الصحابي عكاشة بن محصن رضي الله عنه دراسة تاريخية إسلامية حول دخوله في الهند

تعريف التحقيق والتخريج وأهميتهما للمخطوطات
مارچ 1, 2020

دراسات وأبحاث :

الصحابي عكاشة بن محصن رضي الله عنه

دراسة تاريخية إسلامية حول دخوله في الهند

( الحلقة الأولى )

الدكتور . ك . م . ع . أحمد زبير *

الملخص :

إن العلاقات الحضارية بين الهند والعرب قديمة جداً ، ويرجع تاريخها إلى ما قبل التاريخ ، وظلت هذه العلاقات باقيةً على مر التاريخ . ثم إنها توثقت بعد ظهور الإسلام وازداد هذا التمازج الحضاري في مجالات شتى . وقد تعرف ذلك المسلمون بالهند منذ الدولة الأموية بصورة خاصة وزادت معرفتهم على مر الزمان واتصلت الثقافة الهندية بالحضارة الإسلامية في الهند التي هبت عليها نفحة من نفحات الدعوة المحمدية من فجر ظهورها في جزيرة العرب . فلم تزل محط الدعاة من  أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وقد سافر بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبعض التابعين إلى القارة الهندية كداعية للإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبعضهم قد نزلوا في الهند بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم . إن المسلمين التامليين ( Tamils ) من ولاية تامل نادو الهندية منذ القدم يحتلون مكاناً محترماً في مساهمتهم للأدب العربي الهندي ، ومن المعروف للجميع أن أهل هذه الولاية لم يكونوا أول من تعلق بهم العرب بتجارتهم حتى قبل الإسلام بقرون فحسب ، بل إن إسلامهم سبق إسلام أي طائفة أخرى في البلاد . إن التاريخ يشهد صريحاً كل الصراحة على الروابط والعلاقات الوثيقة بين العرب والهنود منذ أقدم العصور . لقد كانت هناك روابط وعلاقات شتى بين العرب والهند منذ أقدم العصور حتى عصر النبي صلى الله عليه وسلم في التجارة والمعيشة والديانة . هذا البحث المتواضع محاولة جادة لتحليل شخصية الصحابي الجليل في أرض الهند التي يواجهها الدعوة المحمدية في جنوب الهند .

هذا البحث الوجيز يهدف أيضاً إلى إلقاء الضوء على مكانة الصحابي الجليل الشاعر وعبقريته ومساهمته في تطوير الدعوة   الإسلامية . وقد بذل الكاتب جهوداً مضنيةً في سبيل التعرف على إسهامات الصحابي العربي في أرض العجم . فالعرب عرفوا الهند منذ قديم الزمن ، وارتبطوا مع أهلها بعلاقات تجارية . تشبع دعاة المسلمين العرب والهنود بروح الإسلام لبذل جهود فعالة في سبيل الإسلام . وبدأت هذه الجهود في ولاية تامل نادو قبل الفتح الإسلامي الأول الذي قام به محمد بن القاسم الثقفي .

دخل الإسلام إلى أرض الهند أولاً من المناطق الساحلية الجنوبية ثم بعد زمن طويل في المناطق البرية الشمالية عن طريق الفتوحات الإسلامية الناجحة . بدأ ظهور الإسلام أولاً في القرى والمدن الساحلية لولاية تامل  نادو ، ثم انتشر الإسلام من الأماكن الساحلية إلى الأماكن غير الساحلية في هذه الولاية . وبنى المسلمون في تامل نادو المساجد والمدارس والزوايا والتكايا والمعاهد الإسلامية في أماكنهم .

كانت صلات العرب مع جنوب الهند قويةً حتى قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان التجار العرب والهنود يتبادلون المنتوجات والمصنوعات فيما بينهم ، وقد امتدت هذه الأحوال إلى استيطان العرب في الأماكن الساحلية المليبارية والتاملية أي مناطق ” مليبار ” ومناطق           ” معبر ” . يقول المؤرخ البارز يم . إي غني في جريدته ” نور الحق ” : إن الإسلام ظهر في ولاية تامل نادو منذ 637م  . وأول بقعة من بلاد الهند استضاءت بنور الإسلام هي بلاد ” مليبار ” لأن التجارة كانت قائمة بين بلاد العرب المليبار منذ عهد عتيق ، كما ذكر صاحب تحفة المجاهدين أن سكان فلسطين كانوا يتجرون مع المليبار في عهد داود وسليمان عليهما السلام .

وكان العرب يسافرون من مدينتي مصر والشام بطريق البر يمشون على شاطي البحر الأحمر ويصلون الحجاز واليمن ويركبون السفن ويسافرون إلى أفريقيا والحبشة ، وبعضهم يمرون بحضرموت وعمان والبحرين والعراق عن طريق السواحل البرية ويصلون إيران ويرسون سفنهم في ميناء بلوجستان أو ميناء ديبل أعني كراتشي ويمرون بموانئ الهند مثل غجرات وكاتهياوار وبومبائي وكاليكوت ورأس كماري                    ( Capecomerin ) ومدراس ، أو يصلون مدراس بطريق سرنديب وأندومان ويدخلون خليج بنغال بعد هذه الجولة .

فالذين كانوا يزورون الهند الجنوبية لغرض التجارة ولغرض البيع والشراء بدأوا يزورون للدعوة والتبليغ أيضاً . فالتجار من العرب أصبحوا مسلمين ومبلغين وداعين إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإلى تعاليم الإسلام . العلاقة بين المسلمين وتامل نادو لغرض الدعوة الإسلامية بدأت من القرن الثامن الميلادي . فالعلاقات التجارية القديمة غيرت لونها وأصبحت العلاقة دينيةً .

يظن بعض مؤرخي الهند أن الإسلام جاء إلى الهند بعد غزو محمد ابن القاسم الثقفي الذي أرسله الحجاج بن يوسف الثقفي لفتح السند في شمال الهند سنة 92هـ/712م أو بعد عدة غزوات لمحمود الغزنوي الهند . وهذه الآراء ليست صحيحةً . والصحيح أنه دخل الإسلام المناطق الساحلية الجنوبية الهندية قبل قرن لهذه الغزوات ، وكان الإسلام موجوداً إلى أبعد حد في المناطق الجنوبية الهندية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم . فكانت العلاقة والصلة بين العرب والهند قديمةً جداً .

إن الدلائل التي تدل على أن علاقة تامل نادو مع جزيرة العرب علاقة قديمة . تثبت وتدل هذه الدلائل  على العلاقات الدينية بين العرب وتامل نادو منذ عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

  1. أن تميم الداري الأنصاري أتى إلى جنوب الهند في بلد كولام التي هي قريبة من مدراس ( تسمى الآن تشنائي ) ، وقبره موجود حتى الآن . وهو تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن خزيمة بن ذراع بن عدي بن الدار ، أسلم في سنة تسع من الهجرة ، وكان يسكن المدينة . والصحابي سيدنا تميم الداري الأنصاري رضي الله عنه توفي ، هناك وقبره يوجد حالياً في قرية ” كولام ” قريباً بـ 36 كلومترا من مدينة مدراس .
  2. سيدنا الصحابي عكاشة بن المحصن المكي رضي الله تعالى عنه هو الذي شارك في غزوة بدر ، وجاء إلى ولاية تامل نادو لنشر دعوة الإسلام ودفن في ” محمود بندر ” التي غيرها البرتغاليون إلى ” بورت نوفا ” ( Portnova ) وروضته موجودة على ساحل ” كورومندل ”                 ( Coramandel ) . هذه بلدة قريبة من مديرية ” كدلور ”                  ( Cuddalore ) بمسافة ثلاثين كلومتراً .

إن الهند قد هبت عليها نفحة من نفحات الدعوة المحمدية من فجر ظهورها في جزيرة العرب . فلم تزل محط الدعاة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . سافر بعض أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم وبعض التابعين إلى القارة الهندية كداعية للإسلام في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبعضهم قد نزلوا في الهند بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومنهم :

  1. الصحابي تميم الداري الأنصاري رضي الله عنه .
  2. الصحابي عكاشة بن محصن رضي الله عنه .
  3. مالك بن دينار رضي الله عنه .

وكان النبي صلى الله  عليه وسلم يوصي أصحابه الذين يبعثهم إلى الأماكن المختلفة ليعلموا الناس شرائع الإسلام بما يلي : ” يسِّروا ولا تعسروا . وبشروا ولا تنفروا ” [1] وسطع نور الإسلام في سماء سواحل المناطق الهندية الجنوبية الشرقية كلها . ووصل صوته إلى أسماع جميع الناس . وننتقل إلى المناطق الهندية الشمالية البرية وموقفها من الدعوة الإسلامية ومع ظهور الدعوة الإسلامية اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بمراسلته الملوك والأمراء ودعوتهم إلى الدين الإسلامي وقد لعب دورهم في تأسيس بنيان الدعوة الإسلامية في الأماكن الهندية .

العلاقة بين الإسلام وتامل نادو لغرض الدعوة الإسلامية بدأت من القرن الثامن . فالعلاقات التجارية القديمة غيرت لونها وأصبحت العلاقة   الدينية ، كما ذكرت أن روضة الصحابي سيدنا تميم الأنصاري الداري رضي الله عنه في ” كوولم ” والصحابي سيدنا عكاشة رضي الله عنه في ” محمود بندر ” ووجود المساجد على ساحل ” كرومندل ”                      ( Coromandel ) الهند الجنوبية الشرقية يشير إلى أن الإسلام جاء في القرن الثامن من الميلاد .

ويحكي بعض الروايات أن تميم الأنصاري وعكاشة ومالك بن دينار وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جاءوا إلى الهند وبنوا بها المساجد . فكل هذه الروايات لها دلالتها التاريخية [2] .

نجد خمسة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باسم عكاشة . ومنهم مقبرة عكاشة بن محصن رضي الله عنه موجودة حالياً في قرية       ” فرنغيبيتي ” من ولاية تامل نادو الهندية . وهم :

عكاشة بن ثور أصغر

عكاشة الغنمي

عكاشة الغنوي

عكاشة بن محصن

عكاشة بن وهب الأسدي رضي الله عنهم

الصحابي عكاشة بن محصن رضي الله عنه :

عكاشة بن محصن الأسدي من مشاهير الصحابة ، أسلم قبل الهجرة . وهو من بني غنم ، قوم من بني أسد سكنوا مكة كأحلاف لقريش . هو عكاشة بن محصن ابن حرثان بن قيس بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة ، ويكنى أبا محصن . عرف بين الناس بوفرة العقل وصدق الإحساس وصفاء السريرة ، وكان معروفاً بحسن الهيئة والجرأة والإقدام ، وكان من أجمل الرجال . وعاش في المدينة بين إخوانه من المهاجرين والأنصار أطيب عيش ، وكان في أشد شوقه لخدمة دينه ، والدفاع عن أمته . شهد عكاشة رضي الله عنه بدراً و أحداً والخندق وأبلى بلاءً حسناً ، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على سرية ( الغمر ) في أربعين رجلاً ، وهو أخو أم قيس بنت محصن .

سيدنا الصحابي عكاشة رضي الله عنه وهو الذي شارك في غزوة بدر ، وجاء إلى ولاية تامل نادو لنشر دعوة الإسلام و دفن في ” محمود  بندر ” التي غيَّرها البرتغاليون إلى ” بورت نوفا ” ( Portnova ) ، وروضته موجودة عل ساحل  ” كورمندل ” [3] ( Coromandel ) . ” محمود بندر ” تسمى اليوم بـ ” برنغي بيتي ” ( Parangipettai ) وهذه بلدة قريبة من مديرية ” كدلور ” ( Cuddalore ) بمسافة ثلاثين كلومتراً . هذه البلدة ” برنغي بيتي ” تقع على شاطئ خليج بنغال بمسافة 213 كلومتراً بالجانب الجنوبي من مدينة شنائي . وهي عاصمة تامل نادو . ” بيتي ” ( Pettai ) معناه ” السوق ” باللغة التاملية ، برنغي معناه أجانب ، ولذا ” برنغي بيتي ” معناه ” السوق للأجانب ” .

دخل الناس في الإسلام بعدد كبير كما دخل فيه كثير منهم في العهود السابقة بجهود أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والدعاة . وهم حملوا إلى أهل ولاية تامل نادو رسالة الإسلام العادلة ليخرجوا الناس من ضيق الدنيا إلى سعتها وليضعوا عنهم إصرهم والأغلال التي كانت   عليهم . وأدوا واجباتهم أحسن تأدية . فجزاهم الله من الإسلام والمسلمين جميعاً خير الجزاء .

( للحديث بقية )

* أستاذ مساعد ، قسم اللغة العربية وآدابـها ، الكلية الجديدة ، شـنائي ، الهند .

[1] متفق عليه ، من حديث أنس رضي الله عنه .

[2] سيرة ابن هشام أبو محمد عبد الملك بن هشام ، مصر 1346هـ ، ص : 907 .

[3] ( ألف )  مقال بعنوان ” العرب و الإسلام في ولاية تامل نادو ” للدكتور أحمد زبير من مجلة   ” ثقافة الهند ” المجلد 55 ، العدد : 4 ، 2004م . ص : 164 . ( ب ) مقال بعنوان ” استيطان العرب وانتشار الإسلام في ولاية تامل نادو ” للدكتور أحمد زبير من مجلة ” ثقافة الهند ” المجلد 59 ، العدد 3 ، 2008م ، ص : 167 .