جائحة كورونا وانعكاساتها السلبية والإيجابية على المجتمع

تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ
مارس 1, 2020
دعوها ، فإنها منتنة
يوليو 21, 2020

صور وأوضاع :

جائحة كورونا

وانعكاساتها السلبية والإيجابية على المجتمع

محمد فرمان الندوي

أكبر تحد بعد الحرب العالمية :

انتشر فيروس كورونا المستجد في العالم كله ، وقفزت الإصابات دول العالم ، وشكلت صورة مرض عالمي ، فظهرت على مسرح العالم كتحد كبير بعد الحرب العالمية ، كما أفاد بذلك الأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غويترس ، يشعر بفداحتها جميع سكان الأرض ، وقد عجزت الدول الأكثر تطوراً واختراعاً في مكافحة جائحة كورنا ، أمثال الصين ، وإيطاليا ، والولايات المتحدة الأمريكية ، فتعطلت الشوارع ، وفُرض الحظر على الجمعات والصلاة بالجماعة في المساجد ، فأُغلقت المساجد والمعابد والكنايس ، وأُقفلت المتاجر والمقاهي والمسارح ، كما قد تم إغلاق دور السينماهات ، حتى إن أمريكا خفضت سعر المنافع الربوية ، وكل ذلك ذعراً من الفيروس غير المرئي  الذي يصيب الجسم الإنساني من غير  شعور ، فيلقى الإنسان حتفه بين عشية وضحاها .

إنذار من الله أم حكمة بيولوجية :

كلما حدث حادث انقسم الناس إلى فئات وأحزاب : فئة تعتبره إنذاراً من الله تعالى ، وتنبيهاً على ما اقترفه العباد من ذنوب وسيئات ، وذلك لقوله تعالى : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ( الشورى : 30 ) ، وفئة تقول : إنه امتحان من الله لعباده المخلصين ، قال الله تعالى : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  ( الأنبياء : 35 ) ، وفئة تقوم بتأويل مادي ، وتربط سببه بظاهرة كونية ، تتقلب حيناً لآخر ، فإذا حدثت زلازل وقلاقل في الأرض نسبتها إلى اسراتيجية بيولوجية ، وإذا كان المد البحري قد ارتفع وتزايد أرجعوه إلى نصاب مادي ، ولا يدور بخلدهم أن الله عزو جل وراء هذه الخوارق كلها ، لا تقطر قطرة ، ولا تهبّ ذرة، ولا تسقط ورقة إلا بإذنه ، فكيف بهذه الأوبئة والأمراض التي تهلك الحرث والنسل ؟ فالمؤمن الغيور القائم على حدود الله لا يركن إلى هذا وذاك ، بل يقرأ قول الله تعالى : وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( السجدة : 21)، وقد شرحت المجاميع الحديثية أن العذاب الأدنى يظهر في صورة أشراط الساعة ، سواءً كانت الصغرى أو الكبرى ، فمن علامات القيامة الصغرى : بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته ، وشرب الخمر علناً وجهاراً ، وشيوع الزنا والخسف والمسخ والقذف ، والفتنة العمياء الصماء وغيرها، ومن العلامات الكبرى : خروج المسيح الدجال ، وابن صياد ، ونزول عيسى عليه السلام ، وقتل الخنازير وخروج يأجوج ومأجوج ، وطلوع الشمس من المغرب وغيرها .

إن دراسة التاريخ الماضي وكشف الأوضاع المعاصرة يبيّن لنا أن بعض أشراط الساعة الصغرى قد وقعت ، وقد أشار المحدثون العظام  إلى أن  الإيمان بالغيب يقوى ويزداد من التأمل في هذه الأشراط ، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم قد أخبر بذلك قبل أكثر من أربعة عشر قرناً ، وهي تتحقق رويداً رويداً أمام أعيننا ، فتطمئن القلوب وتنشرح الصدور ، والغاية الثانية لمجرد بيان هذه العلامات تعبئة النفوس على إطاعة الله تعالى ، وتزويدها بالأعمال الصالحة يوم القيامة ، يوم لا ينفع مال ولا  بنون ، وحينما يكثر ذكر هذه العلامات فإن النفوس الأمارة بالسوء تنال ردعاً عن السيئات ، وتستيقظ القلوب النائمة في سبات الغفلة واللامبالاة .

فحذار أن تنسب ..يا ترى . هذه العلامات إلى ظواهر كونية ، ونواميس فطرية ، تتقلب وفق مشيئة الله تعالى ، بل إنها إنذار وتنبيه من الله تعالى ، ليرجع الناس إلى الله ، ويقلعوا عن معاصيهم ، قبل أن يغرغروا ، فلات حين مناص .  قال الله تعالى : يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَانِهَا خَيْراً ( الأنعام : 158 ) .

جائحة كورونا والحجر الصحي ( Quarantine ) :

استولت فظائع فيروس كورونا المستجد على الصغار والكبار ، والبنات والنساء ، وعلى الأمراء والفقراء ،  فتباعد الناس بعضهم عن بعض تباعداً اجتماعياً ( Social Distancing ) ، حتى عزلوا أنفسهم في البيوت ، فلا يخرجون منها ، ولا يصلون إلا  فيها ، والذين أصبيوا بشيئ من هذا المرض وُضعوا في الحجر الصحي ( Quarantine ) من المستشفيات ، وكل ذلك تحت رعاية طبية ، ويُنادىَ على مختلف المستويات : الزموا البيوت ، وإلا تسري إليكم جائحة كورونا المستجد ، وقد احتد النقاش وجرت حرب كلامية بين أمريكا والصين ، فصدرت تقارير وأبحاث متناقضة من كلا الجانبين ، فالناس بين مؤيد ومعارض ومنكر ومعترف ، على كل ، فإن الفترة التي يمر بها الناس على مستوى العالم ينتج عنها آثار من السلبيات والإيجابيات :

آثار سلبية لفيروس كورونا :

فأما السلبيات فهي في عدة نقاط :

  1. تعطلت النشاطات الإنسانية ، بل وفي تعبير آخر : الحياة الإنسانية ، انحصر الناس في البيوت والشقق والمهاجع، فلا يكادون يخرجون منها ، رغم رغبات شديدة وميول ملحة .
  2. خسر الاقتصاد العالمي خسارةً فادحةً ، حتى إن المصارف العالمية والبنوك الدولية بدأت تشكو هذه الأزمة الاقتصادية . وإذا اتسعت هذه الفترة – لا قدر الله – فيعم القحط والجدب وتنتشر المجاعات ، وقد أفادت الأنباء أن نسبة البطالة في أمريكا كانت مليونين خلال شهر فبراير عام 2020م ، لكن ازدادت نسبتها في ظرف عشرين يوماً ( إلى 21/ مارس ) ثلاثة ملايين .
  3. ألغيت الجمعات في المساجد ، والصلوات بالجماعات ، فيكون الإعلان من منارات المساجد في بعض البلدان : ألا صلوا في رحالكم ، بدلاً من : حي على الصلاة . وقد صلى الناس صلاة العيد في البيوت .
  4. لا يختص هذا الإلغاء بمساجد المسلمين فحسب ، بل يشمل المعابد والكنايس والصوامع والبيع لجميع الديانات . حتى إن اجتماعاً دينياً أو دنيوياً لا يسمح بعقده على أرض الواقع .
  5. من سلبيات هذا الوباء أن فكرة الإسلامفوبيا بدأت تتقوى جذورها في الشعوب المعادية للإسلام ، فكل من كان ناطقاً بكلمة الشهادة ينسب إليه هذا المرض ، كأنه هو السبب الرئيسي في انتشاره في المجتمع ، هذه الكذبة الصريحة تذكرنا بأن فرعون وملأه في الزمن القديم كلما وقعت مصيبة أو نزلت نازلة نسبوها إلى سيدنا موسى عليه السلام وقومه ، وإذا نالوا رحمةً أو نعمةً قالوا : هذا من عندنا ، قال الله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـٰذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَلاۤ إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ( الأعراف : 130 – 131 ) ، رغم أن الشؤم والطيرة لا تأثير له في أي مجتمع إنساني ، فضلاً عن الإسلام ، الذي يرفض هذه العقيدة الجاهلية ، كما روت السيدة عائشة رضي الله عنها : أن الناس يعتقدون أن الشؤم في الفرس والمرأة والدار ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأجاب : إن كان الشؤم في شيئ فيوجد في هذه الأشياء ، لكن لا يوجد في شيئ فليس في هذه ( صحيح البخاري : 5094 ) .

آثار إيجابية :

انعكست آثار إيجابية لهذه الجائحة على المجتمع الإنساني ، وهي تتلخص في أمور :

  1. إن فيروساً صغيراً غير مرئي أقض مضاجع العالم وأقلق باله ، حتى عجزت القوى الكبرى رغم تقدم صناعتها وتطوراتها الباهرة للعيون عن معالجتها ، والوصول إلى لقاح ( Vaccine ) يزيل تداعيات المرض من الجسم ، فالضمير الإنساني ينادي بأعلى صوته : إن هناك قوة خارقة ، وهي قوة رب العالمين ، قيوم السماوات والأرضين ، خالق البشر من الطين ، ومالك يوم الدين ، فإنه أهلك بعض الجبابرة والقياصرة في الماضي أمثال نمرود ملك بابل ( في العراق ) بالبعوضة ، وقد هلك حتى الآن بسبب كورونا أكثر من مأة ألف في الولايات المتحدة رغم تطوراتها الطبية الهائلة ، وأما عدد المصابين به فيفوق الحسبان ، ووقت كتابة هذه السطور  وصلت في إيطاليا التي تعتبر في الدرجة الأولى في الطب ومعالجة الأمراض، ضحية هذا المرض إلى سبعة عشر ألفاً ، وفي أسبانيا أحد عشر ألفاً ، وفي فرنسا خمسة آلاف . وقس على ذلك الدول الأخرى من الدول المتطورة والعالم الثالث . وقد تاب الناس إلى الله تعالى ، وخشعت قلوبهم ولهجت ألسنتهم بذكر الله ، لاسيما في شهر رمضان المبارك
  2. ازداد الاهتمام بالنظافة والطهارة في كل جنس من الذكر والأنثى ، فالناس على سبيل الاحتياط يغسلون الأيدي والوجوه بالصابونات والمواد السائلة ، حتى أخذت بهذا العمل بعض الجمعيات والمنظمات المحلية والقومية ، ففي أيدي بعض المتطوعين علبة المواد السائلة ، والكمامات والأقنعة الواقية ، وقايةً من نتائج هذا المرض المتفشي . وقد ركز الإسلام في مبادئ تعاليمه على الطهارة والنظافة . بلسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : الطهارة شطر الإيمان ( رواه مسلم ) وقال تعالى : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ ( البقرة : 222 ) .
  3. تم الإغلاق الكامل ( Lockdown ) في بعض الدول ، فاضطرت الطبقات المحتاجة إلى التسول والكدية ، لكن الأثرياء من العالم الإسلامي ، وأصحاب الخير في كل دولة ملأوا هذا الفراغ بإنفاق أموالهم في سبيل الله تعالى ، من دون تمييز بين مسلم ، وهندوسي ، ونصراني وبوذي وجيني وسيخ وغير ذلك . فلا يزال ملائكة الله تعالى يدعون لهؤلاء المخلصين : اللهم أعط منفقاً خلفاً ، وأعط ممسكاً تلفاً . ( متفق عليه ) .
  4. ومن المبشرات أن دور السينما والملاهي والملذات ، وحانات الدعارة قد أُقفلت ، فخفضت نسبة رغبات الناس في المعاصي ، وعاد جو التوبة والعبادة إلى بيوت المسلمين ، فهي ليست مقابر ، بل تحولت إلى مساجد ، حتى بدأ الناس يحيون عامة الليالي كما يحيون شهر رمضان بالقيام والذكر والدعاء والتضرع إلى الله تعالى – وانقطع الناس إلى الله تعالى – ولا شك أن التوجه الكامل إلى الله تعالى يكشف الأزمة والغمة ، ويزيد من القوة والهمة .

عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم :

هذه بعض انعكاسات فيروس كورونا السلبية والإيجابية ، فالمسلمون متفائلون بكل أمر وقع في أي مكان ، وليسوا متشائمين أو متكاسلين ، وهم يؤمنون بقول الله تعالى إيماناً صادقاً : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ، وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ( البقرة :    216 ) ويقول الله : فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ، فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين  (المائدة : 52)