مسئولية المسلمين في العالم اليوم !

أهمية ” القلم ” في حياة الإنسان !
مايو 3, 2021
ندوة العلماء في مرآة التاريخ !
يوليو 13, 2021

الافتتاحية :            بسم الله الرحمن الرحيم

مسئولية المسلمين في العالم اليوم !

كلنا يعرف أن هذا العالم البشري إنما زينه الله سبحانه بوجود الإنسان ، فلولاه لما كان هناك أي وجود لهذا العالم الذي نعيش فيه اليوم ، لقد كان خلق آدم عليه السلام وزوجه ، قراراً إلهياً للخلق والأمر ، ومن ثم نشأ العالم واتسع بخلائق كثيرة لمجرد تقوية العالم الإنساني الذي أكرمه الله سبحانه بالعقل المميز والشكل الإنساني الجميل الذي لم يبلغه أي كائن من الكائنات التي عمرتها ساحة الأرض بوجه عام ، فكان الإنسان هو الخلق المميز ذا العقل والتمييز بين الخير والشر ، ولو لا هذا السر الذي أراد الله سبحانه من خلق الكائن البشري لما بعث من عباده من الأنبياء والرسل وهداة صالحين ، يهتدي بهم الناس في أمور المعروف والمنكر ، وما يحبه الله تعالى منهم وما لا يرضاه في أي حال ( يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) .

إن هذا الغرض الرئيسي من الورع والتقى لا يتحقق إلا بعباده الذين بعثهم هداةً صالحين ورسلاً مبشرين ، وميّزهم بنماذج إنسانية ذات مكانة عالية ، وفي كل بيئة ومجتمع إنساني حتى بلغ عددهم آلافاً مؤلفةً ممن قاموا بأداء أمانة الرشد والهداية في حدود البيئة الإنسانية التي أرسلوا إليها وعاشوا فيها بالرسالة التي حملوها من الله تعالى بطريق الوحي ، وأمروا أتباعهم بعبادة الله تعالى وحده ليس غير ، ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ ) .

وقد حدث فراغ كبير في الفترات التي كانت تترى فيها جماعات من المرسلين في بقاع من عمران الأرض وخاصةً في العهد الجاهلي الذي سبق بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ، وهي أطول فترة امتدت إلى ستة قرون عاش فيها الناس حسب الأهواء كيفما شاؤا ، ومن ثم أراد الله سبحانه أن يتيح للإنسان فرصةً أخيرةً تمتد إلى يوم الساعة ، فأرسل خاتم النبيين رسولنا العظيم محمداً صلى الله عليه وسلم في أكرم بقعة وأمثل أسرة في الجزيرة العربية وفي مكة المكرمة بالذات ، وأعلن مدوياً مجلجلاً على المستوى العالمي : ( يا أَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً  مُّنِيراً ) ، وقال تعالى في سورة الجمعة من كتابه العظيم : ( هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ) .

ومن هنا تغير الوضع البشري وتزايدت المعارضات ضد هذه الثورة السماوية التي كانت الفرصة الإلهية الأخيرة لمعرفة الإنسان قيمته الطبيعية التي وضعها الله تعالى فيه ، منذ أن أعلن بغاية من الوضوح والصراحة إعلاناً حتمياً لكمال الدين وتمام نعمته ووضع الختم الأخير على الإسلام الذي رضيه الله تعالى ديناً خالداً دائماً وشريعةً مستمرةً لبناء الوجود الإنساني في حصنه الحصين ، الذي إذا حاول الخروج منه أحيط بما يغاير الطبيعة وبما لا يرضاه تعالى أبداً وفي أي حال من الأحوال ، وهو الكفر الذي ابتلى به الكافرون بالإشراك بالله تعالى عدداً هائلاً من الأصنام والأوثان حتى أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعلان الواضح بين بني البشر في سورة الكافرون التي تدل دلالةً جليةً وإعلاناً صارخاً عن التوحيد والإشراك ، الواقعُ الذي عاشه المسلمون وانحاز به الكافرون ، وجاء فيما رواه أنس رضي الله عنه : أنها تعدل ثلث القرآن ، وقال ابن عباس رضي الله عنه : ليس في القرآن أشد غيظاً لإبليس منها ، لأنها توحيد وبراءة من الشرك .

ومن ثم كان البون شاسعاً بين أهل التوحيد وأهل الإشراك ، وأن الله تعالى يحب عباده الموحدين المخلصين ويبغض المشركين إبغاضاً ، فيقول : ( إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ) .

من هناك كان أبغض شيئ عند الله تعالى الإشراك بالله في أي لمحة أو في شيئ أو في أي حال من الأحوال ، ومن خلال هذه الأبعاد التي تقطع صلة الإنسان بالله تعالى الذي خلقه في أحسن تقويم ، ولكن الشقة تتباعد بين الإيمان والشرك ، ولولا البعثة المحمدية لما تطهرت الكعبة المشرفة التي بناها الله سبحانه بواسطة عباده المخلصين ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث في البيئة المليئة والمتلوثة بعبادة الأصنام والأحجار التي كانت تملأ بيت الله تعالى الذي تبناه الله وأمر ببنائه لكي يمثل التوحيد وعبادة الله تعالى وحده ، إلا أن المدة الطويلة التي خلت من دعاة التوحيد وأصبح الجو صالحاً للشيطان اللعين الذي كان قد أقسم وعزم على أن يصبغ بلد الله تعالى مكة المكرمة بألوان وأنواع من الإشراك ومحو عقيدة التوحيد من حياة الناس بتاتاً .

وقد نشط أصحاب إبليس اليوم على جميع المستويات في كل مكان ودخلوا مراكز التوحيد والدعوة إلى دين الله الأخير ، وسيطروا على قلوب الناس من كل نوع حتى تحققت غلبتهم على القلوب المؤمنة وعلى شرذمة من أهل العلم والدين ، حيث إن كثيراً منا لا يكاد يطلع على المكايد التي تنسج خطوطها في كثير من خفاء وسرية فيقع فريسةً لتلك المكايد والخفايا التي تأكل جذور الحياة التي يبيتونها ويتأكدون أنهم لا يعيشون إلا لله ولدينه وشريعته ونشر تعاليم نبيه صلى الله عليه وسلم ، وما هي إلا غفلة عن الفكرة الحقيقية التي أُكرمت بها قلة قليلة في بدء الإسلام ، فإذا وازنا ذلك الأساس الديني الذي كان يبدو أنه سينهدم قريباً بالكثرة الكاثرة التي تبلغ البلايين من المنتمين إلى الإسلام اليوم أدركنا أن ذلك الأساس كان نابعاً من الإيمان الحقيقي الذي أسسه الله سبحانه في أعماق القلوب المؤمنة ذات عدد من الأصابع .

وقد تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بإذن من ربه تعالى إلى هذه الحقيقة التي كثرت اليوم من غير روح إيمانية حقيقية ، فأشار إليها في أحاديثه الصريحة الواضحة وأخبرنا بتغيير المنكر الذي ألفه كثير من الناس ، فضلاً عن أن يحاولوا تغييره سواء باللسان أو باليد ، فإن لم يستطيعوا فبالقلب ، ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) ، وقال : ( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من  عنده ، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ) .

إن الحياة التي نعيشها نحن المسلمين اليوم لا تُشبه حياة السلف الصالح في شيئ ، بل ينقصها شيئ كثير ما يقتضيه إسلامنا وتفرضه علينا شريعتنا التي أكرمنا بها الله تعالى عن طريق نبيه خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد صدق علينا ما قد تنبأ به صلى الله عليه وسلم فقال : ( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ، فقال قائل : أو من قلة نحن يومئذ ، قال : بل أنتم يومئذ كثير ، ولكنكم غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله تعالى من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن ، فقال قائل : يا رسول الله ! وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت ) .

أين نحن اليوم من اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقليد أسوته ، وأين نحن من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بالشريعة ودراسة الإسلام والعمل به في ضوء سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأين نحن اليوم من تمثيل الخلق العظيم الذي مثله رسولنا العظيم بصفة مستمرة دائمة ، ولذلك فإننا كدعاة إلى دين الله تعالى وممثلين للدين الأخير ، وكمشتغلين بدراسة الكون والحياة والإنسان ، مسئولون عن إعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي والعودة بالإنسان مهما كان ، إلى وظيفته الطبيعية ومركزه الأصيل وتوطيد صلته بخالق هذا الكون الهائل الذي لا يقدر أحد أن يتصور السعة والكمال وتمام النعمة على جميع الكائنات مهما كان عظيماً ومنفرداً بذاته ، حتى نكون من المؤمنين الصادقين والفائزين بجميع أنواع الحياة الإيمانية والإنسانية والتميزات البشرية ، ولقد قال الله سبحانه وتعالى :

( إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ ، فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ )       ( التوبة : 111 ) .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي

14/رمضان/1442هـ

27/أبريل/2021م