كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ !

الإنسان المعاصر بين الجد والهزل
جنوری 1, 2020

بسم الله الرحمن الرحيم

كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ !

لم يكن الإنسان مجرد خلق ناطق بالعقل الإنساني في شئون الحياة حتى يتميز عن غيره من المخلوقات ذوات الجسم والروح والتعقل الطبيعي ، إنما كان أفضل خلق الله تعالى في هذا الكون من كل حيوان ناطق ، وذلك بالتمييز بين الخير والشر وبين الطاعة والمعصية ، لأنه رُزق سلامة العقل والتفكير واُكرم بالهداية السماوية نحو الطريقين والاختيار بما هو الطريق الواضح الطبيعي الذي يتفق مع الطبيعة البشرية ومسئوليةِ أفضل الخلق الذي نال جائزة الأفضلية من خالقه العظيم ، ثم ابتلاه بما إذا كان يعرف نعمة ربه تعالى ويشكره عليها ، ولا ريب أن الإيمان به ومعرفة حقيقته من أعظم ما ناله الجنس البشري من خالقه العظيم ، وهي جائزة الإيمان الربانية التي تتحلى بها حياة العبد المسلم ، ذلك الذي يعيش مع الله وفي أداء الشكر له من جميع قواه وطاقاته ، ولا يحول دون ذلك أي مانع من عوامل الزمان ، ويستمر في أداء واجبه مهما كانت الظروف في ضوء التعاليم التي أنزلها الله سبحانه لعباده البشر إلى آخر لحظة من حياته ، هكذا تكون حياة المؤمن المسلم الذي ينجح في جميع الاختبارات التي اختارها الله له ، ( لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ . إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) ، وقال : ( وَٱلْعَصْرِ . إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ . إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ ) .

فكانت العمدة الحقيقية والمقياس الرباني الأصيل إنما هو الإيمان والعمل الصالح ، ثم التواصي بالحق والتواصي بالصبر ، وعلى هذا الميزان الذي خلقه الله سبحانه وتعالى وأراده حينما أخبر الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفةً ، تعجب من هذا القرار الملائكة المقربون وقالوا : كيف تجعل خليفةً في الأرض أولئك الذين لا يصلحون لحمل مسئولية الخلافة ! وكان الرد الكريم : ( إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) .

لأن ما كان قد قدره الله تعالى هو أن يعمر الأرض إزاء السماء بخلق إنساني يتميز في الكائنات كلها بالعقلانية المتميزة التي تساعده في الاختيار المناسب لأساليب الحياة ولا يفقد الشعور بين النافع والضار في ضوء تلك الطبيعة الإيمانية التي تشرَّف بها يوم أعلن الخالق العظيم : ” إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ” ، والخليفة لا يكون غير مَن خلفه ، لأنه يحل في الأمور كلها أو جُلّها محله في الأمور والمسئولية التي نيطت به من الشخص الأول إلى الثاني الذي نُقلت منه المسئولية إلى صاحبه .

ومن ثم كان الموضوع في غاية من الدقة وهو يتطلب النزاهة الكاملة ولا يتخلى عن التورع والتقى في كل لحظة خشيةً أن لا يصدر منه شيئ يشوه سمعته ، ولو لا أن الله سبحانه كان يعلم أن هناك           ( إبليس ) ضمن الملائكة وأنه لا يرضى بإعطاء الإنسان مكانةً أعلى من منزلة الملائكة لما أمرهم بالسجود أمام آدم ( عليه السلام ) فسجد الملائكة كلهم إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ، وطرده الله سبحانه من حضرة الجلالة ووصفه بشيطان رجيم ، ولنقرأ القصة بوضوح في سورة الحجر من الآية 28/ إلى الآية 42 : ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّى خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ . فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ . فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ . قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ . قَالَ لَمْ أَكُن لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ   مَّسْنُونٍ . قَالَ فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ . وَإِنَّ عَلَيْكَ ٱللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلدِّينِ . قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ . إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ . قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ . قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ . إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ ) .

من هنا عمّر الله سبحانه العالم البشري من ذرية آدم ( عليه السلام ) ، فأول نموذج أرانا في ابني آدم من الطاعة والمعصية ، وبذلك توزع الإنسان بين المطيع لله تعالى والمرتكب للمعصية ، وتوسع المجال للشيطان أن يلعب بعقول الناس ويبعثر وحدة الإنسانية ويفرقها بين فرق وجماعات شتات ، وقد تحدث التوراة ( الكتاب المقدس ) عن المعصية ، وكيف دخلت في مجال الحياة وماذا كان لها من التأثير في الحياة  البشرية ، وكذلك الإنجيل يشير إلى كل موضوع بشيئ من التفصيل .

ولا شك أن إبليس كان له دور كبير في الصد عن سبيل الله والحيلولة دون عظمة الإنسان وفضيلته التي منحها الله سبحانه إياه ، ولا ريب أن النظام العالمي كله منوط بتقدير الله عز وجل الذي خلق العالم وأسكن فيه الإنسان بوجه خاص لكي يطلع على أنه ليس حراً طليقاً ، ولكنه مربوط بنظام معيشي دقيق يتخلله المحن والآلام ، ومراحل اختبارية وفترات ارتياحية ، وبذلك وضع الله سبحانه نظام الجزاء إما : الجنة أو النار ، وقرر أن هناك سبيلين الجنة والجزاء الأوفى ، وطريق النار والعقاب ، ويتأرجح الإنسان بين هذين السبيلين ، وقد تحدث القرآن بغاية من الوضوح والتكرر في آيات كثيرة ولا تخلو أي سورة من سور القرآن الكريم من ذكر الجزاء وأشكاله المتعددة ، وأرجو أن أقرأ بعض آيات الكتاب في هذه المناسبة ، فقد قال الله تعالى : ( وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ) ، ( إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ . وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ . يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ . وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ ) ، ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) ، ( وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ . فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ      يَعْمَلُونَ ) ، ( فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ كَذٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ  يُؤْمِنُونَ ) ، ( إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ  ٱلْبَرِيَّةِ . إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ ) ،      ( إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا . وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا . يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا . بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا . يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ . فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ . وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) .

إن القرآن الكريم كله حافل بالمعاني والمفاهيم العالية الربانية التي تشبع الكائنات بجميع نواحيها بغذاء دسمٍ ويوفر لها النشاط والحيوية بأكمل معانيهما ، ولا تتوافر هناك ناحية ولو كانت مهجورةً لعارض ما أو موقتاً ، إلا وتكون في انتظار مستمر للمناسبة التي تتناولها وتنجز ما هي بحاجة إليه بكل ما يملك من قوة معطاة من ربها الكريم .

فكان القرآن الكريم أول ما يحتاج إليه الإنسان لكي يسير في ضوئه اللماع وتوجيهاته الشاملة للحياة والكون والإنسان ، إننا نرى من أهل العالم البشري بكامله أنهم يعيشون ولا يبالون بما إذا كان عملهم مطابقاً للطبيعة الإنسانية أو للطبائع الأنعامية ، والناس في ذلك ألوان وأنواع ، فنوع يؤمن بكتاب الله تعالى وهم يهتمون بدراسته والتأمل في معانيه ويبالغون في تقديسه ويعتبرونه أعلى بضاعة في متناول أيديهم ، ولا يقصرون في تفسيره والتعمق إلى بلاغيته ومعجزاته ، وهم علماء هذه الأمة وأصحاب الإيمان بالله تعالى والعاكفين بتلاوته والعيش مع جميع أحكامه وتشريعاته .

ولكن هناك جماعة من الناس وهم بالعكس من هذه الجماعة ، لا دين لهم ولا عقيدة ويتأكدون أن القرآن الكريم يحول دون جميع نشاطاتهم الحيوانية وهو أكبر مانع لصد المسلمين الملتزمين وانتزاع إيمانهم وحرمانهم من تعاليم هذا الكتاب ، فلا يألون جهدهم من إخراج هيبة وقيمة كتاب الله من أذهانهم ، ومؤكدين لهم أنه ليس إلا كتاب ديني قديم ذهبت حاجته أدراج الرياح وما هو الآن إلا كمخطوطة قديمة فقدت قيمتها وأصبحت ضمن التراث القديم .

وبهذه النفسية يعاملون كتاب الله ودين الإسلام ويعيشون في محرومية كاملة يمرغون في الشهوات وينهبون لذات من الحرام ، ويوسعون نطاق فسادهم إلى الطبقات البشرية ويحولونهم إلى أنعام بل أضل من  الأنعام ، فيمارسون كل حرام ويرتكبون كل فاحشة ولا يرون في أي شيئ بأساً من ذلك .

كان وجود المنافقين في العهد النبوي ( على صاحبه ألف ألف تحية وسلام ) بواقع ملموس ، حيث إنهم أظهروا الإسلام أمام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي اللله عنهم ، ولكنهم كانوا منافقين يتظاهرون بالإسلام ويخفون الكفر والعناد للإسلام والمسلمين ، فكانوا إذا جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشهدون بأنه رسول الله ، ولكن الله سبحانه كان يعرف كفرهم ونفاقهم فشهد بكل صراحة أنهم   كاذبون ، قد بلغ ذلك التظاهر من النفاق حتى أنزل الله سبحانه سورةً خاصةً بالمنافقين سميت ( سورة المنافقون ) ، وهي تصور إلى الآية الثامنة طرائق المنافقين التي كانوا يتبنّوتها ، وكانوا يخدعون بها المسلمين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم .

ولكن هنا ، وفي العصور التالية ظهرت صور تشبه صور المنافقين الأساسيين ، وهم على شاكلتهم بأساليب متعددة رغم أنهم مسلمون وقد ولدوا في بيوت ذات أصالة في الإسلام ، إلا أن في نفوسهم شيئاً يشبه الخروج من العقائد المسلمة لدى جمهور علماء الأمة ، وهم يجاهرون بذلك في كثير من المشكلات التي تواجه بلدان الأقليات المسلمة في العالم  كله ، وقد اشار شيخنا الجليل العلامة أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله في إحدى المناسبات إلى ما يشبه طريق التوسط بين حسن  وقبيح ، فقال : ” كنا نسمع أن هدف الإنسان في عمل ما يكون حسناً لائقاً أو يكون قبيحاً غير مرضي ، فوُجد بذلك نوعان من حسن أو    قبيح ، ولكنا نرى ونسمع في عصرنا الحاضر أن أعمالاً تُنجز من غير هدف أو بدون مقصد كأنه لا يُراد منه إلا اتباع النفس أو اتباع المصالح التي لا تكون لها علاقة بعقيدة الإنسان ودينه .

ولعلنا في معظم الأحوال نعيش هذا النوع الثالث التابع للظروف والمصالح المعاصرة ، إما مراعاة للآخرين أو إرضاء للجماهير من الناس ممن لا شأن لهم بالدين ولا علاقة لهم بالعقائد الثابتة والإيمان الخالص ، كما هو مشاهد بوجه عام في مجتمعات العالم المعاصرة في الشرق والغرب  كليهما ، وفي كل مكان .

وقد علّمنا الله سبحانه الطريق العادل للحياة الإسلامية في قوله :  ( إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ . قُلْ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) . وصدق الله العظيم .

والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي

4/3/1441هـ