الانتصار والفتح لأهل الحق وحملة الرسالة العالمية الخالدة

البعث الإسلامي في عامها السبعين
ديسمبر 11, 2023
البعث الإسلامي في عامها السبعين
ديسمبر 11, 2023

الافتتاحية :                بسم الله الرحمن الرحيم

الانتصار والفتح لأهل الحق

وحملة الرسالة العالمية الخالدة

قضية فلسطين من القضايا العالمية التي شغلت أذهان الناس رجالاً وشعوباً ، وأمةً وأفراداً ، وقد رأت هذه القضية كثيراً من المنعطفات والوهاد والنجاد التي سجلها التاريخ الإنساني في ذاكرته ، وينتمي المسلمون إلى أرض فلسطين جسدياً وروحياً ، ولهم ذكريات تاريخية لن ينسوها أبد الدهر ، كما أن هناك طوائف وجماعات تدعي بالنسبة إليها ، وليس لهم من الدلائل إلا كنسج العنكبوت ، وقد سكن المسلمون العرب أول من سكنوا في هذه المنطقة ، وعمروها بخيرات وبركات كثيرة ، وأخيراً أسري بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى المعراج ، وصلى بالأنبياء هنا ، وتوجه إلى المسجد الأقصى المسلمون نحو سبعة عشر شهراً ، ثم كان فتح هذه المنطقة صلحاً في زمن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقد ذكر الله تعالى هذه الأرض في كثير من الآيات القرآنية ، قال تعالى : ( سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ ) [ الإسراء : 1 ] .

الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لم تكن عفواً أو ارتجالياً ، إنما كانت بتقدير دقيق من الله العزيز الحكيم ، فكلما قارب في شهر رجب موعد الليلة السابعة والعشرين تتمثل أمامنا قصة الإسراء والمعراج ، التي كانت فارقةً بين أسطورة الوساطة بين الله والعبد ، والاتصال المباشر بين العبد والمعبود ، وكانت هذه الرحلة تؤكد لنا قيادة هذه الأمة للعالم والوصاية عليه ، فقد كان في رحلة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى فلسطين إشارةً إلى هذا الجانب المهم ، وإيماءً إلى هذا الجانب أن دور الأمم الماضية قد انتهت ومضت ، ولم يبق لهم عين ولا أثر من الخلافة على الأرض ، بما أنهم قد أساءوا إلى الأنبياء والرسل الذين بُعثوا إليهم ، وخرقوا قوانين الله وشرائع الدين علناً وجهاراً ، ولم يعبأوا بأقل واجب نحو ما أمرهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في زمنه ، فثار غضب الله عليهم ، ولُعنوا على لسان أنبيائهم ، وجُعلوا قردةً وخنازير وعبدة الطاغوت إلى يوم القيامة ، إلا بحبل من الله ، فإن الله هو الذي يهدي إلى الصراط المستقيم .

إن القدس تحمل في تاريخ الإسلام والمسلمين أهميةً بالغةً ، ولولا أن للقدس تاريخاً مقدساً منذ خمسة آلاف سنة ، وتكون قد مرت عليها عصور كثيرة ، سكن خلال ذلك واستوطنها أمم وشعوب متعددة الأسماء والانتماءات ، ولولا ذلك التاريخ المقدس لها لما كانت للقدس تلك القدسية التي تمت لها في العهد المكي ، حيث شهدت القدس زيارة النبي صلى الله عليه وسلم بمناسبة الإسراء ليلاً ، وهو الذي يتلخص في نعم جسيمة وآلاء جليلة من الله ، وهي أن كل من قال كلمة لا إله إلا الله فهو دخل الجنة ، والصلوات الخمس في كل يوم وليلة ، والآيتان الأخيرتان من سورة البقرة ، ولما تولى الخلافة الإسلامية الخليفة الراشد الثاني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل مدينة القدس في العام الخامس عشر الهجري ، ( عام 636م ، أو 638م ) على اختلاف القول ، وذلك بعد انتصار الجيش الإسلامي بقيادة الصحابي الجليل أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ، وكان البطريرك صفرونيوس قد سلّم مفتاح المدينة بنفسه إلى الخليفة الثاني ، واتفق على ذلك بكتابة العهدة العمرية ، الوثيقة التي منحت الخليفة الإسلامي الحرية والاستقلال الديني الإسلامي ، وغيّر اسم المدينة من إيلياء إلى القدس ، وقد نصت الوثيقة العمرية أن لا يساكنهم أحد من اليهود .

فظلت القدس منذ ذلك الوقت مدينةً إسلاميةً مقدسةً ، وأخذت طابعها الإسلامي الذي اهتم به الناس كثيراً ، في العهد الأموي ، طول بقاء الخلافة في أيدي الأمويين إلى مدة تقارب تسعين عاماً ، ولكنها في الخلاقة العباسية شهدت نهضة حضارية وعلمية في مجالات متعددة ، فقد وفق الخليفة عبد الملك بن مروان إلى بناء مسجد عُرف بجامع قبة الصخرة في الفترة ما بين ( 682 – 691م ) ،وبعد ذلك بنحو ثمانية عشر عاماً أعيد بناء المسجد الأقصى بإدخال تحسينات معمارية فيه ، رحب بها المسلمون في كل مكان ، وقد حكم المسلمون فيها إلى أكثر من خمسة قرون ، لكن القدس المقدسة استولى عليها الصليبيون في عام 1099م مع نهاية القرن الحادي عشر الميلادي ، نتيجة الصراعات التي قامت بين السلاجقة والفاطميين ، فتمكن الصليبيون من دخول القدس ، وانتهاك المقدسات الإسلامية فيها ، وقتل سبعين ألف مسلم ، الواقع الذي سجَّله التاريخ الإسلامي بمداد أسود من الظلم ، الذي لا يعدله ظلم في تاريخ القدس يوم ذاك .

وقد قيّض الله الملك العادل صلاح الدين الأيوبي ، وذلك في 1187م ، بعد ما كسب الفوز في معركة حطين ، فدخلها وعامل أهلها معاملة العدل والخلق الجميل ، واستطاع أن يزيل الصليب عن قبة الصخرة ، وأن يقوم بتحصين المدينة ويهتم بعمارتها ، وكانت مدينة القدس في الخلافة العثمانية ضمن فلسطين في الحكم ، وقد اهتم بذلك السلطان سليمان القانوني ، ورغم مرور أدوار وتغييرات ساسية طارئة في الحكم العثماني بقيت مدينة القدس تحت أيدي العثمانيين ، حتى الحرب العالمية الأولى ، ثم في القرن العشرين الميلادي احتلتها بريطانيا عام 1917م ، وظلت القضية شائكةً ملتهبةً حتى قامت دُويلة إسرائيل على أرض فلسطين ، وسميت الدولة المزعومة بدولة إسرائيل ، وكان رئيس وزرائها الأول بن غوريون ، الذي أعلن بكل وقاحة بكون القدس الغربية عاصمةً لإسرائيل ، ومنذ ذلك الوقت نشبت الصراعات الفلسطينية اليهودية ، وعاش المسلمون الفلسطينيون بين فكي الرحى : العدو الإسرائيلي والعدو الأمريكي ، ولما حدثت كارثة العالم العربي في عام 1967م ، خسر المسلمون العرب خسارةً كبيرةً ، يقول الإمام الندوي رحمه الله في مقال له بعد هذه الكارثة :

” أصبح المسلمون في ( 29 من صفر 1387هـ من الهجرة ، 9 حزيران 1967م ) في كل بقعة من بقاع الأرض التي يسكنونها ، لا يرفعون رؤوسهم حياءً ، ولا يواجهون مواطنيهم وجيرانهم في الشوارع والطرقات والمحافل ، ذلةً ومهانةً قد خننقتهم العبرات ، فهم يغالبونها ، وجثمت إسرائيل على مراكز هامة استراتيجية من بلادهم العربية المقدسة ، واستولت على مدن في أرضهم ……. وأدهى من كل ذلك وأمرّ أن اليهود قد استولوا على القبلة الأولى ، وثالث الحرمين الشريفين ، المسجد الأقصى المبارك ، الذي كان منه الإسراء ، وكان ذلك لأول مرة منذ ألفي سنة باعتراف ربيهم الأكبر ، وكان أول يوم لم يصل فيه المسلمون الجمعة في المسجد الأقصى منذ ثمانية قرون بعد استعادة صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين ، فكانت هذه الجمعة يوماً مشئوماً ، لم يعرف المسلمون في أنحاء العالم يوماً أشأم منه منذ قرون ، ففي كل عين دمعة ، وفي كل صوت حزن وشجى ، وفي كل بيت حداد ومأتم ، في كل مجلس عزاء ورثاء ” ( المسلمون وقضية فلسطين : 45 ) ، ثم تفاءل الإمام الندوي بعنوان : العاقبة للعرب والمسلمين : وهو يقول : ” وما ثبت في التاريخ الإنساني من أن الشعوب والأمم إنما تحيى بالرسالات التي تحتضنها ، والغايات الكريمة التي تدعو إليها ، والفضائل التي تكافح في سبيلها ، وما تحمل من إفادة ونافعية وغناء للجميع ، وما نبه عليه القرآن الحكيم : ( فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ ) [ الرعد : 17 ] ….. ثم يقول : إن كل ذلك يحتم أن اليهود الذين يتحدون الحقائق والطبايع والسنن والقوانين والغايات الكريمة التي خلق الله لها هذا الكون لا يمتعون بفترة طويلة من السيادة والسيطرة والغلبة والقوة ، ولا يمكنون من تحقيق جميع آمالهم وأحلامهم ومشاريعهم ومخططاتهم الهادمة المدمرة ، وسينتصر أهل الحق وحملة الرسالة العالمية الخالدة ، التي تعطف على الإنسانية كلها ، وتساوي بين الشعوب والأمم ، وتنتصر للحق أينما كان ، وتحارب الظلم أينما وجد ، يعيشون للإنسانية وبالإنسانية ، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً ” ( المصدر نفسه ) .

إن طوفان الأقصى الذي تقوده حركة حماس خلال هذه الآونة ، والذي تنشر أنباؤه في الصحف والمجلات ومواقع التواصل الاجتماعي ضد مظالم واضطهادات إسرائيل من أكثر من خمس وسبعين سنة ظل مأثرةً كبيرةً في صفحات التاريخ ، وهذا الطوفان وإن استشهد فيه آلاف من المواطنين الفلسطينيين ، وأسفر عن آلاف من الجرحى ، ولحق بغزة من الخسارة الظاهرة من تدمير البيوت والمستشفيات والمدارس والمساجد والشوارع ، لكنه خيَّب آمال إسرائيل التي كانت تحلم بالسيطرة على الأرض المقدسة بكاملها وتطبيع العلاقات مع الدول المجاورة الأخرى ، ولم تتحقق آمالها ، وسيخيب في مستقبل عاجل بإذن الله بخسارات تلو خسارات ، ويومئد يفرح المؤمنون بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ    [ الروم : 5 ] .

والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي

15/جمادى الأولى/1445هـ

30/نوفمبر/2023م