الوقت أغلى شيئ في حياة الإنسان

الإخلاص ليس من الدين بل هو الدين
أبريل 20, 2022

بأقلام الشباب :

الوقت أغلى شيئ في حياة الإنسان

بقلم : الأخ محمد سلمان الندوي البجنوري

إن نعم الله سبحانه وتعالى على عباده كثيرة لا يأتي عليها  الحصر ، ولا يكاد أن يدركها الإنسان ، وصدق تعالى في القرآن الكريم : ( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ) [1] ، ومن أعظم هذه النعم وأجلها الوقت والزمن الذي يتغافل عنه كثير من الناس ، والوقت هو الحياة والحياة أمانة وبقاء حياة الإنسان ببقاء مدة عمره ، ومن تغافل عن حياته اشتد خسرانه وعظُمت حسراته ، وإذا فاتت لمحة من حياة الإنسان لن تعود إلى يوم القيامة ولا سبيل له إلى استدراكها والحسرة على ما فات من تضييع للوقت الحاضر ، كما قال الإمام ابن القيم الجوزي : ” الصوفي والفقير ابن وقته ،. . . . فهو لا يهتم بماضي وقته وآتيه ، بل يهتم        بوقته الذي هو فيه ، فإن الاشتغال بالوقت الماضي والمستقبل يضيع الوقت الحاضر ” [2] ، وقال الإمام الشافعي رحمه الله : ” صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين ، سمعتهم يقولون : الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك ، ونفسك إن لم تشغلها بالحق ، وإلا شغلتك بالباطل ” [3] .

والله سبحانه وتعالى لفت الانتباه إلى أهمية الوقت في مواضع عديدة في القرآن الكريم وربطه بالقسم ، واهتم في مطالع السور بأقسام الشمس والقمر ، والليل والنهار ، والفجر والضحى والعصر وما إلى ذلك ، وذلك كله يدل على أهمية الوقت ، ومعلوم لدى كل عارف بشيئ من القرآن الكريم أن الله تعالى إذا أقسم بشيئ من الخلق فهو يركز العناية الخاصة بجليل منفعته وعظيم فائدته ورفع منزلته ، فأقسم الله سبحانه وتعالى بالعصر في سورة العصر ، والعصر هو الدهر والزمن كما قال ترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما : ” أقسم الله بنواجذ الدهر يعني شدائده ” [4] ، وقال الإمام الشافعي رحمه الله : ” لو تدبر الناسُ هذه السورة لوسعتهم ” [5] .

وقال الإمام فخر الدين الرازي الشافعي رحمه الله في تفسير سورة العصر : “. . . أن الدهر مشتمل على الأعاجيب ، لأنه يحصل فيه السراء والضراء والصحة والسقم والغنى والفقر ، بل فيه ما هو أعجب من كل عجب ،. . . فلو ضيعتَ ألف سنة فيما لا يعني ثم تُبتَ وثبتت لك السعادةُ في اللمحة الأخيرة من العمر ، بقيت في الجنة أبدَ الآباء ، فعلمتَ حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة ، فكأن الدهر والزمان من جملة أصول النعم ، فلذلك أقسم الله تعالى به ، ونبه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها المكلف . . . وأن الزمان أعلى وأشرف من المكان ، فأقسم الله تعالى على أن الدهر والعصر نعمة خالصة لا عيب فيها ، إنما الخاسر المُعيب هو الإنسان ، . . . أنه تعالى ذكر العصر الذي بمضيه ينتقص عمرك ، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك النقصان عين الخسران ” [6] .

إن في اختلاف الليل والنهار ودورة الأفلاك في الكون وسير الكواكب والسيارات في السماء وطلوع الشمس وغروبها ، وظهور القمر واختفائها آيات باهرات دالة على أهمية الوقت وقيمة الحياة وأمارات ظاهرة للذين يتدبرون في خلق الله ويتفكرون في آيات القرآن الكريم ويشعرون بالعقل والفهم ، قال الله عزوجل : ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) [7] ، فإن من صفات عباد الله الصالحين وأصحاب العقل والشعور أنهم يتفكرون في الكون وما فيه من جمال الصورة وحسن الصنعة وبديع الخلق ، وهم ينتهزون جميع الفرص في حياتهم ويغتنمون كل لحظة من لحظاتها ، ويستغلون أوقاتها ، ولا يضيعون منها شيئاً يسيراً ، ويقولون : ” ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار ” ، وهم ينظرون ما قدموا للغد امتثالاً لأمر الله تعالى في الآية ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) [8] ، وهم يحاسِبون أنفسهم وأوقاتهم قبل أن يحاسَبوا يوم القيامة أمام رب العالمين ، وقد أثر قول الإمام الغزالي رحمه الله عن محاسبة النفس ، فيقول محاسباً للنفس : ” ما لي بضاعة إلا العمر ، ومتى فني فقد فني رأس المال ، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني فيه وأنساني أجلي ، وأنعم علي به ، ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوماً واحداً حتى أعمل فيه صالحاً فاحسبي إنك قد توفيت ثم قد رددت فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم ” [9] ، وهذه هي محاسبة النفس ، وقد ورد فيها أثر عمر رضي الله عنه المشهور عند المحدثين : ” حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا ، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا ، أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ” [10] ، إضافةً إلى ذلك يتذكرون قول الله عزوجل       ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ) [11] ، وقوله عزوجل واصفاً بالذي يخسر نفسه وحياته ويتحسر عند لقاء الموت ويقول : ( رَبِّ ٱرْجِعُونِ . لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ ) [12] ، وذلك الأسف الشديد لم يأت بفائدة ، والحياة لن تعود أبداً ، وقد فات ما مضى ، كما قال الشاعر :

ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها

يا زمــان الـربيع ! إنك أبـــهى زمـن والفصول تحت لوائك [13]

وجاء في الحديث الشريف عن أهمية الوقت وحياةِ الإنسان أنه يُسأل الإنسانُ يوم القيامة عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه ، وذلك الحديث الذي رواه عبد الله ابْن مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” لا تَزُولُ قَدَمَا الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ : عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ ” [14] ، وجاء بيان أهمية الوقت في حديت آخر رواه ابن عباسٍ – رضي اللهُ عنهما – قال : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ” نِعمَتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ الصَحَّةُ والفَراغُ ” [15] ، الفراغ قد ينقلب إلى خسران عظيم وتأسف شديد إذا ضيع الإنسان نعمة هذا الفراغ في اللهو واللعب ومشاهدة البرامج الهابطة الخسيسة ومجالسة الأشرار والأوباش الذين يغتابون ويفسدون في المجتمع ويشتغلون بالمنكرات والمحظورات والمحرمات وغير ذلك ، وهذا الإنسان يخدع نفسه ويضيع حياته ، وقال العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله : ” فالزمن نعمة جُلى ومنحة كبرى ، لا يدريها ويستفيد منها كل الفائدة إلا الموفقون الأفذاذ ، كما أشار إلى ذلك لفظ الحديث الشريف فقال : ” مغبون فيهما كثير من الناس ” ، فأفاد أن المستفيدين من ذلك قلة ، وأن الكثير مفرّط مغبون ” [16] .

الإسلام وشعائره تنبه الإنسان من غفلته وتوقظه من سباته العميق مراراً وتكراراً ، وجميع شعائر الإسلام مرتبطة بالأوقات المختلفة المتعينة وإذا فات الوقت فاتت تلك الفريضة ، مثل الأذان والصلوات الخمس في اليوم والليل والصيام في شهر رمضان وأداء فريضة الزكاة في كل عام ووقت معين ، وأداء فريضة الحج في شهر ذي الحجة وغير ذلك ، وإذا فات وقت الصلاة المكتوبة لا يستطيع الإنسان أن يؤديها بل يقضيها ، وإذا فات وقت صيام رمضان لم يعد بعد ذلك هذا الشهر الذي مضى ولا يثاب الإنسان على قضاء صيامه مثل ما يثاب على أدائه في شهر رمضان المبارك ، وكذلك مناسك الحج ، كل ذلك يستلفت الإنسان إلى قيمة الوقت وأهميته .

مما لا شك في أن الوقت هو الحياة فلا نقتله ، وليس في وجود الإنسان أغلى وأنفس وأجمل من الوقت ، وهو أثمن من الذهب والدرهم والدنانير ، وهذه كلها قد تنفد وقد ترجع ، ولكن الوقت إذا ذهب فلا يرجع أبداً ، وليس عند ذلك إلا أن نتأسف على ما فاتنا ، وذلك لم يأت بشيئ ، يقول الشيخ عبد الفتاح : ” فالعاقل الموفق من يملأ كل لحظة وثانية من حاضر عمره ووقته بفائدة أو عمل صالح ، وقد كره سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه التعطل والبطالة وإضاعة الزمن سدى ، فقال : ” إني لأكره أن أرى أحدكم سَبهللاً – أي فارغاً – لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة ! ” [17] .

[1] سورة إبراهيم ، الآية : ٣٤ .

[2] مدارج السالكين للإمام ابن القيم الجوزي ، ج 3 ، ص 96 .

[3] المصدر نفسه ، ج ٣ ، ص ٩٧ .

[4] تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ، ص ٧٤٥ .

[5] تفسير القرآن العظيم ، للإمام عماد الدين إسماعيل ابن كثير ، ج ٧ ، ص ٣٦٥ .

[6] التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ، للإمام فخر الدين الرازي ، ج ٣٢ ، ص ٨١ .

[7] سورة آل عمران ، الآية : ١٩٠ – ١٩١ .

[8] سورة الحشر ، الآية ١٨ .

[9] محاسبة النفس ، للإمام ابن أبي الدنيا ، ص ١٢ – ١٣ .

[10] المصدر نفسه ، ص ٢٩ .

[11] سورة فاطر ، الآية ٣٧ .

[12] سورة المؤمنون ، الآية 99 – 100 .

[13] من قصيدة طانيوس عبده ، شاعر من لبنان في العصر الحديث .

[14] أخرجه الترمذي ، باب في القيامة ٤/٦١٢ ، رقم ٢٤١٦ .

[15] رواه البخاري في كتاب الرقاق ، باب ما جاء في الصحة والفراغ ، وأن لا عيش إلا عيش الآخرة ، ٥/١٣٥٧ ، رقم ٦٠٤٩ .

[16] قيمة الزمن عند العلماء ، للعلامة المحدث عبد الفتاح أبي غدة ، ص ٢٣ .

[17] قيمة الزمن ، ص ١١٨ .