48/ سنةً

الحسنُ بن الهَيثم – رائدُ البحثِ العلمي
يناير 9, 2023

في ظلال تربية الإمام العلامة أبي الحسن الندوي

( الحلقة العاشرة )

في مسيرة الحياة :

48/ سنةً

في ظلال تربية الإمام العلامة أبي الحسن الندوي

( الحلقة العاشرة )

بقلم : سعيد الأعظمي الندوي

تعريب : الأخ معصوم علي الندوي

إنشاء هيئة قانون الأحوال الشخصية لعموم الهند :

الحرب الهندية الباكستانية ، وتأسيس دولة بنجلاديش ، وتوتر الأوضاع ، وسيادة اليأس على القلوب ، والخوف من انتهاء الهوية الإسلامية ، والخطر من الاندماج في التيار الهندي الوثني ، كل هذه الأمور قوضت شخصية المسلمين في البلاد ، وبدأت تلعب دوراً سلبياً في تشوية مستقبل المسلمين الهنود ، وبدأ الساسة الانتهازيون استغلالهم وتملق الحزب الحاكم لتنازل المسلمين عن حقوقهم الدستورية ، وكانت هذه الفترة فترةً محرجةً لدرجة أنه لو لم يتم علاجها على عجل لجعلت المسلمين مواطنين من الدرجة الثانية إلى الأبد ، بلا صوت لهم ولا وزن ، ويكونون محرومين من حقوقهم .

وكان الوضع حرجاً للغاية ، وكان العلماء الغيارى يدركون الأمر وخطورته ويتفرسون فيه بوادر المستقبل المظلمة في هذه الديار النائية عن أصله ، فكان القلق طبيعياً ، وكان لا بد من إعداد خطة عمل يبعث الثقة في نفوس المسلمين ، ويعيد نور الإيمان المفقود إلى قلوبهم ، حتى يتعرفوا على أنفسهم كعنصر مهم لهذا البلاد ، وينكروا الأشياء التي تتعارض مع دينهم وعقيدتهم ومبادئ شريعتهم تعارضاً صريحاً ، ويرفضون قبولها بجراءة دينية وحماسة إيمانية ، ولا يشوبهم شائبة الشرك وعبادة الأصنام ، وإن كان المراد من الانضمام في التيار القومي معصية الله ورسوله فالفرار منه أولى ، وكذلك يعتبر المسلم رمزاً للعار والشنار فالابتعاد منه أحسن ، ورفض كل فكرة تتصادم مع دينه وهويته جزء من الإيمان والعقيدة .

في هذه الظروف الحرجة إذا لم يقرر العلماء إنشاء مجلس ينوب عن مسلمي الهند لذهب إيمانهم في تيارات الوثنية ، لأن الخطر لم يكن على إيمان رجل أو رجلين ، بل نجحت قوات الشرك في تنفيذ خطة تحتم على إعادة تاريخ الأندلس في هذه البلاد ، فيجبر المسلمون على ترك بلادهم واتخاذهم الوثنية ديناً جديداً لهم ، فكانت الأوضاع تحتاج إلى تغيير وانقلاب وبغاية من الدقة والصرامة والاحتياط ، وكان من الواجب إقامة وحدة دينية بين الفئات المختفية من المسلمين لصد المخططات الهدامة مثل القانون المدني الموحد ، على الرغم من أن العديد من المسلمين الانتهازيين أرادوا التغيير في إطار الشريعة ، وتحليل الهوية المسلمة التي ظلت شعاراً للإسلام والمسلمين منذ أربعة عشر قرناً ، وكانت أصوات الانضمام إلى التيار الوطني تتعالى ، وكان الوجود الإسلامي في خطر الذوبان مثل الثلج ، في مثل هذه الظروف نصر الله عباده المخلصين وعلماءه الربانيين ، وجعلهم يقومون بتضحية النفس والنفيس للحفاظ على قانون الأحوال الشخصية والأسرة المسلمة ، فكانت فراستهم تبدي مخططات الأعداء ومخاطرها ، مشاهدين مستقبل المسلمين في هذه البلاد ، فقامت جماعة بتوفيق الله سائلين الله عظمة الإسلام والمسلمين ، وكان فيمن تنبه لهذا الخطر وشعر بفداحته لأول مرة الشيخ المقرئ محمد طيب القاسمي ، والشيخ السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي ، والشيخ محمد منظور النعماني ، والشيخ منت الله الرحماني ، فاستشاروا في الأمر ، ووافق على ذلك العلماء من أعضاء المجلس الاستشاري الإسلامي والجماعة الإسلامية ، ودار العلوم ديوبند ، ومظاهر العلوم ، وندوة العلماء ، وتقرر أن يعقد اجتماع في هذا الموضوع في 27 – 28/ ديسمبر عام 1972م ببومبائي ، بعنوان : مؤتمر قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين . ويُدعى إليه جميع الممثلين من جميع الفئات والطبقات والفرق والجماعات من المسلمين ، وتقام بتعاونهم وتضامنهم جميعاً جبهة قوية منظمة ضد هذه الفتنة . وقد كتب الشيخ الندوي عن هذا بذكر السادة الفضلاء الذين شاركوا في المؤتمر :

” لم يكن يشاهد مثل هذا التمثيل الكامل للملة الإسلامية في الهند من قبل ، فمن بين المشاركين الشيخ برهان الحق الجبل فوري باحث وزعيم الفرقة البريلوية ، والشيخ السيد كلب عابد ممثل فرقة الشيعة ، والشيخ الطبيب نجم الهدى ممثل وكبير علماء طائفة بوهرا ، ومن أهل الحديث العديد من العلماء والقادة المؤثرين . وعقد اجتماع كبير في ساحة كبيرة لمدن بورا اسمها ( WMCA ) تجمع فيها حشد كبير من الناس يبلغ عددهم حوالي 100000 من الناس ، وألقى فيها العلماء خطابات فكريةً وعلميةً ، لقد تعاون مسلمو بومبائي بل جميع مسلمي ولاية مهاراشترا مع هذه القضية بحماسة كبيرة ، وقاموا بأداء واجبات المضيف بسخاء ، وتم إنشاء هيئة الأحوال الشخصية بالهند ، واتفق الأعضاء جميعاً على الشيخ المقرئ محمد طيب رئيس دار العلوم ديوبند ، ليكون لها رئيساً ، وانتخب الشيخ السيد منت الله الرحماني الأمين العام للهيئة ، وهكذا بدأت هذه المهمة المباركة التي كانت قضية موت وحياة للمسلمين ( من جهة دينية وشرعية ) ، ولا يزال هذا الصراع مستمراً .

ظهرت تقارير الاجتماع في المجلات والصحف بعد المؤتمر ، وهي تظهر أن هذا المؤتمر حصد نجاحاً باهراً ، حيث شاركت جميع المدارس الفكرية للمسلمين الهنود وممثلي جميع الجمعيات السياسية والدينية والثقافية في هذا المؤتمر ، وأعلن الناس جميعاً بأنهم يبذلون نفسهم ونفائسهم للحفاظ على الشريعة الإسلامية ، ولا يقصرون فيها أي تقصير ، وأن نفوسهم لله وفي الله . وكتبت الصحف بوضوح أنه لم يشهد في تاريخ السياسة الإسلامية في الهند مثل هذه الوحدة وهذا الحماس من ذي قبل .

وتم تشكيل هيئة تتكون من علماء شرعيين وخبراء قانونيين من أجل التطبيق العملي لقانون الأحوال الشخصية للمسلمين وبقائه واستقراره ، وانتخب رئيسه الأول الشيخ المقرئ محمد طيب بالإجماع ، والشيخ السيد منت الله الرحماني الأمين العام لها ، وأصبح الشيخ السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي رئيساً للهيئة بعد الشيخ المقرئ محمد الطيب وبقي رئيساً له مدى الحياة . والشيخ مجاهد الإسلام رحمه الله تولى منصب الرئيس بعد وفاة الشيخ الندوي ، وعلى الرغم من مرضه وضعفه ، خدم المجلس بشتى الطرق حتى أنفاسه الأخيرة ، وبعد وفاة الشيخ مجاهد الإسلام تم انتخاب سماحة الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي رئيساً للهيئة ، وهو يقود الأمة الهندية بحكمة وبصيرة ، ومن بين الأعضاء المميزين في جماعته ، كان الشيخ السيد خالد سيف الله الرحماني عضواً مهماً من حيث خبرته وعلمه وسعة نظره وإصابة رأيه ، ولا يزال في خدمة المجلس حتى اليوم مخلصاً لله تعالى ، وقد انتخب حديثاً الأمين العام للهيئة .

رحلة دعوية إلى أفغانستان وإيران ولبنان وسوريا :

على دعوة من معالي الشيخ صالح القزاز ( الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ، مكة المكرمة ) سافر وفد من الرابطة في قيادة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي إلى أفغانستان وإيران ، وذلك في الفترة ما بين 4/ يونيو 1973م – 20/ أغسطس 1973م ، وكان الوفد يتكون من الشيخ أحمد محمد جمال أستاذ جامعة الملك ، والشيخ عبد الله عباس الندوي بقيادة الشيخ الندوي ، زار الوفد خلال هذه المدة كثيراً من المدن ، ولقي مشائخها وعلماءها ، وألقى في الحفلات العامة والخاصة كلمات قيمةً ، ومكث في إيران عشرة أيام ، ثم ذهب إلى لبنان وسوريا والعراق ، ولقي كبير وزراء لبنان معالي الشيخ تقي الدين الصلح ، كما زار الشيخ المفتي أمين الحسيني وبعض أعضاء البرلمان ، وكانت إقامة الوفد في دمشق ثلاثة أو أربعة أيام ، ثم زار الوفد العراق ، وجامعة بغداد ، والمجمع العلمي العراقي ، والمجمع العلمي الكردي ، والمتحف العراقي ، وخطب الشيخ الندوي في جامع الشهداء بعد صلاة الجمعة ، وكانت خطبته تدور حول هذه الآية : ( لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) ، وكانت الأردن آخر بلاد في هذه الرحلة ، فلقي الشيخ الندوي رحمه الله الملك حسين ، وتبادل معه الأفكار ، وخطب هنا في بعض المناسبات حول : مشاكل الشباب المسلم وحلولها .

أولى الرحلات للشيخ الندوي إلى الإمارات :

لقي الشيخ عبد الله علي المحمود في مكة المكرمة الإمام الندوي في موسم الحج ، والتمس منه أن يزور دولة الإمارات ، فلبى الإمام الندوي رحمه الله هذه الدعوة ، وسافر إلى الإمارات ، وكان معه الأستاذ محمد واضح رشيد الحسني الندوي ، وكاتب هذه السطور ، فاستقبلنا على مطار دبي الشيخ عبد الله علي المحمود وبعض رفاقه ، وكانت إقامتنا في منطقة خان في فندق كبير ، وبعد قليل زار الإمام الندوي حاكم الشارقة الدكتور الشيخ سلطان محمد القاسمي وأبدى سروره على هذه الزيارة ، وكان الفندق على ساحل البحر ، فكانت الأمواج تتلاطم بالساحل ، فسألني الإمام الندوي عنه ، فقلت : لعل هذا الصوت لأمواج البحر ، فقال : لا ، إن البحر يسبح لله تعالى ، قال تعالى : ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ ) .

وفي اليوم التالي كانت محاضرة الإمام الندوي في مسجد علي بن أبي طالب بالشارقة ، وكان موضوع المحاضرة : خليج بين الإسلام والمسلمين ، وكانت محاضرته الثانية في مكتبة كمال حمزة حول : كيف دخل العرب التاريخ ، ثم سافر الإمام الندوي في عام 1976م إلى الإمارات على دعوة من الديوان الأميري ، ورافقته أنا والأستاذ محمد واضح رشيد الحسني الندوي ، كما جاء الشيخ عبد الله عباس الندوي من مكة المكرمة ، وكان الشيخ تقي الدين الندوي مرافقاً للإمام الندوي في هذه الرحلة .