الزيادة على النص : قواعدها وضوابطها

الوقـــف ودوره في المجتمع
دسمبر 11, 2019

الزيادة على النص : قواعدها وضوابطها

( الحلقة الأولى )

إعداد : د . محمد علي شفيق الندوي *

مقدمة :

الحمد لله الذي أكرمنا بأشرف كتاب للحاضر والباد ، فنعم الزاد ، وأمدَّنا بسنة نبيه المتواترة والآحاد ، فنعم المداد . والصلاة والسلام على الرحمة المهداة ، حبيبنا وشفيعنا محمد بن عبد الله ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، إلى يوم نلقاه .

وبعد ! فإن قضية فهم النص وتفسيره لتعد من أبرز المشاكل المعرفية والمنهجية التي أثارتها كثير من الثقافات والحضارات الإنسانية ، وما زالت تثيرها وتثريها ، وتغذيها الروافد الثقافية من جهة ، والتطور الكبير الذي مس اللغويات المعاصرة بشكل عام ، ومناهج تحليل الخطاب بشكل خاص ، من جهة أخرى .

ويزداد الأمر أهميةً وخطورةً إذا كان النص المراد فهمه سماويًا ربانياً ، محفوظاً مصوناً ؛ سواء أكان وحياً متلواً أم غير متلو ؛ إذ إن هذا النص له قدسيته ومكانته ، وله سلطته وشرعيته . وهو المصدر الوحيد للبنية الإيمانية والفكرية والثقافية والعملية للمسلمين وللدين الإسلامي الخالد .

إن مرجعية النص في التعرف على المبادئ والأحكام والقيم والتعاليم الإسلامية ؛ دعت إلى خدمة النص ؛ سواء على مستوى التوثيق والضبط أو على مستوى التفسير والفهم .

ولئن اشترك في خدمة النص كثير من النظم والمعارف التي شكلت المحاور المعرفية الكبرى في التراث العلمي ؛ فإن ما قدَّمه علم أصول الفقه فاق ما قدمته النظم المعرفية الأخرى ؛ حيث قام بوضع نظرية متكاملة في تفسير النص وفهمه وقراءته .

تستمد هذه النظرية بنيتها من مجموع القواعد والمسائل    الأصولية ، التي تحكم المنهج الأصولي الدقيق في قراءة النص ، والذي يحميه من أي قراءة تحريفية للنص .

وإذا كانت ضوابط تفسير النص اتفق العلماء على معظمها وأسسها ؛ فإنه من الطبيعي أن يقع خلاف في جوانب يسيرة منها ما دام يتشارك النص والاجتهاد في وضع هذه القواعد والضوابط .

ومن هذا النزر اليسير الذي تنازعت فيه الآراء ، ووقع فيه خلاف بين الأئمة الأصوليين والفقهاء ؛ مسألة ” الزيادة على النص ” ، وهي موضوع بحثنا هذا .

أهداف البحث ومشكلته :

ومن هنا جاء هذا البحث ليزيح الستار عن جوانب عديدة حول قضية ” الزيادة على النص ” في الفقه الإسلامي ، وليحاول صياغة ضوابط الحنفية للتعامل معها .

إن قضية ” الزيادة على النص ” ما زالت ملتبسة على الكثير ؛ فكان من أهداف البحث إماطة اللثام عنها ، ومعالجة ما اشتهر في الأوساط العلمية ، ودعمته الكتابات المجملة في كتب كثير من الأصوليين ؛ أن الحنفية ردوا كثيراً من أخبار الآحاد ، بناءً على قاعدة     ( الزيادة على النص نسخ ) .

فالبحث يحاول كشف مناهج وآليات تعامل الحنفية مع هذه القضية ، ومن ثم صياغة تلك المناهج وتلك البنية التعاملية في قواعد وضوابط محددة ، تجمع الجوانب المتفرقة للرؤية الفقهية والأصولية الحنفية .

أهمية البحث :

من خلال ضبط شتات الموضوع ، ووضع شتات ضوابطه ، يتبين مدى صحة أو خطأ ما اشتهر حول رد أخبار الآحاد إذا زادت على  الكتاب [1] ؛ ليكشف البحث أن الحنفية قبلوا النص الآحادي حتى في المسائل المبنية على هذه القاعدة ، وليضع النقاط على الحروف مبيّنًا أن الإشكال ليس بين السنة والكتاب ، وإنما ينحصر في حالة معينة ، هي عبارة عن صورة من صور التعارض بين القطعي والظني .

ومن هنا تنطلق هذه المشاركة لتحل إشكالاً آخر حول خبر الواحد وأهميته لدى أئمة الإسلام عامةً ، والإمام أبي حنيفة وأهل الرأي والفقه خاصةً . وإن السلف من أهل الفقه والحديث معاً لم يهملوا خبر الواحد الصحيح وإن زاد على كتاب الله تعالى ، إلا بالقدر الذي يستلزم رفع القطعي بالظني من وجهة نظر القائلين بأن الزيادة نسخ .

كما تتضح أهمية هذا البحث من خلال المسائل الفقهية الكثيرة التي تتفرع عن هذه المسألة الأصولية .

أضف إلى ذلك أن ثمة فروعاً ومسائل ادعي فيها أنها خرمت القاعدة لدى الحنفية ؛ وأنهم لم يطردوا في تقعيدهم المتعلق بالزيادة ، من خلال هذه الضوابط تتبين تلك الشروط والقيود التي أغفلها المعترض .

خطة البحث : يشتمل البحث على تمهيد ، وفصلين :

المقدمة ، وفيها : أهمية الموضوع ، وأهدافه ، والدراسات   السابقة ، ومنهج البحث .

والتمهيد فيه مطالب : الأول في مفهوم القاعدة ، والثاني في مفهوم الضابط ، والثالث في أقسام الخبر .

الفصل الأول : الزيادة على النص والقواعد المؤثرة فيها . وفيه مبحثان :

المبحث الأول في الزيادة على النص : المراد بها ، وأنواعها ، والخلاف فيها .

المبحث الثاني : قواعد مؤثرة في تكوين الرؤية الحنفية حول قضية الزيادة على النص . وفيه سبعة مطالب ، كل قاعدة في مطلب .

الفصل الثاني : الضوابط الحاكمة لقضية الزيادة على النص ، وفيه عشرة مباحث ، كل ضابط في مبحث .

وامتد البحث على أكثر من 100 صفحة ، وأقدم ملخصه في ثلث حجمه الحقيقي بإذن الله تعالى .

الفصل الأول :

الزيادة على النص والقواعد المؤثرة فيها :

المبحث الأول : الزيادة على النص : المراد بها ، وأنواعها ، والخلاف فيها .

المطلب الأول : المراد بالزيادة على النص :

اشتهرت هذه القاعدة بصيغة ” الزيادة على النص ( نسخ أم         لا ) " [2] ، وعبر عنها بعضهم بلفظ : ” رفع خبر الآحاد لمدلول النص " [3] .

والزيادة في اللغة : النمو ، وهي خلاف النقصان .وتزيد السعر : غلا [4] .

والنص في اللغة له معان ، أشهرها : الرفع . ومنه المنصة ؛ لارتفاعها ، ونصت الظبية جيدها ، أي رفعته . ومنه نصصت الحديث إلى فلان : أي رفعته [5] .

وفي الاصطلاح يأتي لمعانٍ ، منها : لفظ الكتاب والسنة ؛ نصًّا كان أو ظاهراً [6] .

وقريب منه قولهم : ” نص القرآن والسنة ” : ما دل ظاهر لفظه ما عليه من الأحكام [7] .

وهذا المعنى هو مراد الأصوليين والحنفية بـ ” النص ” في هذه القاعدة ؛ كما يظهر ذلك من كلامهم في هذه القضية تأصيلاً وتطبيقًا ؛ إلا أنه يتقيد بكونه متواتراً ولو حكمًا ، فيشمل ظاهر الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة ، دون خبر الواحد ؛ لأن ذكر النص في مقابل خبر الواحد يقصره على ذلك .

التعريف الاصطلاحي لقاعدة ” الزيادة على النص ” :

قام عدد من الباحثين بتعريفها ؛ لكن لا يخلو تعريفهم من إشكال ، من تلك التعريفات :

  1. ” إفادة خبر الآحاد حكمًا زائداً على مقتضى النص المزيد عليه ، في حين لا دلالة ظاهرة على هذا الحكم – المزاد به – في ظاهر النص المزيد عليه ، وليس فيه ما ينفيه ” [8] .

– يلاحظ عليه أن فيه دوراً ، لاشتماله على الزيادة ، وتتوقف معرفتها على معرفة المحدود .

– ثم هو تعريف من وجهة نظر الجمهور ، والقاعدة إنما يقصد بها قائلها خلاف ذلك .

  1. ” خلو خطاب عن حكم ثبت بدليل آخر ” [9] .

– فيه أنه تعريف للزيادة بالخلو ، كما أنه غير مانع ؛ لكونه يعم ما خرج عن النزاع ؛ فيشمل صور الزيادة الأخرى ، ثم هو تعريف من وجهة نظر الجمهور ؛ بأنه لا تنافي بين الحكمين .

  1. ” أن يوجد نص شرعي يفيد حكمًا ، ثم يأتي نص آخر يزيد على الأول زيادةً لم يتضمنها ” [10] .

– فيه ما في التعريف الأول من الملاحظات .

ويمكن أن أصوغ تعريفاً لعله يكون جامعًا ، فأقول :

” الزيادة على النص "هي : أن يرد دليلٌ رافعٌ لحكمٍ اقتضاه ظاهر الكتاب أو السنة المعروفة .

توضيح التعريف :

قولي : ” دليل ” : يشمل المنصوص وغيره كالقياس ، فالزيادة كما تكون بالكتاب والسنة ، تكون بالقياس . إلا أن بحثنا لما كان حول الزيادة بالنص لم نتطرق للقياس .

وقولي : ” رافعٌ ” : إشارة إلى أن الزيادة تنافي حكم المزيد عليه ، وليست زيادة على المسكوت عنه [11] .

وقولي : ” لحكمٍ ” : المراد بالحكم الذي اقتضاه النص هنا حرمة الترك ، أو الإجزاء . بيان ذلك أن الزيادة عند الحنفية نوعان كما يأتي مفصلاً : زيادة شرط ، وهي ترفع إجزاء الأصل . مثل : زيادة شرط الطهارة في الطواف ، فقبل الزيادة كان الطواف مجزئاً بدونها ، وبعدها لم يبق مجزئاً . فالزيادة رفعت حكمًا شرعيًا ، وهو الإجزاء والصحة .

والثاني : زيادة جزء ، وهي أقسام :

  1. زيادة جزء متصل بالمزيد عليه ؛ كزيادة ركعتين في الظهر ؛ فهذا لا إشكال في كونه نسخًا ، لأنه يرفع إجزاء ركعتين ظهراً ، ويشترط أربعاً ؛ كما ثبت ذلك في الصلوات الرباعية ؛ فعن عائشة ، قالت : ( فرض الله الصلاة حين فرضها ، ركعتين ركعتين ، في الحضر والسفر ، فأقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر ) [12] .
  2. زيادة جزء منفصل عن المزيد عليه ؛ كزيادة التغريب في حد الزنا ، بحيث يصبح الحد مركباً منهما . فالزيادة هنا ترفع إجزاء ( مِأةَ جَلْدَةٍ ) ( النور : 2 ) ؛ فلو جلد الزاني ولم يغرب ، لا تترتب أحكام الحد .
  3. زيادة بالتخيير في اثنين بعد ما كان الواجب واحداً ؛ مثل : فرضية مسح الرأس ، ثم القول بجواز المسح على العمامة . فالزيادة هنا ترفع حرمة ترك ذلك الواجب الواحد .
  4. زيادة بالتخيير في ثلاثة بعد ما كان الواجب أحد اثنين ؛ مثل القضاء بشاهدين ، أو بشهادة رجل وامرأتين عند عدمهما ، ثم القول بشاهد ويمين . فالزيادة هنا ترفع حرمة ترك أحد هذين الاثنين .

فحرمة ترك الواجب الواحد وحرمة ترك أحد اثنين ، وإجزاء الأصل ، كلها أحكام شرعية .

وقولي : اقتضاه ظاهر الكتاب . . : بين ذلك أن ظاهر الكتاب اقتضى ذلك الحكم ، وليس ذلك مما صرح به النص ، ولا مما سكت عنه النص سكوتاً مطلقاً .

والظاهر ما ظهر المراد منه ، وهو ما يعرف المراد منه بنفس السماع من غير تأمل . والمراد بالنص ما يزداد وضوحاً بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم . وحكم كل منهما لزوم موجبه قطعاً ويقيناً ، عاماً كان أو خاصاً ؛ إلا أن النص ازداد وضوحاً ، وبالتالي يترجح عليه عند التعارض [13] .

وحيث كان اللفظ ظاهر المعنى فهو مبين غير مجمل ، ولا يحتاج إلى بيان ؛ فلا يكون ما ينافيه بيانًا ، بل نسخًا [14] .

وقولي : الكتاب والسنة : هما المعبر عنهما بالنص . ولم أقل ” دليل ” لأن المزيد عليه لا يكون إلا النص ، ولا يكون قياساً ولا إجماعاً ؛ لأنه لا تعارض بين النص والقياس ؛ إذ النص عليه المعول . وأما الإجماع فلا ينسخ ولا ينسخ به .

وبما أن الزيادة على النص ، رفع لحكم شرعي ، ذكر الحنفية القاعدة بصيغة : الزيادة على النص نسخ . أي فلا تقبل الزيادة إلا إذا توافرت فيها شروط النسخ . ومن شروط النسخ أن لا يكون الناسخ أضعف من المنسوخ .كما يأتي .

ففي الأمثلة السابقة إن وردت الزيادة ؛ كالتغريب ، والتخيير ، والطهارة ، بنص قاطع متأخر عن الأول قبلت الزيادة ، وإن وردت بنص آحادي أو بقياس لا تقبل هذه الزيادة [15] .

والمنسوخ هنا وصف ؛ لأن الزيادة نسخ الوصف لا نسخ الأصل [16] .

وزيادة للتوضيح والتمثيل وبيان التنافي الموجب للنسخ ؛ يقول الجصاص ( ت 370هـ ) : كل حكمين لا يصح مجيئ التعبد بهما في حال واحدة لشخص واحد ، فإن الثاني منهما يكون ناسخًا للأول إذا ورد بعد استقرار حكمه ، وذلك نحو قوله تعالى : ( فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) ( المائدة : 42 ) متى استقر هذا الحكم ، ثم قال تعالى :     ( وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ) ( المائدة : 49 ) أوجب ذلك نسخ التخيير المذكور فيه ؛ ألا ترى أنه لا يصح أن يقول : قد خيرتك بين الحكم والإعراض ، ومع ذلك فاحكم بينهم من غير إعراض ؛ لأن اللفظ يتناقض به ويستحيل معناه ، ومن أجل ذلك منعنا أن يعترض بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) [17] على قوله تعالى : ( فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ )  ( المزمل : 20 ) ؛ لأن الآية اقتضت التخيير في المفروض من القراءة ، وتعيين فرض القراءة بفاتحة الكتاب يوجب إسقاط التخيير الذي في الآية ؛ فيكون ناسخًا له ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد [18] .

وقولي : ” المعروفة ” : لإخراج خبر الواحد ، و ” السنة المعروفة ” أو   ” السنة الثابتة ” اصطلاح خاص للحنفية يُراد بها السنة المتواترة أو المشهورة ( المستفيضة ) أو المجمع عليها ؛ يقول الإمام أبو زيد ( ت 430هـ ) : ” خبر الواحد ينتقد من وجوه . . : العرض على كتاب الله تعالى . . ثم على السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواترًا أو استفاضةً أو     إجماعًا . . . ” [19] ولخصه البزدوي ( ت 482هـ ) بقوله : ما خالف كتاب  الله ، والثاني ما خالف السنة المعروفة . . ” [20] ويقول الدبوسي مبينًا حكمها : ” . . السنة الثابتة بالتواتر أو الاستفاضة أو الإجماع . . بمنزلة الكتاب في إفادة    العلم ” [21] .

المطلب الثاني : أنواع الزيادة على النص . [22]

لتحرير محل النزاع وعرض الخلاف لا بد من بيان أنواع الزيادة على النص ، فالزيادة تنقسم من حيث تعلقها بالمزيد عليه ، إلى قسمين : زيادة مستقلة عن النص ( المزيد عليه ) ، وزيادة متعلقة به .

أما الزيادة المستقلة ، فنوعان :

الأول : زيادة من غير جنس المزيد عليه ؛ كزيادة وجوب الصوم على الصلاة ، ووجوب الزكاة على الحج . فهذا ليس بنسخ للمزيد عليه بالإجماع ؛ لعدم التنافي ، ولعدم التغيير لحكم الأول .

الثاني : زيادة من جنس المزيد عليه ؛ كزيادة صلاة سادسة على الصلوات الخمس ، فهذا ليس بنسخ أيضاً بالاتفاق [23] ، إلا ما نسب إلى بعض أهل العراق من أنهم جعلوا زيادة صلاة على الصلوات الخمس نسخًا لقوله عز وجل : ( حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ ) ( البقرة : 238 ) ؛ لأنه يجعل ما كان وسطى غير وسطى .

وأرى أن هذا المحكي عنهم لا يخرم الإجماع لأمرين : الأول : أن هذا القول مبهم قائله ، وغيرمحرر قوله ؛ هل أراد حقيقة النسخ ، فلا تجب المحافظة على الصلاة الوسطى ، أم أراد زوال الوصف ، فلا خلاف . والثاني هو الأظهر .

وإن أراد الأول فالجواب أن وصف التوسط عقلي ، لا حكم شرعي ، وهو فرضية الموصوف بالتوسط ، والزائل هو وصف التوسط [24] ، ولا يلزم من زواله بطلان فرضية الموصوف ، ولا دخل لكونها وسطى في الفرضية [25] .

والثاني : أنه خلاف الإجماع باللزوم ؛ لأنه يلزم عنه أن تكون زيادة عبادة على آخر العبادات نسخًا ؛ لأنه يجعل العبادة الأخيرة غير أخيرة ، وإن كانت الفروض عشرًا خرجت من أن تكون عشرًا [26] .

وأما الزيادة المتعلقة بالمزيد عليه فهذا الذي وقع فيه الخلاف   المعتبر ، وهي أنواع : [27]

  1. زيادة جزء ( أي ما كانت الزيادة فيه جزءًا من المزيد عليه ) ؛ كزيادة ركعة على ركعتي الفجر .
  2. زيادة شرط ( أي ما كانت الزيادة فيه شرطًا لصحة المزيد عليه ) ؛ كاشتراط الإيمان في الرقبة في قوله تعالى : ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) ( المجادلة : 3 ) في كفارة الظهار واليمين ، واشتراط النية في الطهارة ، واشتراط الطهارة في الطواف .
  3. زيادة ترفع مفهوم المخالفة للمزيد عليه ؛ كما لو قال : ( في المعلوفة زكاة ) بعد قوله : ( في السائمة زكاة ) . وهذه الثالثة لا يقول بها  الحنفية [28] .

هذه الثلاثة يذكرها الأصوليون ، وبالتأمل في كلامهم تظهر أقسام أخرى باعتبارات متعددة ؛ فيمكن تقسيم الزيادة باعتبار المقارنة وعدمها إلى زيادة مقارنة وزيادة متأخرة .

كما يمكن تقسيم زيادة جزء إلى أربعة :

  1. زيادة جزء متصل بالمزيد عليه ؛ كزيادة ركعة في الفجر ، أو زيادة عشرين سوطاً في حد القذف .
  2. زيادة جزء منفصل عن المزيد عليه ؛ كزيادة التغريب في حد الزنا ، بحيث يصبح الحد مركباً منهما .
  3. زيادة بالتخيير في اثنين بعد ما كان الواجب واحداً ؛ مثل : فرضية مسح الرأس ، ثم القول بجواز المسح على العمامة . ومثل : فرضية غسل القدمين سواء لبس الخف أم لا ، ثم زيادة مسح الخفين .
  4. زيادة بالتخيير في ثلاثة بعد ما كان الواجب أحد اثنين ؛ مثل القضاء بشاهدين ، أو بشهادة رجل وامرأتين ، ثم القول بشاهد ويمين .

فرع : اتفق العلماء في الزيادة المستقلة أنها ليست بنسخ ؛ حسبما سبق تفصيله . وأجمعوا على أن الزيادة إذا وردت مقارنة للمزيد عليه لا تكون نسخًا [29] ، كما ورد في حد القذف الجلد ، وورد مقارناً له رد الشهادة [30] ؛ فإن رد الشهادة ليس بزيادة ولا نسخ له للقِران . وكذا إذا وردا متعاقبين ، وبينهما زمان لا يصلح للنسخ [31] .

وأما إذا وردت الزيادة متعلقةً بالمزيد عليه ، ومتأخرةً عنه تأخراً يجوز القول بالنسخ في ذلك القدر من الزمان ؛كزيادة شرط الإيمان في رقبة الكفارة ؛ فقد اختلفوا فيه [32] على أقوال ، ويترتب على الخلاف أنه عند القائل بالنسخ لا يجوز الزيادة إلا بما يجوز به النسخ . فالقطعي لا ينسخ إلا بقطعي ؛ كالتغريب في حد الزنا ؛ فإن أبا حنيفة لما كان عنده نسخًا نفاه ، لأنه نسخ للقرآن بخبر الواحد ، ولما لم يكن عند الجمهور نسخًا قبلوه إذ لا معارضة [33] .

( للبحث صلة )

* أستاذ أصول الفقه المساعد ، بكلية الشريعة والدارسات الإسلامية ، جامعة القصيم .

[1] كما ادعى ذلك بعض الأصوليين ؛ كالزركشي ، في البحر المحيط ( 3/ 220 ) ، وكالمعاصرين من أصحاب الأبحاث الآتية .

[2] ينظر : البرهان للجويني ( 1/150 ) ، أصول السرخسي ( 1/164 ) ، كشف الأسرار للنسفي ( 1/206 ) ، روضةالناظر ( 1/507 ) ، شرح تنقيح الفصول ( ص : 36 ) ، مختصر الروضة مع شرحه للطوفي ( 1/553 ) ، كشف الأسرار عن أصول البزدوي ( 1/73 ) ، جمع الجوامع بشرح المحلي ( 1/308 ) ، البحر المحيط ( 1/375 ) .

[3] تقريرات الشربيني على المحلي ( 2/91 ) .

[4] الصحاح ، للجوهري ( 2/482 ) ، وأيضاً : لسان العرب ( 3/198 ) ، تاج العروس             ( 8/155 ) .

[5] ينظر : العين للفراهيدي ( 7/86 ) ، تهذيب اللغة ( 12/82 ) ، أساس البلاغة ( 2/275 ) ، لسان العرب ( 7/97 ) .

[6] ينظر : الإحكام لابن حزم ( 1/42 ) ، تيسير التحرير ( 1/137 ) . ومن معاني النص اصطلاحًا : نوع من أنواع الدلالة الواضحة ، يقابل الظاهر . وقد يطلق على الظاهر . ينظر : البرهان ( 1/150 ) ، أصول السرخسي ( 1/164 ) ، روضةالناظر ( 1/507 ) ، شرح تنقيح الفصول ( ص : 36 ) ، مختصر الروضة مع شرحه للطوفي ( 1/553 ) ، كشف الأسرار عن أصول البزدوي ( 1/73 ) ، جمع الجوامع بشرح الجلال المحلي ( 1/308 ) ، البحر المحيط في أصول الفقه ( 1/375 ) ؛ التحرير مع التقرير والتحبير ( 1/146 ) .

[7] تاج العروس ( 18/180 ) ، وانظر : كشف الأسرار عن أصول البزدوي ( 1/106 ) .

[8] عرف به الدكتور سالم الثقفي في بحثه : الزيادة على النص ، ص : 248 .

[9] عرف به الباحث مازن هنية ، في بحثه : الزيادة على النص وأثرها في الفقه الإسلامي ،   ص : 67 .

[10] عرف به الدكتور عمر بن عبد العزيز ، في بحثه : الزيادة على النص ، ص : 26 .

[11] انظر : البرهان للجويني ( 2/254 ) ؛ العدة ( 3/814 ) ؛ البحر المحيط ( 3/219 ) ؛ فواتح الرحموت ( 2/92 ) .

[12] أخرجه البخاري في الصلاة ، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء ، ( 1/79 ) برقم ( 350 ) . وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها ، باب صلاة المسافرين وقصرها ، ( 1/478 ) برقم   ( 685 ) بلفظ : ( فأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى ) .

[13] ينظر : تقويم الأدلة ( 116 ) ؛ أصول السرخسي ( 1/163 ) ؛ المنار مع كشف الأسرار      ( 1/23 ، 205 ) .

[14] انظر : القاعدة الرابعة ، وكذا الثالثة ، الآتيتين في المبحث الأول .

[15] الفصول في الأصول للجصاص ( 1/443 ) وما بعدها ، البرهان في الأصول ( 2/254 ) ؛ البحر المحيط في الأصول ( 3/219 ) ؛ تخريج الفروع على الأصول ( ص : 50 ) .

[16] إذ المنسوخ أربعة أنواع : التلاوة والحكم ، والتلاوة دونه ، والحكم دونها ، ونسخ وصفه في الحكم . أصول البزدوي ( 506 ) .

[17] أخرجه البخاري في صفة الصلاة ، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات . . . .     ( 1/151 ) برقم ( 756 ) وأخرجه مسلم في الصلاة ، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ( 1/295 ) ، برقم ( 394 ) .

[18] الفصول في الأصول ( 1/406 ) بتصرف .

[19] تقويم الأدلة ، ص : 196 ، وراجع أيضاً : الفصول للجصاص ( 1/449 ) .

[20] أصول البزدوي ص : 394 . وانظر أيضاً : كشف الأسرار ( 3/8 – 9 ) ، فصول البدائع    ( 2/257 ) ، واقرأ أيضاً قول أبي يوسف في الرد على سير الأوزاعي ( 31 ) ، وقول محمد في الحجة على أهل المدينة ( 4/322 ) .

[21] تقويم الأدلة في أصول الفقه ، ص : 197 .

[22] ينظر : المعتمد ( 1/406 ) ، التلخيص في أصول الفقه ( 2/501 ) ، المنخول ، ص : 394 ، المستصفى ، ص : 94 .

[23] حكى الاتفاق عدد من الأصوليين ؛ كالسمرقندي في الميزان ، ص : 724 ، والأسمندي في بذل النظر ( 2/354 ) ، والرازيفي المحصول ( 3/363 ) ؛ والآمدي في الإحكام            ( 3/170 ) ، والطوفي في مختصرالروضة وشرحه ( 2/291 ) ؛ والبخاري في كشف الأسرار ( 3/284 ) مع نقلهما لكلام بعض العراقيين ، ومع ذلك لم يعتبرا خلافهم .

[24] إذا اعتبرنا معنى التوسط في العدد ، أما إذا قلنا أن الوسطى أريد بها الفاضلة ، فلا إشكال أصلاً .

[25] انظر : التوضيح مع شرح التلويح ( 2/36 ) ؛ فواتح الرحموت ( 2/91 ) .

[26] ألزمهم بذلك القاضي عبد الجبار ؛ كما في المعتمد ( 1/406 ) وانظر أيضاً : كشف الأسرار للبخاري ( 3/191 ) ، البحر المحيط للزركشي ( 3/216 ) . وقول الشوكاني :      ” وألزمهم صاحب المحصول : بأنه لو كان عدد كل الواجبات قبل الزيادة عشرة ، فبعد الزيادة لا يبقى . . . ” إرشاد الفحول ( 2/80 ) ليس بدقيق ، وإنما هو من إلزام القاضي عبد الجبار .

[27] ينظر : المعتمد ؛ لأبي الحسين البصري ( 1/405 ) ، العدة ؛ للقاضي أبي يعلى                 ( 3/819 ) ، التلخيص في أصول الفقه ؛ لأبي المعالي الجويني ( 2/502 ) ، قواطع الأدلة في الأصول ؛ للسمعاني ( 1/440 ) ، المنخول ، ص : 394 ، المستصفى ، ص : 94 ، كشف الأسرار للبخاري ( 3/191 ) ، التوضيح على التنقيح مع شرح التلويح ( 2/36 ) ؛ البحر المحيط للزركشي ( 3/216 ) .

[28] ينظر : فواتح الرحموت ، للعلامة عبد العلي الأنصاري ( 2/91 ) وغيره من المصادر  السابقة .

[29] ينظر : ميزان الأصول ، ص : 724 ، بذل النظر للأسمندي ( 2/354 ) ، كشف الأسرار للبخاري ( 3/285 ) .

[30] في قوله تعالى : ( وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ) إلى ( فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً     أَبَداً ) ، ( النور : 4 ) .

[31] ميزان الأصول للسمرقندي ، ص : 724 .

[32] اختلف في كل ظاهر استعمل في خلافه ، كالمطلق إذا أريد المقيد ، والنكرة إذا أريد المعين . كشف الأسرار ( 3/167 ) .

[33] البحرالمحيط ( 3/219 ) ؛ وأيضاً : العدة ( 3/814 ) ؛ تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ( 50 ) ؛ فواتح الرحموت ( 2/92 ) .