إلى المستوى العالي للحياة !

الطريق الواضح نحو الإيمان والعمل !
فبراير 7, 2022
الأمة الوسط ، ومسئولية الشهادة !
أبريل 20, 2022
الطريق الواضح نحو الإيمان والعمل !
فبراير 7, 2022
الأمة الوسط ، ومسئولية الشهادة !
أبريل 20, 2022

الافتتاحية :           بسم الله الرحمن الرحيم

إلى المستوى العالي للحياة !

هناك محاولات على المستوى العالمي للعودة بأفضل خلق الله تعالى إلى أرذله ، وتغيير مستواه العقلي إلى أحط منزلة ، قد يكون فيها الأنعام أرفع مكانة بالنسبة إلى الإنسان الذي خلقه الله سبحانه في هذا العالم ، لكي يكون نموذجاً عالياً بين خلق الله تعالى ونعمه الكثيرة ، في مجال الخلق والأمر ، ولقد كانت الملائكة في هذا المجال واقفين لاستماع كل أمر وإنجازه ، بغاية من الإتقان ، في كل حين وآن ، ولم تكن هناك حاجة إلى زيادة من خلق البشر ، والخلع عليه بنعمة الخلافة الأرضية ، وعرض نماذج للامتثال والخضوع أمام كل أمر ، مما يتعلق بالحياة والكائنات ، فلما أبدى الله تعالى قصده لخلق الإنسان كخليفة له في الأرض ، أنكر ذلك الملائكة المقربون ، وأبدوا آراءهم حول طبيعة هذا الخلق الجديد بغاية من الكراهية التي يعيشها هذا الخلق الأرضي من الفساد وسفك الدماء في العالم ، وإيجاد قلق واضطراب في العالم  البشري ، وقد تحدث عن ذلك الله سبحانه وتعالى إلى الملائكة بغاية من الوضوح ، فقال للملائكة : إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ، فلنقرأ الآيات حول الموضوع :

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ         ( سورة البقرة : 30 ) .

ولما كان العالم البشري محفوفاً بجميع ما تحتاج إليه الحياة الإنسانية ، علّم الله تعالى آدم عليه السلام أسماء كل ما يحتاج إليه لقضاء أيام الحياة في العالم المادي ، وربّاه تربيةً للعيش في عالم المادة التي لا يستغني عنها في حياته الأرضية بأجمعها ، ولتأكيد الموضوع في نفوس الملائكة وصدهم عن الإنكار لما أراده الله تعالى من عمارة الأرض بالإنسان ، عرض الله سبحانه أسماء جميع ما يحتاج إليه البشر في العالم المادي ، وعرضها على الملائكة ، فقال : أَنْبِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ   صَادِقِينَ . قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ . قَالَ يَاآدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( البقرة : 31 – 33 ) .

أليس هذا الحديث المتبادل بين الله سبحانه وتعالى عن الملائكة الساكنين في السماء ، وآدم عليه السلام أساساً لبني آدم وإقامتهم في الأرض ، لكي يعمروها بالحياة الصالحة والعبادة لله تعالى ، فكان وجود آدم عليه السلام في هذه الأرض لإبلاغ رسالة الله تعالى حول الوحدانية والعبادة وتعريفها بين بني آدم ، ومن هنالك كان وجود آدم عليه السلام في العالم الأرضي من خلال حكمة إلهية عظيمة ، لبناء البرامج الاتصالية بين الإنسان وربه العظيم الجليل في السماوات والأرض وما بينهما من خلق ذي أرواح وذي آيات ربانية عظيمة ، أعدّها الله سبحانه وتعالى لتثبيت الأرض في مقرها ، فلولاها لكانت الأرض متحركةً وغير ثابتة في مقرها ، ولكان الخلق الكائن فيها متزعزعاً غير مستقر ، في المكان الذي اختاره الله تعالى لبقاء العالم الأرضي ثابتاً غير متزلزل ، وعائشاً فيه ، ولا سيما الإنسان في وحدة الخلق والهدف ، ذلك لكي يركز قواه العملية والعقلية كلها في التوجه إلى الله تعالى ، والتركيز على عبادته في كل شيئ ، وفي كل حين .

فكان ذلك هو الغرض الأصيل للخلق والأمر ، وإلا لم يكن هناك نفع عالمي في خلق السماوات والأرض ، فلولا هذا السرّ في خلقهما وتفويض المسئوليات على السواء بين الخلقين لكانت كفايةً في خلق السماوات وإعمارها بالملائكة المقربين المشتغلين بالذكر والطاعة وإعداد أنفسهم للامتثال والعبادة في كل حين ، إلا أن الله تعالى خلق كلاً من سكان السماء وعامري الأرض ، لئلا يختل الاتزان ، ويتوافر للإنسان في الأرض ما لم يتوافر للملائكة في السماء ، ذاك أن الإنسان في عالمه البشري الذي يعيش فيه يتمكن من وضع طاقاته العلمية والنفسية والصناعية في اختراع ألوان من الصناعات المادية واستخدامها في تنمية العلم والتقنية ، وإيجاد أيد قوية بارعة في بعث ثورة صناعية كبيرة ، لم يكن الإنسان قد حلُم بها في تاريخه القديم .

إننا نلاحظ هذه الحقائق بأم أعيننا مع تقدم الزمان وتوافر أسباب الرقي العلمي والحضاري ، في عالمنا المعاش من غير توقف ، ولا سيما عصرنا الحاضر الذي يتميز بالتقدم في عالم العلوم والتقنية ، ويشتغل فيه علماء الحضارة في إيجاد كل جديد في جميع المجالات الحيوية    والمعاشية ، وإن كانت هناك طوائف من المجرمين ممن يقومون بأعمال إجرامية خبيثة ، تبعث في النفوس روح اليأس والنفور في التقدم الصناعي والعلمي ، وإنقاذ المجتمع البشري من بؤرة اليأس ، وينادون بالتوقف في إحراز الرقي في مجالات بشرية ، والتقدم في الأفكار العلمية والصناعية ، الذي أصبح اليوم من الالتزامات المعاصرة التي لا غناء عنها .

ولكن هناك معوقات كثيرة لتوقيف النشاط الحضاري والعلمي في المجتمع الإنساني اليوم ، ذاك أن جيلاً إنسانياً نشأ اليوم على أنواع من الجرائم الخلقية والانتهازات المغرضة ، فكلما سنحت للناس فرص مواتية في أداء واجب الشرع والحق انتهزوها ، ولم يتلكأوا فيها مهما كانت الظروف ، وكانت الرقابات القومية والقانونية تحول دون ذلك من غير تأخير ، لعل الواقع الذي يسبب ذلك هو الإهمال في التربية ، والإغفال عن إيجاد جو من العلم الصحيح الصالح الذي يرفع قيمة الحياة ، ويعمق روح الجد والصدق والأمانة في الحياة الاجتماعية في كل من الداخل    والخارج ، ولكي يعيش الإنسان في هذا العالم البشري في صدق وأمانة وطاعة لله والرسول صلى الله عليه وسلم يفتقر إلى دراسة تعاليم الكتاب والسنة والعمل بهما في كل زمان ومكان ، فذلك هو ما شرحه الله تعالى في كتابه العظيم وبيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأعماله ، وذلك ما نشأ عليه صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والأجيال التي اتبعت بهم في ضوء الكتاب والسنة ، فكانوا هداةً للعالم أجمع ، وقادةً لجميع الشعوب والقبائل التي سارت وراء هم في جميع ما أمرهم الله به ، وقلدتهم في كل ما شاهدوه من طرائق الحياة وإرشادات وُجهت إليهم من تعاليم الكتاب والسنة ، التي عمل بها أتباع الرسول صلى الله عليه   وسلم ، والمسلمون جميعاً ممن ساروا سيرهم ، وتابعوا آثارهم في جميع شئون الدين والدنيا ، وأصبحوا نموذجاً ، تعارفوا به في جميع مناحي الحياة : يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( الحجرات : 13 ) .

ولكن رغم هذا التبشير الذي يحتوي على آخر هذه الآية الكريمة أصبح الناس بعيدين عن مستوى التبشير ، وقد تذلقوا إلى آخر قعر من الوهن والغفلة ، ولم تعد لهم تلك المكانة العالية ، التي كانوا أعزةً مكرمين من خلالها ، وكانوا قادةً للعالم ، وهداةً للشعوب والقبائل ، ونموذجاً بين بني آدم في هذه الدنيا التي تجمعت فيها جميع أنواع الخلق والأمر ، وعاش فيها المسلمون كمادة عالية من هذه الأنواع والمستويات ، قال تعالى : قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِنُ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( الحجرات : 17 ) .

ومن ثم كان الطريق النير الواضح المبين للجنس البشري ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والذي رفع شأنهم خالق الأرض والسماء إنما هو الإسلام الحقيقي وحده الذي هدى الناس إلى الطريق الحقيقي للسعادة والنجاح في الدنيا والآخرة ، فما أجدرهم بأن يتمسكوا بهذه النعمة ، التي لا تساويها نعمة ، ويلتزموا بجميع مناحيها بالإيمان الخالص للذهاب إلى المستوى العالي للحياة ، قال الله تعالى وهو يخاطب نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم : قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ . قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ . لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ ( الأنعام : 161 –  163 ) .

سعيد الأعظمي الندوي

8/6/1443هـ

12/1/2022م