صلتي بالأستاذ المعصومي وثناء العلماء والأعلام عليه
مايو 24, 2026صلتي بالأستاذ محمد واضح رشيد الندوي ( 1933 – 2019م )
مايو 24, 2026رجال من التاريخ :
أضواء على حياة العلامة محمد فريد وجدي
دكتور/ غريب جمعة *
يعجب الإنسان أشد العجب حينما يقرأ لهذا العلامة ، أو يقرأ عنه ؛ لأنه يجد نفسه أمام موسوعة أو أمام ( مكتبة ) علمية تمشي على رجلين ، فقد كتب في الدين وفي العلم وفي الأدب وفي الصحافة والسياسة وفي التراث بهمة لا تعرف الكلل ولا الملل ، لا يفتنه المدح ولا يصده الذم ؛ لأنه يعرف هدفه النبيل ، وأول ما يتبادر إلى نفسك من قراءتك له أنه رجل مثالي من الوجهة النفسية والأخلاقية على حد سواء .
وتتجلى مثاليته في المشاركة الفعلية والجهاد في سبيل إصلاح المجتمع ، وكذلك في التعامل مع أعدائه ، ولكن مع التحرر من معرة الملق والمداهنة ونقيصة التظاهر والرياء ، كما تتجلى في الكمال العقلي الدقيق واحترام النفس والاعتدال والبعد عن النقائص مثل الكبر والمهانة وغير ذلك مما يشين الرجال .
كل ذلك يصوره الرجل تصويراً يجعلك تراه رأي العين ، وعلى الرغم من ذلك نسيه العلماء وجفاه الأدباء ، وتغافل عنه الباحثون والمؤرخون والصحفيون ، ونسيته الأمة ، ولم يكن نصيبه هو وأمثاله من التكريم إلا ذكر لا يطول وتقدير غير موصول وبر لا يسعف وقبر لا يُعرف !!
وسنحاول – بإذنه تعالى – من فوق هذا المنبر الثقافي والإعلامي أن نؤدي شيئاً متواضعاً من حق هؤلاء العظماء علينا امتثالاً للأدب القرآني في قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) [ الحشر : 10 ] .
والأمة التي تنسى علماءها ورجالها وأبطالها تفرط في دينها وتنسى تاريخها وأمجادها ، وتقتلع جذورها بأيدي أبنائها هي أمة جاحدة ؛ لأنها نسيت من عملوا من أجلها وضحوا في سبيلها بأعز وأغلى ما يملكون صابرين محتسبين .
والآن بعد هذا الاستهلال هيا بنا نتعرف على ذلك العظيم :
هو محمد فريد وجدي بن مصطفى وجدي بن علي رشاد .
كان مولده بمدينة الإسكندرية عام 1875م ( هذا ما عليه أكثر الذين كتبوا عنه ، ولكني سمعت من تلميذه الوفي السيد المهندس محمد توفيق أحمد مؤسس دار تبليغ الإسلام ، وصاحب مجلة البريد الإسلامي أن الأستاذ وجدي أخبره أن تاريخ ميلاده الحقيقي هو 1869م ) .
وقد نشأ في بيت جمع بين الثراء والشرف وعلو المكانة الاجتماعية ، حيث كان والده – مع ثرائه – يعمل محافظاً لمدينة السويس ، وقد جعل بيته أشبه بندوة يقصدها العلماء والأدباء والكبراء وأصحاب الحاجات ، وكثيراً ما يكون ثراء الآباء وعلو مناصبهم سبباً في انصراف الأبناء عن طلب العلم والجد في الحياة اعتماداً على صيت الوالد .
ولكن الطفل محمد فريد لم يكن كذلك ، وإن رأى الوجهاء وعلية القوم يتوافدون على والده بكل احترام وتقدير .
لقد كان مطبوعاً على حب الاطلاع وتحصيل العلم ، وكانت مدرسته الأولى هي مكتبة ذلك الوالد المبجل الذي يزوره العلماء فيتحول مجلسهم إلى ما يشبه الندوة العلمية وهو يسمع ذلك كله ، وإن كان بعضه أكبر من سنه في ذلك الوقت ، لكنه يعلق بذهنه ، ويحاول بجهده الخاص أن يفهمه ويتعرف عليه ، فإن استشكل عليه شيئ عرضه على زوار أبيه من العلماء الذين يحبونه ؛ لأنه يناقشهم في أمور أكبر من سنه بكثير .
تَدرَّج الطالب محمد فريد وجدي في مراحل التعليم حتى حصل على البكالوريا ( الثانوية العامة بلغة عصرنا ) ، ثم انتسب إلى مدرسة الحقوق ( كلية الحقوق ) ، ومكث بها عامين ، ثم انقطع عنها عندما رأى أن البقاء بها سيضيق عليه ويحول بينه وبين العلوم التي مَسَّت شغاف قلبه ، وأصبح لا يطيق الصبر عنها كالمستهام بها صباً فعاش لها وعاش بها سعيداً غاية السعادة راضياً كل الرضا .
وبعد حصوله على البكالوريا والانقطاع عن مدرسة الحقوق تم تعيينه موظفاً في قسم استبدالات الأحكار بديوان الأوقاف ( وزارة الأوقاف حالياً ) ، وكان راتبه في ذلك الوقت أربعة جنيهات !! وكانت هذه الوظيفة وسيلة سهلة جداً للإثراء عن طريق ” مد اليد ” ( الرشوة ) ، ولكن وجدي وزملاؤه لم يقعوا في هذا المستنقع ولم تبتل ثيابهم من مائه الآسن .
لم يكن الشاب محمد فريد بالذي يجهله أولو الأمر في مصر ؛ فقد أعجب به الخديو عباس فألحقه بوظيفة محرر ” بالسراي ” ، وما أدراك ما يكون في سراي الملك مما تطمح له الأبصار ويسيل له اللعاب .
ولكن وجدي أحس أن الوظيفة غل ( قيد ) في عنقه وفي يديه حتى لو كانت في سرايا الملوك ، هذا الغل يحول بينه وبين البحث والاطلاع على العلوم والمعارف التي يعشقها فطلب إعفاءه من تلك الوظيفة ، وكان هذا منه وداعاً للوظائف إلى غير لقاء .
لم يكن وجدي يعيش في برج عاجي بعيداً عن هموم وطنه الذي أرهقه الاحتلال البريطاني ومزقته الحزبية البغيضة شيعاً وأحزاباً يكيد بعضها لبعض ، بل إن بعضها يتقرب إلى المحتل في مهانة لا تليق بأصحاب العزة والكرامة .
فأراد أن يؤدي واجبه نحو هذا الوطن ودخل من باب الصحافة ، حيث أصدر جريدة ” الدستور ” في أواخر عام 1907م ، واستمع إليه وهو يبين الهدف والغاية من إصدارها ، حيث يقول في افتتاحية عددها الأول :
” أما بعد . . فنحن بإصدار هذه الجريدة لا نَدَّعي أن في الصحافة العربية ، فراغاً جئنا لنملأه ، فإن في ذلك غمطاً لحق من تقدمنا من العاملين ، فما ” الدستور ” والحال هذه إلا محامٍ جديد انتدبته الأمة بإقبالها على أسهمه ( حيث جعل للقراء نصيباً في الأسهم ) للمرافعة في قضية مصر بأسلوب علمي ليصبح صوت الدفاع عن مصر حاصلاً على كل ما يجعله محترماً ومسموعاً ” .
وقد لا يعرف الكثير أن الشاب عباس محمود العقاد الذي نزح من مسقط رأسه في أسوان إلى القاهرة ، لعله يجد بها عملاً ساعدته الأقدار على أن يتصل بالأستاذ محمد فريد وجدي الذي عينه من بين المحررين في جريدته بوظيفة ( محرر متجول ) .
وهكذا كان الأستاذ وجدي هو أستاذ العقاد الأول في الصحافة وجريدة ” الدستور ” هي المدرسة الصحفية الأولى التي تخرج فيها العقاد لنستمع إلى ما قاله العقاد عقب لقائه بالأستاذ وجدي أول مرة :
” كنت أراه في طريقي ولا أعرف من هو بين غمار الناس على علمي ببعض آثاره وسماعي ببعض أخباره ، ومنها قفشات الأدباء ( أولاد البلد ) : إنه يعيش في عالم ما وراء المادة في عطفة من عطفات عالم الروح !!
فلما رأيته لأول مرة بعد إعلانه عن إنشاء صحيفة ” الدستور ” أسفت لما فاتني من الشعور بتلك الأعجوبة التي كنت أشهدها كما يشهدها غيري من عابري الطريق ولا يشعرون بها ” . اهـ .
ودخلت جريدة ” الدستور ” عالم الصحافة من أوسع الأبواب ، وقد حاول صاحبها أن يجعل للصحافة طابعاً مميزاً كما يفهمها ، وهو : خدمة المبادئ الكبرى والأهداف التي تعلو فوق الأهداف الحزبية من أجل العالم الإسلامي الواسع ، لذلك لم يكن ” الدستور ” جريدة حزبية الطابع ، بحيث لا تدور إلا في فلك الحزب الذي أسسها ، ولا تتوجه إلا إلى الجهة التي يريدها .
ولم تكن تخدم جهةً أو هيئةً سياسيةً معينةً ، وإنما هي صحيفة ثقافة وعلم ووطنية ، ولذلك لم تكن مقالات مؤسسها تعطي صورة السياسي المحترف بقدر ما تعطي صورته الأصيلة : أي صورة الفيلسوف والمصلح الاجتماعي الذي يشغله بناء فكر الأمة على أسس جديدة هي العلم والدين والوطنية الخالصة .
لذلك كان موقف الرجل وجريدته عجيباً وغريباً بين الجرائد والمجلات في ذلك الوقت ، وتحمل في سبيل مبادئه من الأثقال ما تنوء بحمله الجبال .
وربما لم يعرف تاريخ الصحافة في مصر كاتباً مثل الأستاذ وجدي الذي يؤثر الحق على المنفعة الذاتية مهما كلفه ذلك من تضحيات حتى في أيام العسرة التي مرت بها الجريدة .
وقد وقف الرجل في هذه الظروف الصعبة مواقف تجعلك تحني الرأس إجلالاً له ، وينطلق لسانك بالدعاء له والترحم عليه ؛ لقد كان مثلاً صادقاً للرجولة الحقة والتضحية النبيلة والقيم الرفيعة والخُلق الكريم .
ونختار من هذه المواقف موقفين فقط :
الأول : أن السيد توفيق البكري نقيب الأشراف في ذلك الوقت ، كان له رأي في بعض الأمور يخالف رأي الخديو عباس فيها ، وكان الأستاذ وجدي يرى ما يراه السيد البكري ؛ فكتب في جريدته حول هذا الموضوع ولم تكن مخالفة الخديو بالأمر الهين آنذاك ؛ فأراد السيد البكري أن يكافئ صاحب ” الدستور ” مكافأة سخية لعلمه بالظروف الصعبة التي تمر بها الجريدة ، وشكراً له على موقف التأييد له والتعاطف معه .
ولكن الأستاذ وجدي رفض هذه المكافأة رفضاً مهذباً مع خطاب يشكر فيه السيد البكري شكراً يمنعه من العودة إلى مثل هذا التصرف !!
الثاني : وهو موقفه من حزب ” تركيا الفتاة ” في بداية نشأته ، حيث كان يحتاج إلى قلم قوي وكاتب مرموق وصحفي جهير الصوت ليعرف الناس بذلك الحزب ، ويدعو إليه فيما بينهم . وعرض الأمر على الأستاذ وجدي وعيون الحزب في مصر تعرف تماماً من هو الأستاذ وجدي ، وتعرف الظروف المالية الصعبة حتى أثقلت الديون كاهله ، وهي تهدد بتوقف الجريدة عن الصدور ، وقد خصص الحزب راتباً ضخماً ينتشله من كارثة هذه الديون ويضمن لجريدته الاستمرار على شرط : أن يحذف شعار الجريدة الذي اختاره لها ، وهو : ” لسان حال الجامعة الإسلامية ” ؛ لأن الجامعة الإسلامية شوكة في حلق حزب تركيا الفتاة وقذى في عينيه ؛ لأنه حزب علماني ولا علاقة له بالإسلام من قريب أو بعيد ، بل إنه يحاربه حرباً شعواء لا هوادة فيها .
ويرفض الأستاذ وجدي هذا العرض السخي رفضاً يضع المال تحت أقدام مبادئه وقيمه حتى ولو كان مثقلاً بالديون وجريدته مهددة بالتوقف عن الصدور .
وبالفعل وقع المحظور وتوقفت الدستور !!
ويعلق الأستاذ العقاد وقد رافق الرجل طيلة فترة صدور ” الدستور ” من يناير 1907م حتى توقفها عام 1910م .
يعلق على ذلك فيقول : ” إن أزمته أي أزمة الأستاذ وجدي في مجال الصحافة ، إنما كانت أثراً من آثار المبدأ الذي لا ينحرف الرجل عنه قيد شعرة وهو الجهر بالرأي ولو خالف القوة والكثرة ، وخالف أحب الناس إليه ، ولقد كان خلافه مع الحزب الوطني في بعض وجهات النظر سبباً رئيساً في كساد صحيفته فعجز عن النهوض بتكاليفها ولم يقبل أن يعوض الخسارة بمعونة مفروضة من جهات لا تتفق مع عقيدته فوقفها ” .
ويعلق كاتب هذه السطور على ذلك ببيتين من الشعر كان الأستاذ كامل كيلاني رائد أدب الأطفال – يرحمه الله – يرددهما كثيراً وهما :
أبدعت فاحتمل المكاره صابـراً إن الشقاء الحق أجر المبدع
وتــــهــــنأ الـــفـــزع الـــــمــــؤرق إنه زاد الأبـــــي ولـــــذة الـمترفع
( وللحديث بقية إن شاء الله )
* أمين رابطة الأدب الإسلامي العالمية بمصر .

