الحقيقة في خطاب الأصوليين

الزيادة على النص : قواعدها وضوابطها
مارچ 1, 2020
كتاب ( فقه السّنّة ) وأثره في تفقيه شباب الصّحوة المعاصرة
جولائی 25, 2020

الفقه الإسلامي :

الحقيقة في خطاب الأصوليين

بقلم : الدكتور عبد الإله بالقاري . المغرب الأقصى

مقدمة :

لما كان الدّين الإسلامي مرده كله إلى اللفظ ، وكانت متجليات الظاهر في اللفظ هي الأصل ، ومنها الحقيقة والعموم والإطلاق . . ، فقد كثر كلام الأصوليين عن الظاهر وتوسع ، ولذلك تقرّر في الدرس الأصولي أن من الظواهر مطلق صيغة الأمر ؛ فالصيغة ظاهرة في    الوجوب ، ومنها صيغة النهي المطلقة فهي ظاهرة في التحريم ، ومنها حمل الصيغ المطلقة الموضوعة في اللغة للعموم على وجه العموم ظاهر ، ومنها أيضاً حمل اللفظ المطلق على إطلاقه ؛ لأنه الظاهر فيه ، ومنها حمل اللفظ على الحقيقة ؛ لأنه ظاهر فيها ، وفي هذا المكتوب حديث مختصر عن الحقيقة عند أهل الأصول .

الحقيقة في اللغة :

الحقيقة لغة على وزن فعيلة ، قال الخليل : ” الحقيقة ما يصير إليه حق الأمر ووجوبه . وبلغت حقيقة هذا : أي يقين شأنه ” [1] .

وقال ابن سيده : ” الحق : نقيض الباطل . . وحقَّ الأمرُ يحِقُّ ويَحُقُّ حقاً وحقوقاً : صار حقاً وثبت . . وحقّ الأمر يحُقُّه حقاً وأحقَّه : كان منه على يقين . . والحقيقة في اللغة ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه ” [2] .

وقال الزمخشري : ” وثوب محقق النسج : محكمه . وكلام محقق : محكم النظم ” [3] .

من خلال التعاريف السابقة ؛ يتضح لنا أن المراد بالحقيقة في اللغة هي دلالة اللفظ في أصل وضعه اللغوي ، فهي اسم أريد به ما وضع له ، كما تأتي الحقيقة في اللغة أيضاً بمعان متعددة ، نحو : ضد الباطل ، والثبوت ، واليقين والإحكام .

الحقيقة عند الأصوليين :

قال أبو الحسين البصري : ” الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به ” [4] .

وقال السرخسي : ” الحقيقة اسم لكل لفظ هو موضوع في الأصل لشيئ معلوم . . ولهذا يسمى أصلاً أيضاً ؛ لأنه أصل فيما هو موضوع       له ” [5] .

وقد أورد صاحب ( إرشاد الفحول ) عدة تعاريف لها ، حيث قال : ” فقيل في حد الحقيقة : إنها اللفظ المستعمل فيما وضع له ، فيشمل هذا الوضع اللغوي ، والشرعي ، والعرفي ، والاصطلاحي .

وزاد جماعة في هذا الحد قيداً ، وهو قولهم : في اصطلاح التخاطب ؛ لأنه إذا كان التخاطب باصطلاح ، واستعمل فيه ما وضع له في اصطلاح آخر ، لمناسبة بينه وبين ما وضع له في اصطلاح التخاطب ، كان مجازاً مع أنه لفظ مستعمل فيما وضع له .

وزاد آخرون في هذا الحد قيداً ، فقالوا : هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولاً لإخراج مثل ما ذكر .

وقيل في حد الحقيقة : إنها ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به .

وقيل في حدها : إنها كل كلمة أريد بها عين ما وضعت له في وضع واضع ، وضعاً لا يستند فيه إلى غيره ” [6] .

وحاصل الأمر ، فإن الحقيقة عند الأصوليين هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب ؛ كالصلاة إذا استعملها المخاطب بعرف الشرع في الدعاء ، فإنها تكون مجازاً ؛ لكون الدعاء غير ما وضعت هي له في اصطلاح الشرع ؛ لأنها في اصطلاح الشرع وضعت للأركان والأذكار المخصوصة ، مع أنها موضوعة للدعاء في اصطلاح اللغة .

وهذا التعريف الذي استحسنته ، هو تعريف اعتزالي للحقيقة ، وهو أحد التعريفين اللذين ذهب إليهما الجويني في الورقات في قوله :        ” فالحقيقة مَا بَقِي فِي الاسْتعمال على موضوعه ، وَقيل : مَا اسْتعْمل فِيما اصطلحَ عليه من المخاطبة ” [7] ، فالتعريف الأول تعريف أشعري [8] ، والثاني اعتزالي وهو الراجح عند الأصوليين .

كما يتحصل لنا من خلال التعاريف السابقة أن لدلالة اللفظ على الحقيقة شرطين :

الشرط الأول : الوضْع ، وهو تخصيص اللفظ بإزاء المعنى ، وجعله دليلاً عليه [9] ، ولا حقيقة لغوية إلا باستعمالها فيما وُضِعت له في الأصل ؛ فالوضع هو الأساس الذي يخضع له المنطق اللغوي الأصلي ، وإنما يُعرف هذا بالسماعِ من أهل اللغة .

الشرط الثاني : الاستعمال ، وقد عرفه القرافي رحمه الله بقوله : ” إطلاق اللفظ وإرادة مسماه في الحكم وهو الحقيقة ، أو غير مسماه لعلاقة بينهما وهو المجاز ” [10] ، والاستعمال ملازمٌ للوضع ؛ فالذي يظهر من دراسة الأصوليين للحقيقة أنهم لا يقصِدون بذلك الوضعَ الأول للألفاظ ؛ وإنما الاستعمالُ واستقراء الدلالة هو الذي يحدِّد ذلك ، وإلا لاكتُفي في اعتبار الحقيقة بالوَضْع اللغوي .

من هنا يتضح إدراكُ الأصوليين لأثر الاستعمال والشيوع في تغيُّر المعنى وإفادته من اللفظ ، ويبين كذلك أنهم قسموا الحقيقة إلى :    لغوية ، وشرعية ، وعرفية ؛ لأنهم لا يقصِدون من الوَضْعِ هنا الوضعَ الأول من النشأة اللغوية للَّفظ فحسب ؛ وإنما يقصدون –فضلاً عن ذلك – غلبةَ استعمال اللفظ في المعنى حتى يصير أشهرَ فيه من غيره .

أقسام الحقيقة :

قسَّم الأصوليون الحقيقة إلى أقسام : لغوية ، وشرعية ،     وعرفية [11] ، وذلك حسب واضع اللفظ ؛ فالواضع متى تعين نُسِبت إليه الحقيقة ، فقيل : لغوية ، إن كان صاحب وضعِها واضعَ اللغة ، وقيل : شرعية ، إن كان صاحب وضعِها الشارع ، ومتى لم يتعين قيل : عُرفية ، سواء كان عُرفاً عامّاً ؛ كالدابة لذوات الأربع ، أو خاصّاً ؛ كما لكل طائفة من الاصطلاحات التي تخصُّهم .

[1] كتاب العين للخليل الفراهيدي ، مادة : ح ق ق .

[2] المحكم والمحيط الأعظم لأبي الحسن علي بن إسماعيل بن سيده المرسي ( ت 458هـ ) ، تحقيق الدكتور عبد الحميد هنداوي ، الطبعة الأولى 1421هـ – 2000م ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، مادة : ح ق ق .

[3] أساس البلاغة لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر بن أحمد الزمخشري المتوفى سنة 538هـ ، تحقيق محمد باسل عيون السود ، الطبعة الأولى ، 1419هـ – 1998م ، دار الكتب العلمية بيروت ، لبنان ، مادة : ح ق ق .

[4] المعتمد في أصول الفقه ، 1/16 .

[5] أصول السرخسي ، 1/170 .

[6] إرشاد الفحول للشوكاني ، 1/135 .

[7] متن الورقات لإمام الحرمين الجويني ، ويليه نظم الورقات للعمريطي ، الطبعة الأولى 1997م ، دار الصميعي للنشر والتوزيع ، الرياض ، ص : 9 .

[8] ينظر على سبيل التمثيل إلى الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ، 1/27 ، وجمع الجوامع لتاج الدين السبكي ، الطبعة الأولى 2005م ، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، لبنان ، ص : 16 .

[9] والوضع يستعمل بمعنيين ، قال القرافي رحمه الله : ” فالوضع يقال بالاشتراك على جعل اللفظ دليلاً على المعنى كتسمية الولد زيداً وهذا هو الوضع اللغوي ، وعلى غلبة استعمال –  – اللفظ في المعنى حتى يصير أشهر فيه من غيره ، وهذا هو وضع المنقولات الثلاثة : الشرعي نحو الصلاة ، والعرفي العام نحو الدابة ، والعرفي الخاص نحو الجوهر ، والعرض عند المتكلمين ” . ينظر شرح تنقيح الفصول للقرافي ، ص : 48 .

[10] شرح تنقيح الفصول للقرافي ، ص : 48 .

[11] ينظر المعتمد في أصول الفقه ، 1/19 ، البحر المحيط في أصول الفقه ، 2/154 .