرت هذه الجهود عبر القرون حتى العصر الحديث ، حيث ظهر عدد من الأدباء والعلماء الذين كان لهم دور بارز وإسهام كبير في ميدان الأدب والعلوم العربية ، إنهم أثروا كل الأصناف الأدبية والعلمية نظماً ونثراً بأعمالهم المتميزة ومجهوداتهم القيمة .

وفي القرن العشرين برزت في الهند شخصيات علمية وأدبية أسهمت في إثراء الثقافة العربية ، وكان من بين هؤلاء العلماء الأستاذ محمد ناظم الندوي ، الذي عُدّ من أبرز الباحثين الهنود في مجال اللغة العربية وآدابها نثراً وشعراً ، لما تميز به من عمق علمي وإنتاج فكري وأدبي واسع .

مكانته العلمية :

حظي الأستاذ محمد ناظم الندوي بتقدير كبير من قبل العلماء والمفكرين في عصره ، لما اتصف به من سعة المعرفة ودقة النظر في العلوم الإسلامية واللغوية .

وقد أثنى عليه الداعية الإسلامي الكبير أبو الحسن علي الحسني الندوي بقوله :

” الأستاذ محمد ناظم الندوي دقيق النظر في علوم القرآن ، كاتب مترسل في اللغة العربية ، ومترجم قدير على اللغة العربية ، ولغوي ، وشاعر جليل في اللغة العربية ” [1] .

وكتب الأستاذ محمد الرابع الحسني الندوي عن الأستاذ محمد ناظم الندوي : ” الأستاذ محمد ناظم الندوي من أولئك الرجال العظام الذين لم يُنجِب التاريخ إلا قليلاً ، إنه كان يتناول المشكلات والأزمات الحضارية والاجتماعية بالنقد ، ويقدم حلولاً ناجعةً في ضوء الكتاب والسنة ” .

وقد أشاد البروفيسور السيد احتشام أحمد الندوي به قائلاً :          ” كان الشيخ محمد ناظم الندوي رمزاً من رموز الدعوة الإسلامية ومن نوابغ دار العلوم لندوة العلماء وكان ممتازاً في ضوء كتاباته وبحوثه بين العلماء والفضلاء في عصره ” .

مولده ونسبه :

وُلد الأستاذ محمد ناظم الندوي في شهر ديسمبر سنة 1913م ، الموافق لعام 1333هـ ، في قرية علي نغر التابعة لمديرية مونغير في ولاية بيهار في الهند . وينتهي نسبه إلى الزاهد الشهير شهاب الدين السهروردي صاحب الطريقة السهروردية ، وهو ما يدل على انتمائه إلى أسرة عُرفت بالعلم والزهد والربانية .

نشأته وحياته التعليمية :

تلقى تعليمه الابتدائي في بيته ، حيث بدأ بدراسة العلوم الأساسية في بيئة أسرية مهتمة بالعلم . ثم التحق بـ المدرسة الإسلامية شمس الهدى التابعة للهيئة التعليمية في مدينة بتنه ، واستمر فيها حتى بلغ مرحلة الدراسات العليا . وخلال دراسته هناك تعرّف إلى اللغة العربية وتذوّق جمالها وبلاغتها ، الأمر الذي أثار في نفسه رغبة قوية في التعمق فيها والتميز في علومها وآدابها . وقد دفعه هذا الشغف إلى الالتحاق بـ دار العلوم لندوة العلماء في لكناؤ ، حيث انضم إلى مرحلة الاختصاص سنة 1928م ، وتخرج فيها عام 1932م .

وفي دار العلوم لندوة العلماء ، حظي الأستاذ محمد ناظم الندوي بفرصة الدراسة على أيدي نخبة من كبار العلماء الذين كان لهم أثر بالغ في تكوينه العلمي والفكري . ومن أبرز هؤلاء الأساتذة العالم المغربي محمد تقي الدين الهلالي ، والعلامة السيد سليمان الندوي ، والمحدث الكبير حيدر حسن خان الطونكي ، إضافةً إلى عدد من العلماء البارزين في ذلك العصر .

مسيرته العلمية :

بعد تخرجه في دار العلوم ، بدأ مسيرته العلمية بالتدريس في الجامعة الإسلامية بدابهيل في ولاية غجرات ، حيث عمل فيها خلال الفترة ما بين عامي 1934م و 1937م . وفي تلك المرحلة كان يدرّس في الجامعة أيضاً كل من العالمين الجليلين شبير أحمد العثماني ويوسف البنوري رحمهما الله ، وقد كانت صحبتهم العلمية فرصةً للتبادل الفكري والاستفادة المتبادلة بينهم .

بعد فترة من عمله في دابهيل ، عاد الأستاذ محمد ناظم الندوي إلى دار العلوم لندوة العلماء بناءً على توجيه أستاذه السيّد سليمان الندوي ، فانضمّ إلى هيئة التدريس فيها . وتولّى تدريس عدد من العلوم الأدبية والدينية ، وخصوصاً الأدب العربي ، والبلاغة ، وعلم أسرار الدين . واستمر في التدريس بالدار حتى عام 1948م .

وخلال هذه المدة تولّى أيضاً إدارة دار العلوم لندوة العلماء في الفترة ما بين عامي 1942م و 1948م ، وذلك في أثناء غياب مديرها آنذاك محمد عمران خان الندوي رحمه الله ، حيث قام بإدارة شؤون المؤسسة العلمية خلال تلك السنوات .

بعد تقسيم الهند عام 1947م إلى دولتين مستقلتين ، انتقل الأستاذ محمد ناظم الندوي إلى باكستان ، حيث حظي بتقدير كبير من الأوساط العلمية هناك . وفي عام 1951م عُيّن مديراً للجامعة الإسلامية ببهاولبور ، وظل يشغل هذا المنصب حتى عام 1962م .

ثم انتقل للعمل أستاذاً للغة العربية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، حيث واصل نشاطه العلمي والتدريسي لمدة سنة كاملة في 1964م .

وبعد ذلك استقر في مدينة كراتشي ، وتفرغ فيها للتأليف والتدريس والبحث العلمي . أقام بها ثلاثين سنة يدرّس القرآن والحديث والفقه وأصنافاً من العلوم العربية والفنون الأدبية ، واستفاد منه خلق كبير من طلاب العلوم الدينية والباحثين في اللغة العربية وآدابها .

على الرغم من انتقاله إلى باكستان ، ظل الأستاذ محمد ناظم الندوي مرتبطاً بـ دار العلوم لندوة العلماء ارتباطاً وثيقاً . وقد زار ندوة العلماء بعد انتقاله إلى باكستان مرتين أو ثلاث مرات . كما كان على صداقة وطيدة وصلة عميقة بالعالم الكبير أبو الحسن علي الحسني الندوي . وعندما تأسست رابطة الأدب الإسلامي العالمية وتولى رئاستها العلامة أبو الحسن الندوي ، أسندت مسؤولية شؤونها في باكستان إلى الأستاذ محمد ناظم الندوي ، حيث قام بدور مهم في دعم أهدافها ونشر رسالتها الأدبية والفكرية هناك .

أعماله الأدبية وآثاره العلمية :

عالج الأستاذ الندوي في كتاباته أنواعاً من المواضيع العلمية والأدبية والمشاكل الاجتماعية المعاصرة وتحديات الزمن ، فقام الأستاذ بإثراء الصحافة العربية والشعر والأدب والعلوم الإنسانية واللغة والتاريخ بأعماله الرائعة التي تتميز بأناقة الأسلوب وجودة البيان . ويجدر بنا الإشارة إلى أهم إنتاجاته العلمية في مجالات مختلفة منها :

المنهج الجديد لدراسة اللغة العربية : ألّفه في أربعة مجلدات ، ذكر فيه أهمية اللغة العربية ومناهج الدراسة وطرق تعلّم اللغة العربية ، وسبل الاستفادة والاستقاء من مناهلها ، ومنهجية البحث والتأليف والترجمة بها . جمع فيه الأستاذ كثيراً من المقتطفات والمقتبسات الأدبية المفيدة كنماذج من مختلف العصور الأدبية ، مع الإشارة إلى ميزات وخصائص وفروق بين أدب المتقدمين والمتأخرين شعراً ونثراً .

فهذا الكتاب ممتع جداً ، تجلت فيه قدرته وبراعته في اختيار النصوص الأدبية العربية وجودة البيان وجمال التعبير الفني .

الإعلام المرئي وخطره على الأسرة : يعدّ هذا الكتاب من أهم إنتاجاته في مجال الصحافة ، استعرض فيه الأستاذ فن الصحافة بالإيجاز ودور المجلات والصحف العربية في نشأتها وتطورها . كما سلط الضوء على مخاطر وآثار هذا الغزو الثقافي المسموم وعلى ما طرحه الإعلام المرئي على الأسرة والمجتمع من التأثير السلبي .

وأما إسهاماته في مجال الترجمة فقد نالت قبولاً حسناً لدى الأوساط العلمية والأدبية . وأثنى عليها العلماء والأدباء البارزون ، وقد أشاد بها الأستاذ واضح رشيد الندوي قائلاً : ” كان الأستاذ محمد ناظم الندوي علماً من أعلام الإسلام ، صحافياً إسلامياً ، مترجماً قديراً على اللغة الأردية ، فمن أهم ترجماته الأردية :

الرسالة المحمدية : ( الترجمة العربية لكتاب ” خطبات مدراس ” للعلامة السيد سليمان الندوي ، وهي ثماني خطب في جوانب مختلفة من السيرة النبوية الطيبة ، ألقاها العلامة أمام الطلاب الشباب في مدينة مدراس بالهند . يقول العلامة أبو الحسن الندوي عن هذا الكتاب :

هو من أقوى الكتب في السيرة وأروعها في جمال التعبير ، وبث حلاوة الإيمان وتوثيق الصلة بذات النبيّ صلى الله عليه وسلم ، والكتاب عصارة لمكتبة كاملة في السيرة النبوية ، وهو هديّة ثمينة لإخواننا العرب ، فقد ردّ الأستاذ ناظم الندوي بضاعتهم إليهم .

نالت هذه الترجمة قبولاً واسعاً وصيتاً عاماً بين العلماء والمثقفين ، فهذه الترجمة مرآة صادقة لنبوغ المترجم وإتقانه اللغة العربية وفن الترجمة ، جعلها المترجم كتأليف مستقل لا يشعر القارئ حين يقرأها ترجمة بل يظنها كتاباً مؤلفاً بالعربية أصلاً .

النظام الاقتصادي للإسلام : وهي الترجمة العربية لكتاب ” إسلام كا اقتصادي نظام ” للشيخ أبي الأعلى المودودي . وهو كتاب شهير ومقبول في الأوساط العلمية والطبقات المثقفة لندرة الموضوع وجَودة التأليف ، يمهد الطريق إلى اختيار النظام الاقتصادي الإسلامي ، ويقدم القبائح والمعايب للنظام الربوي السائد في العالم كله .

معضلات الاقتصاد وحلها في الإسلام : وهي الترجمة العربية لكتاب              ” إسلام كا معاشي نظام ” لأبي الأعلى المودودي . هذا الكتاب يستعرض استعراضاً شاملاً للنظام الاقتصادي الإسلامي والنظام الاقتصادي الربوي المستولى على العالم ، وأثبت أن النظام الإسلامي هو الحل الوحيد لتسوية كافة الأزمات الاقتصادية التي تكتسح العالم الإنساني حالياً .

وقد نقل الأستاذ محمد ناظم هذين الكتابين للشيخ المودودي من الأردية إلى العربية وألبسه لباساً عربياً أنيقاً بغاية من الدقّة والاهتمام .

وإضافةً إلى هذه الكتب والترجمات ، فقد دبّج يراعُه مقالات علمية وأدبية قيمة منتشرة في المجلات المختلفة ، وخاصة في مجلة ” الضياء ” العربية التي كانت تصدر من ندوة العلماء خلال ثلاثينيات القرن الماضي .

تمتاز هذه الترجمة بسلاسة الأسلوب وأناقة اللفظ وجزالة التعبير وفصاحة اللغة والبيان .

إسهاماته في الأدب والصحافة العربية :

يعدّ الأستاذ محمد ناظم الندوي من الصحفيين الذين قد لعبوا دوراً فعالاً وريادياً في تطور الصحافة العربية في شبه القارّة الهندية . كتب الأستاذ أكثر من أربع مائة مقال وبحث علمي على موضوعات دينية وسياسية ونقدية ، حصلت على إعجاب كامل ومكانة مرموقة في شبه القارة الهندية والعالم العربي . ولا شكّ أنّ هذه البحوث والمقالات تدل على تفوقه وكماله في اللغة العربية علماً وفنّاً ، وكان لها أثر ملحوظ في أبناء جيله ومن خلفهم في مجالات العلم والأدب والثقافة والمعرفة . كما دافع عن حوزة الإسلام دفاعاً قوياً أمام التحديات الهائلة في العصر الراهن .

وقد دعا الأستاذ إلى صفاء العقيدة ونقائها وطهارتها من شوائب الفلسفة والعقلانية ، والالتزام بمذهب أهل السنة والجماعة واتباع منهج السلف الصالح من الأئمة المتقدمين ، والاهتمام بآراء العلماء والفضلاء ومذاهب الفقهاء والمتكلمين حسب قيمتها في ميزان الكتاب والسنة .في الحقيقة ، قام الأستاذ بتمثيل الإسلام في المجتمعات الإسلامية والمجامع الأدبية والمحافل الدينية بعلمه وعمله وبخلقه الرفيع ، وسلوكه الإسلامي القويم ، والالتزام بالصفات الحميدة . ودعا الأستاذ الندوي إلى الجمع بين القديم الصالح والجديد النافع مع التصلب في الأصول ، والتوسع في الفروع مع الوسطية والاعتدال ، فكان أفضل ممثل لندوة العلماء وفكرتها .

وجدير بالذكر هنا أن الأستاذ محمد ناظم الندوي لم يكتف بالكتابة في مجلات ” الضياء ” و ” البعث الإسلامي ” وصحيفة ” الرائد ” بل كان يرسل كتاباته وبحوثه إلى أهم المجلات والصحف التي كانت تصدر من العالم العربي مثل ” المنار ” ، و ” رابطة العالم الإسلامي ” ،         و ” المجتمع ” وغيرها من الصحف والجرائد المهمة .

وذكر الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي عن كتابات أستاذه الجليل محمد ناظم الندوي بقوله : ” وظل يجاهد في السبيل التي اختارها لنفسه بقلمه الثائر ، ويكافح الانحرافات الفكرية والاجتماعية ، وينتقد على الأفكار الحضارية والفلسفات المادية بكتاباته القوية ومقالاته الجليلة ، إنه كان يتناول المشكلات والأزمات الحضارية والاجتماعية بالنقد ، ويقدم لها حلولاً فاجعةً في ضوء الكتاب والسنة ” .

ويقول الدكتور شبير أحمد الغوري عن أسلوب الأستاذ ناظم الندوي : ” وكل مقالاته وبحوثه تتسم بعمق الموضوعات وجزالة الألفاظ وسلاسة الأسلوب وسلامة التعبير ودقة النسج بحيث تستهوي القلوب وتملك الشعور وتجرى مجرى الطبع ، وله قدرة بالغة على جلب كل ما يحدث في زوايا العالم إلى انتباه [2] .

أصدر مع عدد من العلماء مجلة ” الضياء ” مدة أربع سنوات ، وكان لجهوده دور أكبر في الرقي باللغة العربية وتعليمها في الهند ، كما شارك في رابطة الأدب الإسلامي العالمية عضواً ممثلاً لباكستان في مجلس الأعضاء ، وكان له نبوغ في الأدب العربي وخاصةً في المفردات العربية والقواعد العربية .

ذكر الشيخ أبو الحسن الندوي إشادةً به : كان يمتاز برسوخ في القواعد العربية وإتقانه للصرف وقواعد النحو وعلوم البلاغة وتضلعه من اللغة العربية وآدابها ومفرداتها وتعبيراتها وحفظه للشعر الجاهلي والإسلامي .

وأثنى عليه الدكتور عبد الله عباس الندوي قائلاً : ما رأينا نظيراً له في الإتقان للمفردات العربية طول الهند ، ما عدا العلامة عبد العزيز الميمني ، وكان يحفظ ألوفاً من نصوص النثر العربي [3] .

إسهامه في الشعر العربي :

كان الأستاذ الندوي من المقلّين في الشعر ، لا يقول الشعر إلا إذا فاضت نفسه وهاج قلبه وماج بعاطفة الحزن أو السرور ، فينطلق لسانه بأبيات كأنها سيل ينحطّ من علِ . وكان شاعراً إسلامياً ، وممثل الأدب العربي الإسلامي ، وقد اختار لشعره العربي موضوعات دينيةً إسلاميةً حماسيةً عاطفيةً ، ويدل شعره على ذلك . إنه ترك خلفه قصائد وأبياتاً جذابةً على موضوعات شتّى ، وله مجموعة من الشعر باسم ” باقة    الأزهار ” . وعدا هذا الديوان له قصيدتان : ” القصيدة الرائية ” وقصيدة قالها بعد العودة من إستنبول عام ١٩٩٣م .

إنه قرض الشعر على أغراض متنوعة بما فيها الحمد ، والمدح ، والوصف ، والرثاء ، والفخر والحماسة والترحيب والتهنئة .

ففي الحمد أنشد قائلاً :

بسطت يدي راجياً منك غــــفرانا  وجــــنـــة فـردوس لديك ورضوانا

وتبت إليك من جـــميع مــــآثـــمـــي  فرحماك رحماك وعفواً وتحنانا

ومن أجمل شعره ما قرضه في الوصف ، مثلاً في وصف التاج ، ووصف النفس ، ووصف القلم ، ووصف الحج وأيام منى وما إلى ذلك .

وفي قصيدة الحج وأيام منى قرض أبياتاً تعبر عن المشاعر والعواطف الدينية والوجدانية حيث يقول :

إذا ما ظــلام اللــيل يــأتي بــطــــيفــها  يـــدغدغ قــلــــبـي ناعم اللمســات

هي الحزن والسلوان والداء والشفاء وتـــوحـــي إلى الشعر كالزهرات

هي الروح والريحان والــهــم والأسى     ومنها يفيـض الشعر كالقبسات

وفي مكان آخر يصف روضة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقول في آخرها :

لعل نجوم الفلك لم ترض إن ترى  مـــثيلاً لها بالأرض في لـــمعات

فـــأوحــت إلى أخت لها في سمائها  لترسل عليها الضوء باللفحات

وقصيدة ” تاج محل ” للأستاذ الندوي وصفها ببيت من أحسن ما يكون في النفوس بألفاظها وقوافيها وترددها ومضمونها . وقد قرض اثنين وثلاثين بيتاً في وصف التاج محل ، الذي يُعد من عجائب الأرض ، فقال يمجّد التاج :

لله در مــــــا بـــنــاه شــاهــجــهــان     هـــو بـسمة تعلو على ثغر الزمان

أو زهرة بيضاء تزهو في الجنان     أو درة تلمـــع في جيـد الـــحســان

صُنـــع يــكاد فـــمــه يتـــكـــلـم     بـــــبــــراعــة في نحـــتــه ويــــبـــسم

ومن أحسن وأروع شعره ما وصف به ” القلم ” فإن أستاذه العلامة السيد سليمان الندوي أهدى إليه قلماً من دكن ( حيدر آباد ) فيغني الشاعر قائلاً :

أهـــــدى إلىّ ســـيـدي قـــــلــــمـاً رشيقاً من دكن

هو خير ما يهدى إلى بــــاغــــي الــــعــــلــوم والفنن

يا حبذا تلك الــعــلـى من مــــاجــــد حـــــبر الزمن

كم خامل نالوا بــــه ذكــــراً رفــيــعاً في الوطن

كم معدم حازوا به مالاً عظيماً في الــمـــحــــن [4]

وله في الرثاء عدّة قصائد ، وقرض قصيدةً معروفةً في رثاء الملك فيصل بن عبد العزيز الشهيد ،  يقول في مبدء الكلام :

الــــــجـــــو مـــغبر الجوانب أحمر     والنجم مكتئب ضئيل أكدر

بكت القلوب مع العيون تفجعاً     للـفيصل المرحوم ساعة أخبروا

ثم يقول :

نــــبــــأ أذيــــع مـــن ريـــاض لــــموجع  كـــادت لوقعته القلوب تفطر

بكت القلوب مع العيون تـــــفـــجعا  للفيصل المرحوم ساعة أخبروا

من للخطوب إذا الخطوب تفاقمت  من للمصاب إذا الرزينة تـفقر [5]

كما هناك بعض الذكريات والترجمات التي نظمها في شعره في مناسبات خاصة عديدة ، وهي الآن متوافرة في مجموعة شعره ” باقة الأزهار ” ، إلا أنّ هذه المجموعة الشعرية لم تصدر حتى الآن .

فبالنظر إلى هذه الإنتاجات الأدبية نقول : ” إن الأستاذ محمد ناظم الندوي كان متصفاً بمزايا وخصائص تفرد فيها عن زملائه وأصحابه ، فكان قلمه سيالاً وسديداً لم يضل أبداً عن منهج الوسطية والاعتدال الذي كان مطلوباً حقيقياً في الإدلال ، وكان حافلاً بصفات الرزانة والحلم ، ولا تجد في مقالاته العلمية وبحوثه الأدبية مظاهر السخط والغضب .

خاتمة البحث :

بعد أن درسنا حياة الأستاذ محمد ناظم الندوي وماثره الخالدة ، وآثاره العلمية الباقية ظهر لنا جلياً أن الأستاذ الندوي كان علماً بارزاً من أعلام المسلمين في القرن العشرين ، وشخصيةً علميةً فذةً ، وكاتباً قديراً عملاقاً ، وشاعراً جليلاً ، ومترجماً قديراً .

وقام الأستاذ محمد ناظم الندوي بدور الريادة والقيادة والتوجيه في الشئون الاجتماعية والأوضاع التعليمية للمسلمين في بلاد الهند ، وقد مثّل في شبه القارة الهندية وباكستان الأدب الإسلامي في ضوء الكتاب الكريم والسنة النبوية العطرة ، وكان ممثلاً فريداً للأدب الإسلامي ، وإنّ كتاباته الأدبية نموذج مثالي رائع ، وتدل على براعته الأدبية ودقة مطالعته الواسعة المستفيضة .

مصادر ومراجع :

  1. محمد ناظم الندوي ، باقة الأزهار ، دار التأليف والترجمة كراتشي ، باكستان ، 1979 .
  2. شمس تبريز خان : تاريخ ندوة العلماء ، لكناؤ ، الطبعة الثانية ، 2003م .
  3. عبد الله عباس الندوي : ” سفرنامه حيات ” ، بتنا ، الطبعة الأولى ، 2005م .
  4. محمد راشد شيخ : ” ندوه كا ايك درخشان ستاره ، مولانا محمد ناظم ندوي ، مجلة ” بانك حراء ” الأردية ، لكناؤ ، يوليو 2005م .
  5. أبو الحسن الندوي ، القراءة الراشدة ، الجزء الثالث ، لكناؤ ، 2003م .
  6. البعث الإسلامي ، أغسطس سنة 2000م .
  7. د . سعيد الأعظمي ، الصحافة العربية : نشأتها وتطورها ، مؤسسة الصحافة والنشر ندوة العلماء لكناؤ ، 2009م .
  8. مساهمة الهند في النثر العربي خلال القرن العشرين ، جامعة جواهر لال نهرو دلهي ، 2004م .
  9. أبو الحسن الندوي ،پرانے چراغ ، ط مكتبة الفردوس ، لكناؤ ، 1997م .
  10. د . شبير أحمد ، اللغة العربية في شبه القارة الهندية والباكستانية عبر القرون ، مطبعة مكرم كراتشي ، سنة 1995م .

* الأستاذ المساعد ، قسم اللغة العربية و آدابها ، جامعة دلهي ، الهند .

[1] أبو الحسن الندوي : مقدمة كتاب ” باقة الأزهار ” لمحمد ناظم الندوي ، كراتشي ، باكستان ،١٩٧٩م ، ص : 1 – 2 .

[2] البعث الإسلامي ، أغسطس سنة 2000م .

[3] عبد الله عباس الندوي : ” سفرنامه حيات ” ، بتنا ، الطبعة الأولى 2005م ، ص : 64 .

[4] أبو الحسن الندوي : القراءة الراشدة لكناؤ ، 2002م ، ص : 76 .

[5] محمد ناظم الندوي : باقة الأزهار باكستان ، ص : 9 .