الأستاذ محمد ناظم الندوي وإسهامه في الأدب والشعر العربي
مايو 24, 2026المسلمون في العالم :
الإسلام والمسلمون في روسيا في ضوء الواقع والتاريخ
الأستاذ السيد عناية الله الندوي *
تُعد روسيا أكبر دولة في العالم من حيث المساحة ، إذ تغطي أكثر من 17 مليون كيلومتر مربع ، وأكبر دولة في أوروبا من حيث عدد السكان ، حيث يبلغ عدد سكانها 148.5 مليون نسمة . كما أنها أكبر دولة في أوروبا من حيث عدد المسلمين ، إذ يُقدَّر عدد المسلمين المقيمين فيها حالياً بنحو 30 مليون نسمة .
تُعدّ روسيا أول دولة في أوروبا فتحت على الإسلام . وصل الإسلام إليها عام642 الميلادي في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حين ضمّ سراقة بن عمرو رضي الله عنه مقاطعة داغستان الجنوبية إلى الدولة الإسلامية دون حرب أو نزاع . في ذلك الوقت ، اعتنق جميع أفراد قبيلة كوماك الإسلام أولاً ، ثمّ انتشر الإسلام تدريجياً بين سكان داغستان . وإلى جانب داغستان ، خضعت مقاطعات مجاورة لداغستان من الشيشان وانغشتيه واوسيتيا لسيطرة الدولة الإسلامية ، واعتنق سكانها الإسلام أيضاً .
ثم في عهد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك ، استونف التقدم الإسلامي في الأراضي الروسية ، في عام 737م ، أُرسل جيش بقيادة مروان بن محمد ، وخلال هذه الحملة العسكرية ، انضمت أديغيا ، وكاباردينو – بالكاريا ، وقراتشاي – تشيركيسيا ، وكراسنودار واستاروبول ، وغيرها من المقاطعات الروسية إلى الدولة الإسلامية . وبدأ العمل الدعوي والتواصلي بنشاط في جميع هذه المناطق . وانبهر الناس بأخلاق المسلمين وشخصياتهم ، وعدل حكامهم وإنصافهم ، وسمو تعاليم الإسلام ، فبدأوا باعتناق الإسلام بأعداد غفيرة . وفي غضون أيام قليلة ، أضاء نور الإسلام منطقة شمال القوقاز وجنوب روسيا ، الممتدة من داغستان إلى أديغية .
خلال العصر العباسي ، حدثت ثورةٌ عندما أسلم الملك الروسي ألميش بن يلطورا عام 922م بدعوةٍ من الخليفة العباسي المقتدر بالله . كانت تربطه علاقاتٌ دبلوماسيةٌ طيبةٌ بالمقتدر بالله ، فأرسل إليه المقتدر بالله وفداً من الدعاة والمتطوعين بقيادة أحمد بن فضلان ، وبفضل جهودهم أسلم ألميش بن يلطورا ، وغير اسمه إلى جعفر بن عبد الله ، ومعه أسلم جميع أفراد أسرته ووزرائه وجنوده وسكان المنطقة وجميع الناس في آنٍ واحد . لقد كانت ثورة عظيمة لدرجة أن روسيا بأكملها استنارت بنور الإسلام .
من الواضح أن ألميش بن يلطورا لم يكن ملكاً صغيراً ، بل كان حاكماً عظيماً لمملكة واسعة ممتدة تشتمل على العديد من دول أوروبا الشرقية ، بالإضافة إلى روسيا الحالية . تُعرف مملكته في التاريخ باسم الإمبراطورية البلغارية العظمى . كانت عاصمة هذه المملكة مدينة قازان في روسيا الحالية ، وهي عاصمة مقاطعة تتاريا حالياً . وكانت تمتد سيطرتهم آنذاك على روسيا بأكملها وأوكرانيا وبيلاروسيا ورومانيا وبلغاريا الحالية .
إلى أي عرق ينتمي هؤلاء البلغار ؟ الرأي السائد هو أن البلغار فرع من العرق التركي الذي حكم أوروبا الشرقية في ذلك الوقت . وبعد هذه الثورة العظيمة ، انتشر الإسلام في جميع أنحاء روسيا ، بما في ذلك تتارستان ، وباشكورتوستان ، والقرم ، وأستراخان ، وخاكاسيا ، وماري ، وموردوفيا وألتاي . واعتنق جميع البلغار المقيمين في المقاطعات الشرقية لروسيا الإسلام . وشُيّدت المساجد في هذه المقاطعات ، وأرسلت الحكومة العباسية الأئمة والمعلمين . وهكذا ، بدأ صوت الأذان يتردد من مآذن المساجد في جميع أنحاء شرق روسيا .
وفي عام 1225م غزا الحاكم المغولي جنكيز خان روسيا ، ودمر الإمبراطورية البلغارية ، وضمّ إلى إمبراطوريته المغولية روسيا وأوكرانيا ، بالإضافة إلى العديد من دول أوروبا الشرقية . فتم القضاء على إمبراطورية البلغار الإسلامية بأيدي المغول التتار الذين كانوا في أول أمرهم شعباً شديد القسوة والجهل والضلال ، لم يكن على الإطلاق لديهم أي دين بل كانوا ألد أعداء المسلمين . دمّروا ثلاث إمبراطوريات إسلامية عظيمة : الإمبراطورية البلغارية في روسيا ، وإمبراطورية خوارزم شاهي في تركستان ، والخلافة العباسية في بغداد . وفي بغداد ارتكبوا فظائع شنيعةً لا تُحصى . فنشأ خطر عظيم على بقاء الإسلام والمسلمين في تلك المناطق التي احتلوها . ولكن ظهرت معجزة عظيمة للإسلام ، وذلك أن المغول التتار جميعا اعتنقوا الإسلام أفواجاً ، إن الذين تغلبوا على المسلمين غلبهم الإسلام وفتح قلوبهم وأصبحوا مفتوحين وخاضعين أمام الإسلام .
إن باتوخان الذي كان حفيداً لجينكيز خان أسس في روسيا إمبراطوريته سماها الدولة الذهبية أو المغول الذهبي ، وحكم فيها منذ عام 1227 الميلادي إلى عام 1255 الميلادي ، وبعد وفاة باتو خان جلس على سرير تلك المملكة أخوه بركة خان الذي كان اعتنق الإسلام قبل أربع سنوات سنة 1251م حينما التقى أثناء أحد أسفاره مع العالم الرباني الشيخ نجم الدين الزاهدي فاستفسره عن الإسلام وتعاليمه فأجابه الشيخ بكل وضوح وسلاسة فتأثر به كثيراً واعتنق الإسلام فلما تولى الحكومة أعلن عن إسلامه مجلجلاً وكان أول مغولي اعتنق الإسلام وأول ملك مغولي أعلن عن إسلامه .
لم يكن دخول بركة خان الإسلام كدخول آحاد الناس ، بل كان دخول بطل عظيم وسلطان كبير تتسع مملكته أكثر من عشرين مليون كيلومتر مربع تشمل جميع روسيا الحالية وأوكرانيا وبولندا ومولدووا وبيلا روسيا . إنه أسلم ودعا جميع التتار المغول إلى اعتناقه . فاستجاب جميع التتار المغول لدعوته واعتنقوا جميعاً الإسلام في آن واحد . وكانت هذه الثورة معجزةً عظيمةً للإسلام أذهلت العالم أجمع .
والجدير بالذكر أن المسيحيين كانوا مسرورين ومبتهجين لما رأو عداء المغول السافر للمسلمين وكانوا متوقعين أنهم سيتنصرون ، ولذلك جعلوا يرسلون الوفود للمبشيرين والمنصرين إليهم لحثهم على اعتناق المسيحية ، ولكن المغول لم يلتفتوا إلى دين المسيحية بل اعتنقوا الإسلام جميعاً ولم يكتفوا باعتناق الإسلام بل أصبحوا دعاةً متحمسين له ولم يكن على خاطر أحد أنهم يسلمون فضلاً عن أن يكونو داعين للإسلام ، أليس هذا من أعظم معجزات الإسلام ؟
لقد عبّر شاعر الإسلام العلامة إقبال عن هذه الحقيقة في شعره البلاغي الأردي بهذا الأسلوب .
يقول :
ہے عیاں یورش تاتار کے افسانہ سے پاسباں مل گئے کعبہ کو صنم خانہ سے
معنى ذلك : لقد تبينت هذه الحقيقة نيرةً واضحةً بقصة الهجوم التاتاري أن المحافظين للكعبة المشرفة قد نشأوا من المعابد الوثنية .
إن بركة خان بعد ما اعتنق الإسلام قام بعمل عظيم في الدعوة إلى الإسلام ونشره في روسيا والمناطق الأوربية الشرقية التي كانت تحت نفوذه وسيطرته .
وفي عام 1313م تولى الحكم في روسيا محمد أوزبك خان الذي طبق الشريعة الإسلامية في مملكته الواسعه الممتدة . إن أوزبك خان تولى المملكة حوالي ثلاثين سنة ، وخلفه ابنه جاني بك ، الذي حكم من عام 1342م إلى عام 1357م . استعمر الحال كذلك حتى الهجوم التيموري على روسيا .
لقد شنّ تيمور لنك هجومين على حكومة التتار الإسلامية في روسيا خلال عهد توخطميش ، مرةً عام 1391م ومرةً أخرى 1395م . كان هجومه الثاني شديداً للغاية ، حيث دمّر عاصمة قازان وقتل آلافاً من المسلمين ، في مذبحةٍ بشعة . بعد نهب العاصمة وسلبها ، عيّن تيمور لنك حاكماً على قازان من جانبه وغادر . ولم يدم حكم السلالة التيمورية طويلاً في هذه المنطقة إلا أن هجوم تيمور لنك قد ألحق أضراراً جسيمةً لمسلمي روسيا ، قد سقطت إمبراطورية التتار الإسلامية العظيمة في روسيا في حالة من التفكك ، والتفرق والانهيار، ولقد ضعفت قوة التتار كثيراً بعد هجوم تيمور لنك ، ولكنهم أعادو أنفسهم مرةً ثانيةً في القرن الخامس عشر الميلادي وأسسوا عدة حكومات في روسيا .
بعد هجوم تيمور لنك تأسست في روسيا ست حكومات تاتارية مسلمة يقال لها الخانيات (1) خانية سيبيريا (2) خانية قازان (3) خانية القرم (4) خانية قاسم (5) خانية أستراخان (6) خانية نوغاي .
(1) خانية سيبيريا : مؤسس هذه الإمبراطورية الإسلامية هو السلطان توخطميش نفسه الذي انهزم من تيمور لنك في تلك المعركة التي جرت بينهما في سنة 1395م ، فإنه وصل إلى سيبيريا وأسس حكومته المستقلة هناك باسم خانية سيبيريا عام 1396م ، وكانت تشمل هذه الخانية أو الدولة مساحةً شاسعةً من سيبيريا ، تزيد مساحتها عن عشرة ملايين كيلومتر مربع ، وكانت عاصمتها مدينة تيومين .
(2) خانية قازان : كانت هذه ثاني إمبراطورية للتتار المسلمين ، أسسها السلطان أولوغ محمد عام 1438م في مدينة قازان . تشمل هذه الإمبراطورية ما يُعرف اليوم بتتارستان ، وباشكورتوستان ، وماري ، وأودمورت ، وموردوفيا ، بالإضافة إلى العاصمة الروسية الحالية موسكو . تمتد هذه الإمبراطورية على مساحة خمسين ألفاً وسبع مائة ألف كيلومتر مربع .
(3) خانية القرم : في عام 1441م أسس الحاج الكيرائ هذه الإمبراطورية التي تشتمل على جزيرة القرم وأوكرانيا ومولدوفا ، بالإضافة إلى أجزاء من جنوب روسيا الحالية ، تغطي هذه الإمبراطورية مساحة 400,000 ( أربع مائة ألف ) كيلومتر مربع ، وكانت عاصمتها باغشا سراي .
(4) خانية قاسم : أسس قاسم خان هذه الإمبراطورية في الجزء الشمالي من روسيا عام 1452م . وتشمل هذه الدولة مقاطعة رياضان وساخا ، بالإضافة إلى كامل شمال روسيا وفنلندا وأجزاء من السويد . وكانت عاصمتها مدينة قاسموف التي تقع حالياً في مقاطعة رياضان الروسية .
(5) خانية أستراخان : وفي عام 1460م ، أسس السلطان محمود الأستراخاني خامس إمبراطورية للتتار المسلمين في أستراخان ، وكانت عاصمتها مدينة حاجي ترخان ، التي تقع متصلاً بمدينة أستراخان الحالية . تُعرف هذه الإمبراطورية باسم خانية أستراخان .
(6) خانية نوغاي : وفي عام 1480م ، أسس السلطان تيمير خان نوغاي سادس إمبراطوريةً إسلاميةً في جنوب روسيا ، تُعرف باسم خانية نوغاي ، والتي كانت تشمل مقاطعات أديغيا وكراسنودار وستافروبول الروسية الحالية .
وبعد الهجوم التيموري نشأت حكومة جديدة في موسكو بقيادة إيفان الثالث عام 1462م ، إنه كان حاكماً لموسكو من قبل خانية قازان وكان إقطاعياً يدفع الخراج لحكومة قازان ، وكان من العرق الروسي فإنه جمع حوله القبائل الروسية التي كانت منتشرةً في البلاد يعيشون حياةً بدويةً رحاليةً وأثار فيهم عاطفة الحرب والقتال وأنشأ فيهم العزائم والهمم للحكومة فاجتمع حوله عدد ضخم من القبائل الروسية وتنصروا جميعاً فحضهم على الهجوم ضد التتار المسلمين ، فلما أحس أنه يستطيع أن يحارب ضد التتار أعلن باستقلاله عن مملكة قازان في عام 1473م وتوقف عن دفع الخراج لمملكة قازان .
وفي عام 1533م ، أصبح إيفان الرابع حاكماً لروسيا . وفي عام 1544م ، اتخذ لقب الزار أي الملك . ثم في عام 1552م ، هجم على مملكة قازان ، وهزم سلطانها الأخير يادغار محمد ، واستولى على جميع الأراضي لمملكة قازان .
وفي عام 1556م ، إنه هاجم مملكة أستراخان وهزم آخر ملوكها المسلمين ، درويش علي ، واستولى على مملكة أستراخان التتارية المسلمة .
فاتسع بذلك نفوذ سلطة مملكة الروس الجديده اتساعاً بالغاً . بدأ الغزو الروسي على مملكة سيبيريا منذ عام 1582م . واستمرت الحروب بين الروس والتتار حتى عام 1598م ، عندما أصبح بوريس غودونوف ملكاً لروسيا دارت المعركة الأخيرة في ذلك العام نفسه بين الروس وآخر ملوك التتار في سيبيريا كشوم خان وسقطت منطقة سيبيريا الممتدة الواسعة في أيدي الروس ، وهذه المعركة الأخيرة تسمى بمعركة أورمين التي دارت على ضفاف نهر أوب .
وهكذا بحلول نهاية القرن السادس عشر ، سقطت ثلاث مناطق تتارية مسلمة عظيمة في أيدي الروس (1) مملكة قازان (2) مملكة أستراخان (3) مملكة سيبيريا .
وفي عام 1634م ، استولى الروس على مملكة نوغاي التي كانت تقع في جنوب روسيا بعد هزيمة آخر ملوك خانية نوغاي كنائ خان ، وكان حينذاك ملك روسيا ميخائيل وفي عام 1653م خلال عهد الملك الروسي أليكس ميخائيل استولت القوات الروسية على نصف أوكرانيا من خانية القرم .
وفي عام 1681م ، ضم الملك الروسي فيودور الثالث خانية قاسم إلى مملكته الروسية دون أي حرب أو مقاومة بعد وفاة ملكة خانية قاسم الأخيرة فاطمة السلطانة .
وبحلول نهاية القرن السابع عشر الميلادي سقطت مملكتا التتار الواقعتان في جنوب وشمال روسيا أيضاً في أيدي الروس ، ولم يبقَ سوى مملكة تتارية مسلمة واحدة في شبه جزيرة القرم جنوب غرب روسيا وبعض دويلات مسلمة في أقصى جنوب شرق روسيا مثل داغستان والشيشان وكباردينو بلكارية وقراتشائ تشركيسيا وانغوشتية وغيرها .
بقيت هذه المناطق طلقةً ناجيةً عن سيطرة روسيا واستيلائها لأن قوات الدولة العثمانية كانت موجودةً هناك تدفع هذه المناطق وتنقذها من انتشار نفوذ روسيا فيها فيحول وجود القوات التركية هناك دون تمكن الروس من الاستيلاء عليها .
وكانت روسيا تريد التغلب على تلك المناطق ، ولذلك فإنها هاجمت الدولة العثمانية في عام 1768م ، واندلعت الحرب بين روسيا والدولة العثمانية . واستمرت إلى عام 1783م ، وفي نهاية المطاف انتصر الروس واحتلوا في عام 1783م شبه جزيرة القرم .
وبحلول عام 1828م ، بسطت روسيا نفوذها على دويلات داغستان ، والشيشان وكاباردينو – بالكاريا وقراتشاي – تشير كيسيا الإسلامية الواقعة في أقصى جنوب شرق روسيا . وبذلك لم تبق هناك أي دولة إسلامية في روسيا بأكملها .
وهكذا فإن سلطة الإسلام والمسلمين التي كانت بدأت في روسيا منذ القرن الثامن الميلادي فقد انتهت في القرن التاسع عشر الميلادي .
وارتكب ملوك روسيا فظائع جسيمة على المسلمين ، فذبحوهم بلا رحمة ، وأجبروهم على اعتناق المسيحية وهدموا المساجد أو حوّلوها إلى كنائس ، وهاجر كثير من المسلمين إلى تركيا ، حتى كادت أن تخلت بعض المناطق من وجود المسلمين . فقد أُبيدت منطقة سيبيريا الممتدة الواسعة ، التي كانت ذات أغلبية ساحقة مسلمة لدرجة أنه لم يبق فيها إلا واحد بالمائة من المسلمين ، إما قُتلوا أو فرّوا طلباً للنجاة . واليوم أغلبية سكانها المسيحيون .
وفي عام 1917م ، اندلعت الثورة الشيوعية في روسيا وأُلغيت الملكية . قبل نجاح الثورة ، وعد زعيم الشيوعيين لينين المسلمين بأنه سيحرر جميع مناطق المسلمين بعد نجاح الثورة ، فوثق المسلمون بوعده ودعموا الشيوعيين ، ولكن لينن بعد الوصول إلى السلطة ، نكث بوعده . وبقيت الهيمنة الشيوعية الروسية على جميع المناطق الإسلامية على حالها . بل على العكس ، عندما وصل ستالين إلى السلطة عام 1924م ، حطم جميع الأرقام القياسية في الفظائع . وقتل 50 مليون مسلم . وأخلى شبه جزيرة القرم بأكملها ، من وجود المسلمين ، وأسكن فيها الروسيين والأوكرانيين . وحشد المسلمين في الشاحنات ونقلهم إلى المحيط المنجمد الشمالي في سيبيريا وألقاهم هناك ليموتوا تجمداً في الجليد . أغلق جميع المساجد في روسيا ، ومنع الأذان وتلاوة القرآن ومطالعة كتب الحديث والفقه حتى قراءة الكتب العربية ، وحظر على الرسم العربي الذي كانت تكتب فيه اللغة التركية والتتارية وفرض على جميع السكان أن يكتبوا لغاتهم بالرسم الروسي . وهكذا جعل ستالين حياة المسلمين بائسةً مضطهدةً وأثبت الشيوعيون الروس أنهم أكثر دمويةً وأكثر اعتداءً من ملوك روسيا .
استمرت هذه السلسلة من الفظائع سبعين عاماً حتى انهزمت القوات الروسية الشيوعية في أفغانستان من المجاهدين الأفغان سنة 1989 الميلادية بعد المعركة الطويلة التي جرت عشرة أعوام ، وفي هذه المعركة انهزمت القوات الشيطانية أمام القوة الإلهية القاهرة وانعزلت الدول الأوربية الشرقية الشيوعية كلها عن روسيا الشيوعية ، ونبذت طوق الشيوعية الماركسية عن غاربها ثم تفككت روسيا نفسها في أربع عشرة دولة وقضي على النظام الشيوعي الماركسي في روسيا وهدمت تماثيل ماركس ولينين واستالين عام 1991م في جميع أنحاء روسيا .
وبعد انتهاء النظام الشيوعي في روسيا ، افتتحت المساجد ، ورُفع الحظر عن رفع الأذان والصلاة وسائر الشعائر الإسلامية . فتنفس المسلمون هناك الصعداء ، بعد أن عانوا مصائب كثيرةً خلال سبعين عاماً من الحقبة الشيوعية .
ورغم كل هذه المعاناة والاعتداء تشير أحدث الإحصائيات إلى أن عدد المسلمين في روسيا الاتحادية يتجاوز 30 مليون نسمة أي ما يعادل %21 من إجمالي السكان . وتوجد حالياً سبع مقاطعات يشكل المسلمون فيها أغلبية ، وهي : (1) إنغوشتيا – %96 ، (2) الشيشان – %95 ، (3) داغستان – %81 ، (4) كاباردينو – بالكاريا – %71 ، (5) قراتشاي – تشيركيسيا – %64 ، (6) باشكورتوستان – %60 ، (7) تتارستان – %54 .
وهناك خمس مقاطعات تتراوح فيها نسبة المسلمين بين خمسة عشر وخمسة وعشرين بالمائة : (1) أستراخان ، (2) أديغيا ، (3) القرم ، (4) اورنبرغ (5) مدينة موسكو .
وفي ثمان وعشرين مقاطعة لروسيا تتراوح نسبة المسلمين فيها بين واحد بالمائة وعشرة بالمائة . والجدير بالذكر أن عدد مقاطعات روسيا الاتحادية خمس وثمانون مقاطعة وفي كل منها عدد من المسلمين .
تجدر الإشارة إلى أن عدد المسلمين في روسيا يتزايد باستمرار منذ عام 1991م . يعزو البعض هذا التزايد إلى ارتفاع معدل المواليد بين المسلمين ، ولكن هذا ليس السبب الحقيقي لذلك ، بل الحقيقة أن نسبة المسلمين في روسيا كانت تتجاوز %80 . قبل القرن التاسع عشر الميلادي . وفي ذلك القرن عندما أُزيلت سلطة المسلمين تماماً ، قُتل العديد منهم ، وفرّ آخرون ، واعتنق بعضهم المسيحية . ثم بعد وصول الشيوعيين الروس إلى السلطة في القرن العشرين ، انضمّ كثير من المسلمين إلى الشيوعية أو أخفوا هويتهم الإسلامية . وبعد عام 1991م حينما منح ضمان الحرية الدينية ، بدأ كثيرون بإظهار هويتهم الإسلامية ، وجعل يتوب بعض الشيوعيين ويعتنقون الإسلام . وبذلك يتزايد عدد المسلمين في روسيا .
ويمكن تقدير ذلك من خلال حقيقة أنه قبل عام 1991م ، لم يكن في روسيا سوى 250 مسجد ، بينما ازداد عدد المساجد بشكل كبير . وبحلول عام 2025م . بحسب إحصائ حديث ، بلغ عدد المساجد في روسيا 15 ألف مسجد . وقد أُعيد فتح جميع المساجد التي كانت مغلقةً ، ويجري بناء مساجد جديدة في طول البلاد وعرضها . ويمكن القول : إن نهضة جديدة قد بدأت بين المسلمين . نسأل الله تبارك وتعالى أن يديم هذا التوجه وأن يعيد للإسلام عظمته في جميع أنحاء روسيا .
آمين ثم آمين .
راجع للتفصيل :
- روس ميں مسلمان قوميں ، للأستاذ عادل شاه بوري ، سنة الطباعة 1983م ، مركزي مكتبہ إسلامي ، دهلي .
- انسائكلوپيڈيا آف إسلام ، دائرة المعارف الإسلامية .
* أستاذ التفسير والأدب ، دار العلوم ندوة العلماء لكناؤ .

