وشهد شاهد من أهلها
مايو 24, 2026مرحباً بربيع الإيمان والقرآن
مايو 24, 2026الافتتاحية : بسم الله الرحمن الرحيم
واقع الإسراء والمعراج
توطيد لدعائم التوحيد والإيمان
كان واقع المعراج الذي خص الله به سيدنا ونبينا محمداً دون سائر الأنبياء والمرسلين ( عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين ) آخر آية للسمو البشري الذي امتازت به أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ورمزاً واضحاً إلى الصلة المباشرة القوية التي تربط العبد مع المعبود في كل حاجة ولدى كل دافع ، وفي جميع التطلعات والتساؤلات والمشكلات والأزمات ، فبينما كانت الديانات الأخرى والمذاهب المطردة قبل مجيئ النبي صلى الله عليه وسلم تحرم الإنسان أن يتصل بربه في أشواقه وحوائجه ، إلا بواسطة الكهنة أو رجال الدين الذين كانوا يعتبرون الشخصية المرضية ، عند الله دون العامة ، إذا بالإسلام جاء ، فهدم جميع هذه الاعتبارات الواهية والحواجز المصطنعة ، وأعلن أنه لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ، ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى ، كلكم من آدم وآدم خلق من تراب ، وهناك عاد الإنسان ولم يعد بينه وبين ربه واسطة ، ولم يعد بحاجة إلى رجال الدين أو السماسرة الذين كانوا يتصيدون الناس ويتوسطون بينهم وبين الله تعالى في أمورهم وضروراتهم ، ثم غالباً كانوا يأخذون منهم ثمناً غالياً لهذا التوسط والسمسرة .
لقد كانت هذه المصيبة عامةً في عهد هؤلاء المحترفين بالدين والمتاجرين باسم الله تعالى ، وما كان أحد يظن أن الاتصال بالله تبارك وتعالى والتناجي معه ، وبث الأشواق والأحزان ومد يد السؤال إليه يمكن من غير واسطة ، بل إن الله تعالى قد أقام سماسرة ، لكي يتقرب إليه الإنسان عن طريقهم ويطلب منه حاجاته بواسطتهم ، فإذا ما أنجزت حوائجهم وتم ما كانوا يريدون من فرج وعافية وجب أن يتقاضى أولئك ما بدا لهم من أموال وأعراض .
ولكن الله تعالى أراد أن يزيل هذا الظن الخاطئ والفهم الزائغ عن طريق نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بدعائه إليه وتقريبه إلى جلالته ، بحيث لا يكون بينه وبينه أي واسطة ، وإنما يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بما يطلع عليه الناس ، ويعرفون أن الله ليس بينه وبين عبده حاجز ، بل الصلة مباشرة ، والدعاء مسموع ، والمناجاة مسموحة والابتهال مطلوب ، وأن الله أقرب إليه من حبل الوريد ، وقال وهو يخاطب نبيه في هذا الشأن : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) [ البقرة ، الآية : 186 ] .
دحض واقع المعراج جميع تلك النظريات الباطلة التي كانت تفرض بين الله تعالى وبين عبده واسطةً ، وكانت تتخذ هذا الافتراص الخاطئ ذريعةً للاحتراف والتكسب والتجارة الخبيثة ، وأثبت أن الله مع كل عبد ، وفي كل دعاء وثناء وتضرع وابتهال ، وهو أسرع إلى استجابة دعوات العباد في كل وقت ، ما دامت مراعيةً لآدابها ومخلصةً في غاياتها ، وصادقةً في طلباتها .
وصل النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج إلى سدرة المنتهى حيث رأى ما رأى ، ونال ما نال من الشرف والكرامة . . وكل ذلك في سبيل إسعاد أمته ، ورفع معنويتها ، وتعظيم شأنها ، ومن هنالك انتهت خرافة الوساطة ، بين العبد والرب تبارك وتعالى : تلك التي كانت شائعةً قبله ، وعامةً في أوساط الناس السابقة .
ومن هنالك ” توطدت نظرية التوحيد ” وتلاشت وسائل الشرك والانحراف ، وعرف الناس أن ربهم أقرب إليهم يسمع ويرى ، ويقضي ويستجيب ، ولا راد لما قضاه ، ولا مانع عما أعطاه ، ولا معطي لما منعه .
وكلما ضعفت الصلة بين العبد والرب ، راجت ألوان من الشرك وأنواع من الخرافات والبدع ، وأقبل الناس على اتخاذ الوسائط ، فمنهم من يقبل على القبور والأموات ، ويجعلهم ذريعة لإشباع نهمته ، ومنهم من يلتجئ إلى عمليات ” العاملين المحترفين ” ، ومن يقدم النذور والقرابين باسم ولي أو نبي ، ويزعم أن ذلك يتكفل بقضاء مآربه ، ويحقق غاياته .
وتلك هي الناحية الشيطانية المشركة التي نالت قبولاً وإعجاباً في الأمم السابقة ، ولعبت الأهواء بعقول الناس من جرائها ، وهي التي تؤدي إلى الشرك الجلي ، وتجلب غضب الله تعالى .
وتلك هي التي أراد الله سبحانه وتعالى أن يقضي عليها بمثال عملي واضح فأرسل إلى نبيه وأسري به ، ثم عرج به إلى السماوات العلى وإلى سدرة المنتهى ، فأوحى إليه ما أوحى ، وصدق الله العظيم ، حيث قال : ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَوَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى . عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السَّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) [ النجم : 8 – 18 ] ، إن هذا الحدث التاريخي العظيم الذي لا ينساه التاريخ البشري على طول مداه إنما يوحي إلينا أسرار الله البالغة في الكون والإنسان ، ويشير إلى عبر ومواعظ تملأ القلوب رهبةً ورغبةً ، وتشحن النفوس بعجائب قدرة الله التي أودعها في نفس الإنسان ، وبما أكرمه الله تعالى به من مكانة الخطاب القدسي ، ومنصب الخلافة الإلهية .
إن هذا الحدث التاريخي العظيم ليس إلا انطلاق الإنسانية من حضيض المادة والشهوات إلى أوج الروحانية وسمو النفس ، والتحرر من قيود الحدود والثغور المصطنعة للاتصال بذات الله ، والخروج من عبادة غير الله للالتجاء إلى حظيرة الله ، والتخلص من إسار الشيطان إلى كنف الرحمن . إن لفلسطين صلة ماسة بذكرى الإسراء ، وإن النكبة التي احتلت بها لم تعد خافيةً على العالم الأقصى والأدنى ، وهي لا تزال تعاني من الاحتلال الصهيوني ، والاستعمار اليهودي ألواناً وأنواعاً من العذاب والاضطهاد ، والظلم والوحشية ، ويذوق أهلها الآن من التنكيل والتشريد على يد الشرذمة اليهودية ما لا حد له ولا نهاية ، ويتألم العالم الإسلامي كله بهذه المأساة ويبكي دماً ، وينتظر ذلك البطل العصامي الذي ينقذ أهل هذه الأرض المقدسة من ظلم الأفاقين ، وجور الشذاذ من حثالة البشر .
إن هذا البطل العصامي كامن في جماعة المؤمنين أولي الأيدي والأبصار ، وموجود في وطننا الإسلامي ، ولكنه ينتظر أمر ربه بالجهاد ، ويترقب صوت النفير وساعة الصفر ، حتى إذا نادى منادي الجهاد وثب إلى ساحة القتال ، وتعارك مع العدو القاعد بالمرصاد ، ولم ينته من المعركة مالم يطرد العدو الغادر ، وأنقذ الأرض السليبة ، وحرر الشعب المضطهد ، وأقام حكم الله تعالى ، وبسط العدل والأمن في الأرواح الخائفة ، والقلوب المضطربة ، والنفوس القلقة .
إن فلسطين تنادي أولئك الأبطال المغامرين والمؤمنين المخلصين الذين يحررونها من وطأة اليهودية الرجسة ، ويطهرونها من الأراذل النجسة ، وينقذون أهلها من عذاب الحصار والتدمير، وخنق النفوس والأرواح من غير تبرير ، إن فلسطين الجريحة المنكوبة تنادينا ، فهل من مجيب ؟؟
والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .
سعيد الأعظمي الندوي
29/6/1447هـ
22/12/2025م

