(5) ذكر جميل ومؤجز تاريخ مديرية فورنية
سبتمبر 4, 2021

قراءة في كتاب :

من قضايا الفكر الإسلامي : الغزو الفكري

للأستاذ السيد محمد واضح رشيد الندوي

الأخ أبو سعد الأعظمي *

ألف هذا الكتاب المهم ” من قضايا الفكر الإسلامي : الغزو الفكري ” الأستاذ السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي رحمه الله  ( رئيس الشئون التعليمية السابق لندوة العلماء ورئيس التحرير السابق لصحيفة ” الرائد ” ) ، وهو شخصية كبيرة معروفة في الأوساط العلمية والأدبية في الهند وخارجها .

هذا الكتاب يتضمن مقالات ومحاضرات ألقاها الأستاذ محمد واضح رشيد الحسني الندوي أمام طلاب المعهد العالي للدعوة والفكر الإسلامي بجامعة ندوة العلماء ، وقدم فيها استعراضاً للغزو الفكري ، وتناول جوانبه المختلفة وأبعاده الخطيرة التي لا تتطرق إليها الأذهان عامةً ، كما أشار إليه الأستاذ في مقدمته قائلاً : ” وهذا الكتاب مجموعة المقالات التي أُلقيت في هذا المعهد قبل أكثر من عشرين سنةً وقد أُلقي الضوء فيها على تاريخ أوربا ونهضتها والأفكار والحركات التي نشأت فيها والنظم السياسية كالرأسمالية ، فهي بمثابة دروس أُلقيت على طلبة المعهد ليكونوا على معرفة باختصار بأفكار أوربا والمؤامرات الأوربية للسيطرة على الفكر والنظام السياسي في العالم الإسلامي ” [1] .

يتضمن هذا الكتاب خمسة فصول منسقة مما يسلط الضوء على محاولته لمعالجة الموضوع معالجةً شاملةً متكاملةً ، بدأ الفصل الأول ببيان معنى الغزو الفكري وتاريخه ووسائله ، فيقول الأستاذ واضح رشيد الحسني الندوي : ” الغزو الفكري تعبير حديث يستخدم مقابل الغزو العسكري ، والفارق بينهما يكمن في الوسائل ، لا في الهدف ، الهدف هو الاستيلاء والهيمنة والسيطرة ، فلأجل ذلك يجري عمل الغزو . . . وفي الغزو الفكري يستهدف الغازي الاستيلاء على الأذهان وتفكير سكان بلد من البلدان ” [2] . وتحدث الكاتب الكريم عن أوربا قبل نهضتها الحديثة ، ثم ثورتها على الدين والقيم وحركة الإصلاح والعداء بين العلم والكنيسة :  ” كانت أوربا كلها في ذلك العهد ( في القرن السابع الميلادي إلى ما بعد القرن العاشر ) غاصةً بالغابات الكثيفة ، متأخرةً في زراعتها وتنبعث من المستنقعات روائح قافلة تجتاح الناس وتحصدهم . . . كان القرن العاشر من أصعب فترات التاريخ في أوربا ، فقد كان يجري فيها صراع شديد بين رجال العلم والكنيسة ، فواجه كثير من العلماء محناً وشدائد لموقف الكنيسة المعادي للعلم وخضوع الحكومات المسيحية لأحكامها فأعدم عدد منهم بتهمة الكفر ” [3] . وختم هذا الفصل بدراسة وضع أوربا بعد النهضة ونشأة فكرة غزو العالم الإسلامي . وخصص الفصل الثاني لدراسة موضوع الحضارة الغربية المعاصرة وعناصرها الأساسية مما توارثته من فلسفات وتيارات يونانية ورومانية ومن ثقافات وأفكار يهودية ونصرانية ومحرفة ، بل ومن جوانب مادية بحتة وأبعاد دنيوية محضة من الحضارة الإسلامية اقتبسها أوربا خلال نهضة المسلمين في الأندلس ومصر وتركيا ، وعرض الفلاسفة الذين ساهموا في تكوين الحضارة الحديثة وحددوا اتجاهاتها من أمثال ميكافلي وفرانسيس بيكن وريني ديكارت وإسحاق نيوتن ودارون فريد وسارتر وكارل ماركس وغيرهم .

وقام في الفصل الثالث بتسليط الضوء على موضوع غزو أوربا للعالم الإسلامي ، ووسائل هذا الغزو من التغريب والاستعمار والاستشراق والتبشير ، وأسهب في بيان الاستشراق وأنواعه وكبار المستشرقين لإدراكه مع خطورة الاستشراق ، فإنه يخاطب الطبقات المثقفة من أبناء المسلمين والتي تتولى أزمة القيادة والتوجيه في بلاد العالم الإسلامي وكانت نتائجه وآثاره عميقة في العقيدة ومصادر هذا الدين وسيرة نبيه صلى الله عليه وسلم وحياة أزواجه وأصحابه والتاريخ الإسلامي والعلوم الإسلامية . كما إنه سلط الضوء بالتفصيل على الأهداف الدينية للاستشراق ، من أهمها وأبرزها هي :

  1. التشكيك في صحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم والزعم بأن الحديث النبوي ، إنما هو من عمل المسلمين خلال القرون الثلاثة الأولى .
  2. التشكيك في حجة القرآن الكريم والطعن فيه .
  3. التقليل من قيمة الفقه الإسلامي واعتبار الفقه الروماني مصدراً له .
  4. النيل من اللغة العربية واستبعاد قدرتها على مواكبة العصر .
  5. التلاعب بالأحاديث ، والاعتماد على الأحاديث الضعيفة لدعم آرائهم .
  6. إضعاف روح الإخاء بين المسلمين وتزوير تاريخهم وتفسيره .
  7. تشويه الإسلام وحجب محاسنه عن الشعوب المسيحية .
  8. بث الشكوك والشبهات في التعاليم الإسلامية ومصادرها كالقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والسيرة وحياة الصحابة وقطع صلتهم القلبية بهم .
  9. إبراز الشخصيات التي انحرفت عن تعاليم الإسلام والشريعة في الأدب والسياسة والتصوف .
  10. تقسيم المسلمين في فئات متحاربة بإبراز النزاعات الفكرية بينهم .

والمصادر التي استفاد منها الأستاذ محمد واضح رشيد الحسني الندوي في إعداد هذا الفصل يحيط جميع أهم المصادر والمراجع التي لا بد من الرجوع إليها للباحث الذي يريد البحث في هذا الموضوع ، كما إنه أنصف بالمستشرقين المنصفين الذين بذلوا المجهود العلمي الخالص غير حاقدين ومعاندين ، فذكر خدماتهم العلمية ، وأبرز ما كان لهم من إسهامات في تحقيق المخطوطات وإحياء التراث الإسلامي القديم وفي إعداد مفهرسات الأحاديث النبويةوالمعاجم اللغوية وغيرها .

وعُني في الفصل الرابع بمناقشة الأفكار والنظريات الغربية التي أثرت في العالم الإسلامي من العلمانية والاشتركية والارتقاء والتطور والتحديات التي تواجه الفكر الإسلامي من طريق الدعوة إلى القومية والوطنية وإثارة العصبية وإعلاء الأجناس . وأسهب في دراسة هذه الأفكار والنظريات وما تحمل في طيها من مزاعم باطلة ودسائس حاقدة مع الإشارة إلى أعلام هذه النظريات . يقول في موضع : ” من أنواع الأفكار الغربية التي أثرت على العالم الإسلامي وكانت ناتجةً عن الظروف الخاصة التي مرت بها أوربا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر القومية والوطنية . وكان مصدر تصور الوطنية فرنسا التي قامت بها الثورة في أواخر القرن التاسع عشر ، وكانت هذه الثورة ضد سلطة الدين والنظام الوراثي ، فوجهت فيها الدعوة إلى حرية الفرد ، ومنح كل مواطن حقه الشرعي ، وإزالة التمييز على أساس الطبقة والعقيدة ” [4] .

وختم الكتاب بالفصل الخامس الذي يتحدث عن الفكر الإسلامي في العصر الحديث ونشأته وعن الصحوة الإسلامية وتباشيرها والوسائل التي استخدمها المفكرون المسلمون للتحرر من آثار الفلسفات والأفكار الغربية عن الإسلام والتيارات المنحرفة عن صراطه المستقيم والتصورات المشوهة لوجهه الزكي المستنير ، فإن تحديات الفكر الإسلامي المعاصرة لا تقل ضراوة عن التحديات السابقة بل تتفوق عليها . وفي الواقع هذا الفصل كان في الإنجليزية ، ألفه الكاتبة الإسلامية الشهيرة مريم جميلة ، فترجمه الأستاذ الندوي إلى العربية بأسلوب رائع حيث لا يوجد فيه أثر الترجمة .

ومما يمتاز به الكتاب هو معالجة الموضوعات في شمول واعتدال وتوازن وعدل وإنصاف ، وفي ثنايا الكتاب يطلع القارئ على الاعتراف بفضل أولئك المستشرقين الذين درسوا الإسلام وعلومه من منطلق إسلامي نزيه وخدموا كتب التراث العربي والإسلامي من جوانب عديدة كما يتضمن الكتاب تقدير المؤلف للجوانب الإيجابية في الحضارة الغربية فمثلاً يقول : ” . . . رفعت الحضارة الحديثة من قوة الارتباط والوفاق ، فيتمتع الفرد في المجتمع بشرف كرامة وطمأنينة وضمانات في ظل نظم وقوانين لحقوق الإنسان ، وانشأت وكالات تراقب عليها وتنظمها . . . ولا شك أنها جوانب النفع في الحضارة المعاصر ة ومكاسبها وتستحق أن يشاد بها ” [5] .

وصدق ما قال الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي في هذا الكتاب : ” من خلال مطالعة هذا الكتاب يطلع القراء الكرام على الوجه الكالح للحضارة الغربية والدسائس والمخططات الأوربية الرامية لضرب الإسلام والمسلمين ، كما يعرفون الغزو الفكري الغربي ووسائله والأفكار والنظريات والمنظمات والحركات الغربية ، ويجدون حلولاً للقضايا والمشاكل التي تعاني منها الأمة الإسلامية وطريق معالجتها ومنهج مواجهة الأفكار والنظريات والأيديولوجيات الغربية عن الحياة ” [6] .

* باحث في قسم اللغة العربية ، جامعة على كره الإسلامية ( الهند ) .

[1] المصدر السابق ، ص 11 .

[2] المصدر السابق ، ص 30 .

[3] المصدر السابق ، ص 36 – 42 .

[4] محمد واضح رشيد الندوي ، الغزو الفكري ، ص 122 .

[5] محمد واضح رشيد الحسني الندوي ، من قضايا الفكر الإسلامي : الغزو الفكري ، ص 62 .

[6] محمد واضح رشيد الندوي ، من قضايا الفكر الإسلامي : الغزو الفكري ، ص 17 .