الشيخ محمد طلحة الكاندهلوي : شخصية ربانية

الشاعر المجاهد علي الغاياتي
يناير 1, 2020
البروفيسور فؤاد سيزكين : شخصية موسوعية
مارس 1, 2020
الشاعر المجاهد علي الغاياتي
يناير 1, 2020
البروفيسور فؤاد سيزكين : شخصية موسوعية
مارس 1, 2020

الشيخ محمد طلحة الكاندهلوي : شخصية ربانية

بقلم : العلامة الشيخ السيد محمد الرابع الحسني الندوي

تعريب : محمد فرمان الندوي

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد بن عبد الله الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى من تبعهم بإحسان ودعا بدعوتهم إلى يوم الدين ، وبعد :

فإن المناطق التي تمتد من دهلي إلى سهارنفور ، والتي تقع بين النهرين من شمالي الهند : ” كنكا وجمنا ” تُغطي عاصمة الهند دهلي والمدن المجاورة لها ، وهي مناطق رئيسة ومتوسطة ، يسكنها رجال من كل الشرايح الإنسانية ، وقد تجلت خصائص هذه المدن ومواهبها في مسلمي هذه المناطق إلى حد كبير . فإن نظرةً عامةً على الإمام الدهلوي وأنجاله الكرام وتلامذته البارزين الذين يعتبرون من سلفنا الصالح تكشف لنا أنه قد نبغ في هذه المناطق علماء عباقرة وأصحاب العلم والفضل ، ممن قاموا بإعداد أجيال صالحة بتوجيهاتهم الدينية ونصائحهم الغالية أمثال الشيخ الإمام محمد قاسم النانوتوي ، والشيخ محمود حسن الديوبندي والشيخ محمد إلياس الكاندهلوي وابن أخيه الشيخ المحدث محمد زكريا الكاندهلوي والشيخ الرباني عبد القادر الرائى فوري ، والشيخ محمد أشرف علي التهانوي والشيخ رشيد أحمد الغنغوهي والعلماء الآخرين رحمهم الله جميعاً .

وفي هذه السلسلة الذهبية الشيخ محمد طلحة الكاندهلوي نجل العلامة المحدث الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى في 10/ من شهر ذي الحجة الحرام 1440هـ ، المصادف 12/ من شهر أغسطس 2019م ، فقدناه عن عمر يناهز 80/ عاماً ، لكن يخيَّل إلينا أنه قليل بالنسبة إلى فداحة حادثته ، عاش رحمه الله تعالى في تربية والده الجليل الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي ، كما ربى والدَه الجليل أستاذه الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي رحمه الله تعالى ، وكان جده للأم الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي ، والشيخ محمد يوسف الكاندهلوي خالاً نسبياً له ، ومن قرابة أخرى كان زوج أخته رحمها الله تعالى ، فاستفاد من مركز الدعوة والإصلاح بمنطقة نظام الدين    بدهلي ، ومدرسة مظاهر العلوم بسهارنفور ورجالهما ، ويقرب من هذا المركز مركز التربية الروحية برائى فور ، الذي كان يرأسه العالم الرباني الشيخ عبد القادر الرائى فوري ويحضره الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي والشيخ محمد زكريا الكاندهلوي ، فنال الشيخ محمد طلحة عنايةً خاصةً منه ، ولم يبلغ من عمره إلا الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة حتى بايع على يد الشيخ عبد القادر الرائى فوري مع عدة أفراد من أسرته عام 1960م ، وهم الشيخ محمد هارون الكاندهلوي والشيخ اجتباء الحسن الكاندهلوي والشيخ زبير الحسن الكاندهلوي ، وكان قد أوصى الشيخ الرائى فوري وقت مبايعتهم بأن يستشيروا في كل الأمور من آبائهم ، فاستفاد الشيخ محمد طلحة من والده العظيم رحمه الله ، أما آباء البقية الثلاثة فهم الشيخ محمد يوسف الكاندهلوي والشيخ احتشام الحسن الكاندهلوي والشيخ إنعام الحسن الكاندهلوي ، فإن أبناءهم استفادوا من آبائهم هذه التربية الروحية .

وُلد الشيخ محمد طلحة رحمه الله تعالى 1360هـ المصادف   1940م ، وحينما بلغ الرابعة من عمره توفي جده للأم الشيخ محمد إلياس الكاندهلوي ، بعد أن حظي بما قُدر له من شفقته ودعائه ، وسعد كاتب هذه السطور بقضاء شهر أو شهرين تحت إشراف الشيخ المحدث محمد زكريا الكاندهلوي عام 1946م ، وكان عمر الشيخ محمد طلحة آنذاك ست سنوات ، فرأيته عن كثب ، وقد توافرت لي كذلك مناسبات اللقاء في مركز الدعوة والإصلاح بمركز نظام الدين دهلي ، وسهارنفور ورائى فور مرات كثيرةً ، فرأيت الشيخ محمد طلحة ، وكان والده رحمه الله تعالى يتمنى أن يكون مثالياً ونموذجاً للآخرين ، وخلفاً رشيداً له ، لأنه كان ابناً وحيداً له ، فكان يشدِّد عليه  في أمور الدين ، ولا يصبر على أدنى تساهل في هذا الشأن ، ولا يحب أن يتنعم في  العيش ، ويتلذذ بالطعام والشراب ، فأنشأ ذلك في قلبه صفة الزهد والقناعة التي استمرت إلى آخر لحظة من حياته . ورغم أنه كان يحمل نسبةً رفيعةً في الولاية ، إلا أنه كان يؤثر حياة التواضع وهضم النفس .

ومن صفاته  البارزة احترام العلاقات القديمة ، فمن اتصل وارتبط به واصل معه علاقته ، وقد أحكم علاقات والده رحمه الله مع    أصحابه ، حتى واصل علاقاته مع الرجال الذين كانوا يقومون بطباعة مؤلفاته وكتبه ، وقد نقل  عدد من  أساتذة دار العلوم لندوة العلماء  بعض رسائل والده ، وبقي بعضها ، فكلف الأستاذ عبد الرشيد الندوي  ( أستاذ الحديث الشريف بدار العلوم لندوة العلماء ) لنقلها إلى العربية ، وقام بنشرها من  المكتبة اليحيوية بسهارنفور .

أنشأ هذه المكتبة جده العظيم الشيخ محمد يحيي الكاندهلوي زمن تدريسه في مدرسة مظاهر العلوم ، وكانت تهدف إلى أن تكون وسيلةً مؤثرةً لنشر تعاليم الإسلام ، وحينما طبع كتاب ” بهشتي زيور ”    ( حلية الجنة ) للإمام أشرف علي التهانوي ساهم مساهمةً كبيرةً في توسعة نطاق  استفادته بوجه خاص ، حتى اشتراه عدد كبير من الناس ، والذين لم يشتروا وفر لهم هذا الكتاب مستعاراً ، أو أهداه إليهم ، هكذا كان دأبه في نشر الكتب الدينية والمؤلفات الإسلامية ، كما  أبرز تراث شيخه الشيخ رشيد أحمد الغنغوهي ، فقام بتدوينه ونشره ، وسار على هذا الدرب نجله الشيخ المحدث محمد زكريا الكاندهلوي رحمه الله تعالى ، واقتفاءً بأثره ساهم في هذا المجال تلامذته وأتباعه ، ولا سيما الشيخ محمد طلحة الكاندهلوي الذي خاض في هذا العمل غير مبال بالمنافع الدنيوية ، إيماناً واحتساباً ، وفي آخر أيام حياته أسند هذه المسئولية ومسئولية تربية الناس إلى شخصية كبيرة في أسرته وزوج أخته الشيخ السيد محمد سلمان المظاهري ، فظل الشيخ سلمان يراقب أموره الدينية والتربوية في أيام مرضه ، وبعد وفاته استقل بهذه المسئولية ، وقد صلى عليه صلاة الجنازة الشيخ السيد محمد أرشد المدني ( رئيس جمعية علماء الهند ) ، ودُفن في جنب جده الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي .

رحمه الله رحمةً واسعةً ، وأغدق عليه شآبيب رحمته .

 

( وكان سعيد الأعظمي في طليعة هؤلاء الأساتذة الذين قاموا بتعريف وطبع مؤلفاته الكبرى ، بأمر من شيخنا الإمام الشيخ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي .

وكان أول كتاب للعلامة الكاندهلوي الذي قام بنقله إلى خط عربي من الخط الفارسي وتوزيع مشتملاته بالمقطوعات السهلة ، وهو كتاب ( أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك ) ثم كتاب ( الأبواب والتراجم لصحيح البخاري ) وكتاب حجة الوداع وجزء عمرات النبي صلى الله عليه وسلم ) وخمسة مجلدات للكتاب ( بذل المجهود في حل سنن أبي داود ) لشيخه العلامة خليل أحمد سهارنفوري ، وترجمة باللغة العربية من مجموعة فضائل الأعمال ( أسباب سعادة المسلمين وشقائهم ) بمقدمة للعلامة الشيخ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي .

وكل ذلك بغاية من التحقيق والتقطيع في مطبعة ندوة العلماء الصغيرة التي كانت قد أُنشئت لطبع مجلة البعث الإسلامي في حجم صغير ، وأحمد الله سبحانه وتعالى على أنه وفقه لهذه الأعمال الطباعية والتصحيحية بدعاء من العلامة الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي والعلامة الإمام الشيخ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي .

وبعد هذه الأعمال تُرجمت بعض رسائله الأردوية إلى العربية بواسطة بعض الأساتذة البارعين ، وكان الأخ الأستاذ عبد الرشيد في آخرهم ترجم بعض رسائله إلى العربية . ) [ التحرير ] .