الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم
مايو 24, 2026الصيام وسعة الرزق
مايو 24, 2026الدعوة الإسلامية :
تربية الأولاد وتعليمُهم ¨
بقلم : العلامة محمد إقبال رحمه الله *
تعريب : الأستاذ فضل الرحمن محمود §
إن تعليم الأولاد أساس التقدم القومي كله . إذا كانت طريق التعليم قائمةً على المبادئ العلمية صارت الشكاوي كلها حول المدنية هباءً منثوراً ، وظهرت الحياة منظراً خلاباً ، وأثنى عليها الفلاسفةُ الذين يطعنون في جمالها الظاهر .
إن أول فريضة للإنسان أن تكون شخصيته زينةً للدنيا ، كما قال الشاعر اليوناني : ” لِيتملك الإنسانُ نوعاً من الضياء تمتد أشعته على الآخرين ، وتلقِّنُهم درساً من الديانة والصلح ، ولتتسع دائرةُ أخوته يوماً فيوماً فيتسع به قلبه . وهذه السعة تزيل العصبيات والأوهام عن مرآة الروح وتطهرها تطهيراً ” .
يعيش مئات من الناس في الدنيا ، ولكنهم يجهلون العلاقات الأخلاقية كلياً . عيشتهم عيشةَ البهائم ، لأن أعمالهم كلها مبنية على حب الذات والأنفة الزائدة . هؤلاء يتفكرون في مصالح أُسَرهم فقط غافلين العلاقات المباركة بينهم وبين سائر الناس . إن الإنسانية الحقيقية أن يكون الإنسانُ على بصيرة كاملة بوظائفه ، ويحسب نفسه غصناً لشجرة عظيمة أصلها ثابت وفرعها في السماء . يجب أن نلحظ هذا الهدف في تربية كل طفل لينشأ إنساناً نابغاً ، ولا يمكن الحصول على هذا النبوغ إلا بالتربية والدرس الأخلاقي . من لا يلتزم بالمبادئ العلمية الصحيحة في تربية الأطفال وتعليمهم ، فإنه يعتدي على حقوق المجتمع ، وعواقبُه ضارَّةٌ للغاية لجميع أفراد الشَعب .
نستهدف من كتابة هذا المقال أن ندرس الطفولة في ضوء الأصول العلمية ، وما هي القُوى التي تظهر للطفل أولاً وكيف ستتم تربيتها وتعليمها ؟ لا نريد أن نستعرض خيالاً محضاً ، بل طريقاً عملياً نستشف منه قواعد واضحةً وميسورةً لتعليم الأولاد يفهمُها الرجل العادي ويستفيد من نتائجه . نرجو أن ينتفع القراء بهذا المقال ويجعلونه نصب أعينهم في التعليم الابتدائي لأولادهم ، لأن :
خشت اول چو نہد معمار کج
تا ثریا می رود دیوار کج
( لو أرسى البنَّاءُ حجرَ الأساس معوجاً ، فيَصل الجدار إلى الثريا معوجاً )
يجب أن ننظر أولاً ما هي الأمور التي تختص بالطفولة ، لِتُراعى عند تربية الأطفال وتعليمهم ، ويستفاد منها بأحسن طُرق .
(1) إن أول شيئ يبدو جليّاً في هذا الصدد لكل مُطالع ، أنه يوجد في الأطفال ميلٌ إلى الحركة ، وهم مضطرون إليها جِبِلّياً . وهذه الجبلة موجودة في كل إنسان ، بل في كل حيوان . انظروا ، ما أَلذَّ اللعب عند القُطَيطة ، وهي تلعب بنفسها ! ويرقص جروُ الكلب فرحاً عند ما يُطلَق سراحُه من طوقِ السلسلة ؛ لأنه مجبولٌ على الحركة التي يضطر إليها من داخل نفسه .
يزعم حكماء القرن التاسع والعشرين أنه لا بد لنشوء الطفل من هذه الحماسة الاضطرارية ، لأنه لا يحتاج في هذه الحالة إلى باعث خارجي يحرك أعصابه . إن الأطفال يمتلكون قوةً زائدةً في أعصابهم ، وهم يمرحون عند استهلاك هذه القوة في شيئ مَّا . وكثيراً ما يكون هذا المرح سبباً لعَناء والديهم . ربما تُستهلك هذه القوةُ الأعصابية الزائدة في الضجيج والعويل ، وأحياناً في اللعب والضحك المتخبط العشوائي ، فليتَذَكَّر مَن يتضجر من بكاء الأطفال أنه ضروري لنشوئهم البدني والروحاني . وثمَّةَ منافذ أخرى أيضاً لاستهلاك هذه القوة ، منها : أن حواس الطفل تتحرك بنفسها فيعرِف بها الأشياءَ الخارجية تدريجياً .
والحقيقة أن الطفل ليس كائناً متعلماً ، بل هو كائن متحرك تماماً ، ويجب أن نستغل حركاته الصبيانية في تعليمه ، فمثلاً ، يمكن توجيهه إلى بناء البيت من اللبنات ، ونظمِ اللؤلؤ في سلك ، والتغني وغيرها . إن القوة الأعصابية الزائدة التي يتم استنفادها في البكاء ورفع الضجيج بغير سبب يمكن نقلها إلى صوت مُنظَّم ونغمةٍ بسهولة . والقُوة التي تُنفق في لمس الأشياء الضارة ورمي الأسباب الأخرى هنا وهناك يمكن استخدامها بسهولة في بناء البيت من اللبنات .
(2) إن الخاصية الأخرى للطفولة أنه لا يمكن فيها التركيز على شيئ بشكل مستمر . . . كما أن قُوى الطفلِ البدنيةَ لا تستطيع أن تستقر في مكان فليس بإمكانِ قواه العقلية أيضاً أن ترتكز على نقطة واحدة . وكما أن يديه لا تهدآن في هذه السنِّ ففي التفاته أيضاً نوع من الاضطراب ما يؤدي إلى عدم استقراره في مَوضِعٍ . فلذا يجب أن تُقَسَّم المحاضرةُ على فترات قصيرة ولا تكون طويلةً حتى تبقى قُوى الصبيان متحركةً . وعلاوةً على ذلك يلزم أن تشتمل الدروس على مقالٍ مشترك ، لتنمُو به عادةُ التركيز على نقطة خاصة .
(3) يجد الأطفال متعةً في إمعان النظر في الأشياء ، ولاسيما هُم يتلذذون بلمسها . يمدُّ الطفل يديه إلى الضوء عند الانتباه إليه ويسعى ليأخذ شُعلةَ الشَّمعةِ ولو كان ابن ثلاث سنين ولا يقتنع بمجرد النظر فيستعين بحاسته اللَّمسِية أيضاً ؛ لأنه ، بطبيعة الحال ، يرتاح بلمس الأشياء الخارجية . لا شك أن كل إنسان قد جَرّب أن الطفل إذا وقع بصره على صورة معلقة على الجدار فلا يتمالك نفسه ويصيح لأن تُقلع الصورة من الجدار وتُعطَى في يديه . يبدو من صياحه أنه لا يصمُت أبداً ، ولكن لمَّا تُوضع حاجتُه أمامَه فلا يصمت فقط بل ينفجر ضحكاً في بعض الأحيان . فينبغي أن يوضع أمامه الشيئ الذي يجري الدرسُ حولَه ، ثم تُعطى في يديه ليُدرِك حقيقةَ الشيئ جمعاً بين استخدام حاسَّتي اللمسِ والبصرِ . تتربى حاسةُ البصر بالمشاهدة ، وتنمو الحاسة اللَّمسِيةُ باللمس بشكل ملحوظ ، وتربو قوة السمع بالكلام والتغني وغيره .
(4) يتوجَّهُ الأطفال إلى لون الشيئ أكثر منه إلى صورته . جُلُّ التفاتهم يكون إلى أشياء ذات لمعان وبريق ، ولا يبالون بالصورة التي لا تلمع ، ولو كان من صُنعِ أكبرِ المصوِّرِين . وبالعكس يفتدي الولدُ بنفسه على كتاب صغير يحتوي على صُوَر مُلوَّنة . وكذلك هو أسرع تحدثاً بكلمات ” الأحمر ” و ” الأزرق ” وغيرها من الألوان بالنسبة لكلمات ” المربَّع ” و ” المثلث ” . نستنبط منه أن اشتمالَ المقررات الدراسية الأولى للطفل على صورٍ ملونةٍ مُحَتَّمٌ وواجبٌ .
(5) يمتلك الطفل عاطفةً زائدةً لإعانة من هو أكبر منه . يندفع إلى الضحك إذا ضحكت أمه ، ويقلد أباه إذا تكلم ، وإذا كبُر قليلاً وتَعلَّم جُمَلاً فيقول لأصدقائه : تعالوا ! نلعب ، أنا مولوي وأنتم تلاميذي . أحياناً يقلد البائعين ويبيع البضائع ، ومرةً أخرى يطوف هنا وهناك ويصرخ : تعالوا ! الرمانةُ رخيصةٌ ! فيجب حينئذ أن يظهر الأستاذُ أمامَ الطفل كأحسن مثال ليقلد الطفل مُعلِّمَه في كل حركة تصدر منه .
(6) يتميز الأطفال بقوة التخيل ، وهذه القوة بارزة فيهم . عند ما يُرخي الليل سدوله يبدأ الطفل يُزعج أمه ويقول : أماه ، أسمِعيني حكاية . فحينما تحكي له الأمُّ حكاية العصفور أو الغراب ، يطير فرحاً وسروراً ، وحينما يكبر قليلاً ويتعلم شيئاً من القراءة ينجذب شوقاً إلى روايات وقصص صغيرة . ينبغي للأستاذ حينئذ أن يعتني خِصِّيصاً باستغلال قوةِ التخيل وتنميتِها المنَظَّمة ، حتى لا تقوى هذه الغريزة فيه بدون نظام ، ويترك أثر النقص في قواه العقلية . يمكن للطفل أن ينتفع بهذه القوة كثيراً . يصنع الطلاب في أكثر المدارس السفنَ القرطاسية ليلَ نهارَ . هذا تمرين جيد لقوة التخيل . يرى بعض الحكماء أن قوة التخيل بحاجة إلى وضعها في الحدود أكثر منه إلى تربيتها .
(7) تظهر في الأطفال أمارات الأخوة أيضاً ، يمكن أن يُنتفع بهذه الغريزة في تعليمهم الأخلاقي . يضحك الطفل إذا رأى أحداً ضاحكاً ، ويحزن إذا أبصر والديه في حزن ، تزداد هذه الجبلة بالتجربة والتمرين . في بداية الأمر يبدو الطفل متأثراً بحزن الآخرين ، فينبغي للأستاذ أن يحكي له الحكايات الجيدة ويحفِّظَه إياها . ويُحسِن أمامَه إلى الحيوانِ الَّذي يَجري الدرس حوله ، ليكون له أحسن مثال للتقليد .
(8) إن الطفل يملك ذاكرةً محيرةً لحفظ المفردات . ما أسهَلَ تعلُّمه وحفظه لتعقيدات لغته الأم ! . يلزم للمعلم أن يحفِّظَ تلاميذه الشعر والقصائد ، ويشير إلى محتويات الدروس المقروءة مرات وكرات .
(9) إن القوة المميِّزَةَ في هذه السِّن تكون ضعيفةً . لا يستطيع الطفل أن يطلع على الفروق الدقيقة بين الأشياء ، نعم ، إنه يستطيع العثورَ على الفروق الظاهرة البارزة بينها ، مثل : الفروق بين صُور الأشياء المختلفة ، فلذا ، ينبغي أن يُلفَتَ نظرُه أولاً إلى هذه الفروق الظاهرة ، فعلى سبيل المثال ، توضع أمامه كرةٌ وشيئ ذُو جوانب ، ثم تُوضَّح له الفُرُوقُ بينهما كما يلي :
| الكرة | الشيئ ذو الجوانب |
| له سطح واحد | له عدة سطوح |
| ليست لها ناحية | لها عدة نواح |
| ليس له طرف | له عدة أطراف |
وبعد أن يتعلم هذه الفروق الظاهرة البارزة قوموا بعرض شكل آخر ، ووازنوا أمامه بين هذا الشكل وبين الكرة والشيئ ذي الجوانب ، على الانفراد ، مع الإشارة إلى الفروق الدقيقة بينها .
(10) ضعف القُوى العقلية : مثلاً ضعفُ الاستدلال والتصديق [1] . لا تتوقعوا من الطفل فهماً لم يتطور حتى الآن ، ويترقى فيما بعد بالعلم والتجربة . يجب جداً على الأستاذ مراعاة مراحل تطوُّرِ القُوى عند الطفل . ضعوا أمامه الشيئين العادِّيين ووضِّحوا له الفروق الكبيرة بينهما بالمقارنة ، حتى ينشأ فيه ملكةُ التصديق ؛ ولكن لاحظوا ، أنه لا يمكن التصديق بدون التصورات [2] . لأن التصديق نتيجة التصوُّرَين . والتصورات تتولد من موازنةِ شتَّى المُدرَكات ، فمثلاً بالموازنة بين أفراد كثيرة من النوع الإنساني نعرف أنه توجد بينهم صفة مشتركة ، وبناءً على هذه الصفة المشتركة نسمِّي الجميعَ باسمٍ يناسب لهم وينطبق على سائر أفرادهم . بهذا عرفنا ، أن لا نتوقع من الطفل لمثل هذه التصورات العميقة لأنه لا يستطيع إدراك المفاهيم المتفرعة عنها . ماذا يعرف الطفل الذي بلغ من العمر عاماً واحداً أن ” حب الوطن ” أيُّ حيوان ؟ يضع بعض المعلمين بين يديِ الطفل كتباً تبدأ – مثلاً – بصفات الباري جل وعلا ، ولكنهم لا يدركون أن ذات الباري – جل وعلا – عبارةٌ عن تصورٍ مجرَّدٍ لا يمكن تعقُّله إلا بعد الحصول على علمٍ جمٍّ وبلوغِ القُوى العقلية كمالهَا ، ولا يمكن للطفل بأي حال أن يتصور تجريد الذات عن الصفات . فتعليمه بمثل هذا الشيئ وإن كان حسناً لبعض الأسباب ، ولكنه ليس إلا تحميل الطفل أثقالاً غير مفيدة لذاكرته في ضوء الأصول العلمية .
(11) إن الخاصية الأخيرة في الطفل أنه لا يتأثر بالبواعث الأخلاقية أو يتأثر بها قليلاً جداً ، لأن التأثر بأمثال هذه البواعث وتطبيقها في الحياة العملية ، أمر يتطلب أعلى درجات التربية والتعليم . يجب على المعلمين منذ البدء أن يحاولوا إنشاء صلاحية ليتأثر الطفل بالبواعث الأخلاقية ، تدريبُ الطفل على الأخوة ، على سبيل المثال ، وأن يركزوا تركيزاً كاملاً ليراعي الطفل الترتيبَ الواجبَ الذي يتعلق بهذا الدرس ؛ لأن عادة الصلح والأمن لا تنشأ إلا بصغار الأمور وأمثالها . وأيضاً لِيُذكَر أن النفس الناطقة ليست مجموعةَ القوى ؛ بل هو في ذاته شيئ واحد لا يتجزأ وكل القوة منها ينحصر نشوءه على نشوء قوة أخرى . كما أن الأعضاء البدنية تنمو بالتوافق والانسجام ، فقوى النفس الناطقة أيضاً تنمو بمثل هذا التوافق والانسجام ؛ فإن الطريق الكامل للتعليم هو الذي يتيح فرصة التريض لسائر قوى النفس الناطقة على سواء . لتكن حركةً في كل قوة من النفس الناطقة مثل الإدراك ، والتخيل ، والتأثر والمشية . لأن هدف الطريق الكامل للتعليم أن تبلغ الكفاءات الخفية في النفس الناطقة مداها من النبوغ ، لا أن تجتمع المعلومات في الدماغ .
وقد اتضح من السطور أعلاه كم كان التفحص لمراحل تربية الطفل ضرورياً جداً . إن المعلمين في الحقيقة حراس القوم ، لأن في يدهم تربية الجيل القادم وفي قبضتهم ترقية مواهبهم لخدمة الوطن . إن اجتهاد المعلمين يفوق اجتهادات غيرهم ، وعطاؤهم فوق العطاءات ؛ ولكن لسوء الحظ لا تقدر مهنتهم حق قدرها في هذه الدولة . إن المعلم يتولى أصعب الواجبات وأهمها ، لأن مفتاح الحسنات الخُلقية والمدنية والدينية كلها بيده ، وهو منبع رقي الدولة بأسرها . فيجب على المشتغلين بمهنة التعليم أن يؤسسوا بنيان التعليم على أعلى المبادئ العلمية كما يليق بقدسية وعظمة هذه المهنة التي تتمخض ، بالطبع ، عن الحماسة الصادقة والهيام بثروة العلم . وقد خفيت في هذه الحماسة نضرةُ السياسة والتمدن – أي صحتهما – التي هي ذروة سنام الأقوام .
¨ طبع هذا المقال للعلامة محمد إقبال رحمه الله بادئ ذي بدء في مجلة ” مخزن ” عام 1902م ، وثانياً في المجلة نفسها في شهر أكتوبر عام 1917م . وبعدها طبع ضمن ” مقالات إقبال ” في مايو سنة 1963م بعناية السيد عبد الواحد المعيني .
* العلامة محمد اقبال ( 9 نوفمبر 1877 – 21 أبريل 1938م ) كان شاعراً وفيلسوفاً وسياسياً وأكاديمياً ومحامياً وباحثاً في الهند البريطانية . يطلق عليه ” الأب الروحي لباكستان ” . يعتبر من أهم الشخصيات في الأدب الأردي مع العمل الأدبي في الأردية والفارسية . توفي العلامة إقبال 1938م بعد ما اشتهر بشعره وفلسفته .
[1] ” التصديق ” مصلح علم المنطق وهو إدراك قضية والحكم بصدقها أو كذبها .
[2] التصور في علم المنطق هو إدراك الشيئ بالعبارات المفردة ، كإدراك المعنى المراد بلفظ الجسم ، والحجر ، والشجر ، والروح ، والكرم ، وإنسان ذي عيون ثلاث ، وأمثاله . وهذا الإدراك لا يصاحبه إثبات ولا نفي ، ولا يصاحبه إذعان ولا يقين ، أي أن التصور أو الإدراك لا يلزمه التصديق .

