استثمار أموال الزكاة : دراسة تحليلية

كتاب ( فقه السّنّة ) وأثره في تفقيه شباب الصّحوة المعاصرة
جولائی 25, 2020
الفقه الحنفي ومنهجه في الاستنباط
اگست 11, 2020

الفقه الإسلامي :

استثمار أموال الزكاة : دراسة تحليلية

الأستاذ م . أحمد الله البخاري

د. بي . يس . سيد مسعود الجمالي *

ملخص البحث :

الزكاة ركن هام من أركان الإسلام ، فرضت تطهيراً للمال وتنميةً له وحفاظاً على حياة المحتاجين من المسلمين ، حمايةً لهم من مذلة الفقر والتسول ، فهي حق المجتمع في مال المسلم ، وليس تفضلاً ، وهي واجبة في الكتاب والسنة والإجماع وقد طرح في الآونة الأخيرة في بعض المجامع والمؤتمرات الفقهية فكرة استثمار أموال الزكاة في مشاريع اقتصادية لتنميتها وتثميرها وصرفها للمستحقين نظراً إلى المتطلبات العصرية والمقتضيات الراهنة فأجاز أغلب العلماء المعاصرين بدون تعارض مع القواعد الكلية للشريعة وفق ابتكار أساليب منهجية حديثة Methodology New يتبعها الفقهاء حين النظر في الأقضية التي تتطلب حكماً أو فتياً ويتناول هذا البحث الفقهي حكم استثمار أموال الزكاة وشروطه و أنواع المشاريع الاستثمارية لأموال الزكاة .

مقدمة البحث :

استثمار أموال الزكاة في مشاريع اقتصادية ذات ريع هي مسالة مستجدة لم تكن تعرف عند الفقهاء المتقدمين في الأزمان الماضية حيث إن الأمر الغالب عندهم أن تجمع الزكاة ثم توزع على من يستحقها من مصارف الزكاة ، أما في عصرنا الراهن فقد ظهر اهتمام كبير و اعتناء فائق بمسألة استثمار الزكاة ولا سيما بعد ظهور المشاريع الاستثمارية الكبرى وما تكثره هذه المشاريع من أرباح ، فبدأ هذا البحث الفقهي للإجابة عن أسئلة الكثيرين عن حكم توجيه أموال الزكاة و بعضها لإنشاء مشاريع استثمارية من أجل تأمين مورد مالي دائم من ريعها لتوزيعه على المستحقين .

أسباب اختيار الموضوع :

  • نظراً إلى أهمية هذا الموضوع وتعلقه بحياة الأفراد اليومية ولكثرة المحتاجين إلى أموال الزكاة إخترته لكتابة البحث حوله .
  • الوقوف عند البحث والتتبع في هذه المسألة على أمر جلي فهو الإفراط أو التفريق في الحكم على جوازها أم عدمها في المجتمع الإسلامي ، فبحثنا هذا ينص على المفهوم المعتدل والمعنى المتوسط خلال الاستنباط الدقيق الحاسم .
  • في العصر الراهن يفتقر كل أناس من المحاويج والمساكين والفقراء الملهوفين إلى أموال الزكاة في المجتمع البشري دون التقصير والاقتصاد .

الخطة :

  • حكم استثمار أموال الزكاة في مشاريع أقتصادية
  • شروط استثمار أموال الزكاة
  • أنواع المشاريع الاستثمارية لأموال الزكاة

كما يتضمن البحث مقدمة وخاتمة تشتمل على أهم النتائج التي توصل إليها الباحث خلال البحث مع ذكر المقترحات والهوامش والمراجع التي تم الرجوع إليها في البحث .

المبحث الأول :

حكم استثمار أموال الزكاة في مشارع اقتصادية :

قد تضاربت أراء العلماء المعاصرين في حكم توجيه أموال الزكاة في مشاريع ذات ريع . ذهب أغلب العلماء المعاصرين إلى جواز استثمار أموال الزكاة ، سواء أزادت أموال الزكاة عن الحاجة أم لا .

القول الأول :

ممن ذهب إلى هذا الرأي الدكتور يوسف القرضاوي والأستاذ مصطفى الزرقاء والدكتور عبد العزيز الخياط والشيخ عبد الفتاح أبو غدة والدكتور عبد السلام العبادي والدكتور حسن عبد الله الأمين والدكتور محمد صالح الفرفور والدكتور محمد فاروق النبهان والدكتور وهبة الزحيلي والدكتور فريد واصل . . .

واشترط بعض العلماء لجواز استثمار أموال الزكاة أن تزيد أموال الزكاة عن حاجة الفقراء وسائر مصارف الزكاة ومنهم الدكتور حسين شحاته والدكتور حسام الدين عفانة والشيخ صابون محمد والشيخ أحمد الخليلي أما الدكتور وهبة الزحيلي فذهب إلى جواز الاستثمار على أن يكون ذلك من سهم في ( سبيل الله ) .

القول الثاني :

وانفرد به بعضهم وذهب إلى عدم جواز استثمار أموال الزكاة .

ومن هؤلاء العلماء : الدكتور محمد عطاء السيد والشيخ محمد تقي العثماني والدكتور عبد الله علوان .

أدلة المجبيزين :

  1. الاستدلال بالأحاديث التي تحث على العمل والإنتاج واستثمار ما عند المسلم من أموال ومن ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فقال أما في بيتك شيئ قال بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء قال ائتيني بها قال فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال من يشتري هذين قال رجل أنا آخذهما بدرهم قال من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثاً قال رجل أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخد درهمين وأعطاهما الأنصاري وقال إشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوماً فأتني به فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده ثم قال له إذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوماً فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا خير لك من أن تجيئ المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أم لذي غرم مفظع ( شديد الشناعة ) أو لذي دم موجع ( من تحمل الدية ) [1] يؤخذ من هذا الإرشاد النبوي للفقير باستثمار ماله القليل فضلاً عن حاجته الأصلية بأن ينتهي المشروع الاستثماري إلى ملكية جماعة المستحقين .
  2. الأخذ بقول من توسعوا في مصرف في سبيل الله . ذهب بعض الفقهاء الموسعين إلى أن المراد من سبيل الله يشمل جميع سبل الخير والمصالح العامة والاستثمار تجلب به المنفعة [2] وهو أمر قال به بعض السلف وأكثر العلماء المعاصرين .
  3. كما يصح إنشاء المشاريع الحربية وآلات الحرب من قبل الإمام من سهم في سبيل الله عند الضرورة عند بعض الفقهاء بناءاً على القياس كذلك يجوز استثمار أموال الزكاة عند الضرورة [3] .
  4. إذا كان جمهور الفقهاء قد اشترطوا ملكية فردية يمكن الرجوع الآن إلى جماعية أو اجتماعية [4] . نظراً إلى المتطلبات العصرية والمقتضيات الراهنة .
  5. يصح استثمار أموال الأيتام من قبل الأوصياء بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم بناءً على القياس . ( إبتغوا بأموال اليتامى لا تأكلها صدقة ) [5] فأموال الزكاة ليست أعظم حرمة وأكبر حرمة من أموال الأيتام [6] وليست أقل أهمية كذلك . والمقصود هنا بحسب هذا الرأي أن يكون المشروع الاستثماري ملك عدد معين من المستحقين وتنوب مؤسسة الزكاة عنهم في إدارة المشروع فيكون ريعه محصوراً عليهم دون منحهم الحق في بيع المشروع وتصفيته .
  6. ذكر القرآن الكريم مستحقي الزكاة دون تخصيص الوسيلة لإبلاغها لهم ، وبهذا يتضح أن الوسيلة إلى ذلك أمر اجتهادي فالأهم المهم تحقيق الغاية في النهاية وهي إبلاغ الأموال إلى مستحقيها [7] .
  7. العمل في هذه المسألة استحساناً خلافاً للقياس ، فإذا كان الأصل عدم الجواز فإنه يستطيع الانصراف عن ذلك من باب الضرورة [8] .
  8. الاعتماد إلى رأي الشافعية في إغناء الفقر وإعطائه كفاية العمر [9] .

بناءً على هذا الرأي تستطيع الدولة الإسلامية أن تقيم أو تؤسس مصانع وعقارات ومؤسسات صناعية وتجارية من أموال الزكاة وتعطى للفقراء كلها أو بعضها لكى تدر عليهم ريعاً يقوم بكفايتهم .

أدلة المنكرين :

استدل المنكرون لاستثمار أموال الزكاة بما يأتي :

  1. إن استثمار أموال الزكاة قد تعتريه الخسارة والضياع [10] لأن أموال التجارة إما خسارة وإما ربح وليس من حق القائمين على الزكاة اعتراءها لهذه المخاطر التي تضر بمصالح الفقراء في ذلك المال .
  2. إن استثمار أموال الزكاة في مشاريع صناعية أو تجارية أو زراعية يؤدي إلى تأجيل توصيل الزكاة إلى المستحقين وهذا عكس لما لما عليه جمهور الفقهاء من أن الزكاة تجب على الفور [11] .
  3. إن استثمار أموال الزكاة يعرضها إلى إنفاق أكثرها في الأعمال الإدارية [12] .
  4. يد الإمام أو من ينوب عنه على الزكاة يد أمانة لا تصرف واستثمار [13] .
  5. إن استثمار أموال الزكاة يدفع إلى عدم تملك الأفراد لها تملكاً فردياً هذا عكس لما عليه جمهور الفقهاء الذين اشترطوا التمليك في أداء الزكاة . لأن الله تعالى أضاف الزكاة للمستحقين بلام التمليك كما أشار إليه الله تعالى : ( إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ ) [14] .

الرد على أدلة المنكرين من قبل المجيزين :

  1. الاعتراء بأن استثمار أموال الزكاة تعتريه الخسارة . يرد عليه بما يأتي : إن احتمال الخسارة في التجارة لا يمنع الاتجار ، وإلا لما قام رجل بالاتجار في أمواله فكما أن الخسارة في التجارة آتيها فكذلك حصول الربح في المال وتنميته آت ثم إن الفقهاء المتقدمين أباحوا إعطاء الفقير كما مر آلة حرفة أو عروض تجارة لكي يستثمرها ويأخد غلتها وهذه الأموال تعتريها الخسارة فلم يمنعها الفقهاء لأجل إتيان الخسارة هذه ، كما أن الفقهاء أجازوا بيع مال الزكاة عند نقله [15] وفي عملية البيع والشراء قد تحصل الخسارة . قبل إقامة أي مشروع استثمار يجب إجراء دراسات اقتصادية أو ما يسمى دراسة الجدوى وبناءً عليها يتم اختيار المشاريع الرابحة ويبتعد عن المشاريع التي فيها مخاطرة عالية مع ضرورة توفير جهاز إداري ذي أمانة وكفاءة اقتصادية ويستطيع أن يكون من المزكين أنفسهم ، فهذا يزيد من طمعهم على أموال الزكاة [16] ومن الإجراءات التي يمكن اتخادها هنا أن تنوع مؤسسة الزكاة في مجالا الاستثمار للحد من المخاطرة وعدم استثمار جميع أموال الزكاة ويمكن القول هنا بأن استثمار أموال الزكاة خلال العام يدر أرباحاً معينة وبالتالي يستفيد منه المستحقون .
  2. القول بأن الاستثمار يؤدي إلى تأجيل توصيل الأموال للمستحقين وينافي الفورية في أداء الزكاة . يرد عليه بأن الفورية حصلت بدفع مالك المال لزكاته تسليمها للدولة أو المؤسسات القائمة بأمر الزكاة [17] أما ولى الأمر فيمكن أن يؤجل الزكاة للضرورة والدليل على ذلك ما رواه أنس بن مالك قال غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي رواحة فوافيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة أي أنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم إبل الصدقة بعلامة خاصة وهذا الحديث يدل على جواز تأجيل إبل الصدقة لإنها لو عجلت لأستغني عن الوسم [18] فيجوز للأمام تأجيل الزكاة إلى الحول الثاني إذا أداه إليه اجتهاده [19] وقد أفتى كثير من العلماء المعاصرين بجواز تأجيل أموال الزكاة لمدة تبلغ سنة إذا كان عمل لجان الزكاة يقتضي ذلك [20] . ويجب ألا تؤجل جميع الزكاة بل يصرف منها للحاجات الطارئة المستعجلة لا تحتمل التأويل .
  3. استدل المنكرون بضياع جزء كبير من أموال الزكاة في النفقات الإدارية . يرد على ذلك بأن هذه النفقات يمكن أن تعد من نصيب العاملين عليها ويجب على القائمين على استثمار أموال الزكاة العمل على تنقيصه أو إقلال هذه النفقات إلى أقل قدر ممكن . وعلى كل حال فإن المال الذي ينفق في هذه الناحية لا تضيع هباءاً منثوراً ولا تذهب سدى وإنما يسنح فرص عمل لعدد من الأفراد ، ربما كانوا يواجهون من الفقر والفاقة والبطالة ويقترح البعض أن تكون النفقات الإدارية من أموال الصدقة التطوعية والتبرعات ، ثم إن هذه النفقات تضاف إلى سعر السلعة المنتجبة عند البيع وهكذا يتم تعويض هذه النفقات .
  4. القول بأن يد الإمام على الزكاة يد أمانة لا تصرف . يجاب عليه بأنه قول غير مسلم به ، لأن الفقهاء ذكروا نصوصاً تجيز التصرف بمال الزكاة في بعض الأحوال مثل بيع أموال الزكاة ونقلها ، ذهب إلى ذلك المالكية والشافعية والحنابلة [21] فكما جاز تصرف البيع للضرورة يجوز الاستثمار للضرورة أيضاً .
  5. الاعتراض على استثمار أموال الزكاة كونه منافياً لمبدأ التمليك الذي اشترطه جمهور الفقهاء يرد عليه بأن التمليك ليس محل إجماع من الفقهاء وقد إختلفوا فيه على أربعة أقوال :

القول الأول : اشتراط التمليك لجميع مستحقي الزكاة من الأصناف الثمانية ذهب إلى ذلك الحنفية الذين كانوا أكثر المذهب تمسكاً بشرط تمليك أموال الزكاة حيث عدوه من أركان الزكاة يقول صاحب الهداية لا يبنى بها مسجد ولا يكفن بها ميت لانعدام التمليك وهو الركن [22] .

القول الثاني : اشتراط التمليك من الأصناف الأربعة الأولى وهم الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم لأن الله أضاف الزكاة إليهم بلام التمليك دون الأصناف الأربعة الأخيرة الذين عبر الله عنهم     ” في ” وهذا رأي الشافعية والحنابلة جاء في المهذب أضاف جميع الصدقات إليهم للأصناف الأربعة بلام التمليك وأشرك بينهم بواو التشريك ، فدل على أنه مملوك لهم مشترك بينهم [23] .

القول الثالث : التمليك في أصناف الأربعة بالإضافة إلى ابن السبيل . وهو رأي المالكية [24] .

القول الرابع : عدم اشتراط التمليك مطلقاً وهو رأي الشيعة والشوكانى حيث يقول : وأما التعليل بالعلل الفرعية من كون الزكاة تمليكاً فليس ذلك مما تقوم به الحجة بل هو في نفسه عليه [25] وقد رجح هذا الرأي عدد من الفقهاء المعاصرين ومنهم أبو الأعلى المودودي والشيخ محمد أبو زهرة [26] ودار الإفتاء المصرية [27] والأستاذ مصطفى الزرقاء حيث يقول ” لا ” تكون للتمليك وتكون كذلك للتخصيص وإذا أردنا أن نحصرها بالتمليك الفردي فقد عطلنا كثيراً من فوائد الزكاة وما يمكن أن تحله من مشكلات وأين الدليل على التمليك الفردي من      ” لام ” حتى إنني لا أرى فرقاً بين اللام وفي حيث إن النصوص المتعلقة الزكاة عبرت بكليهما فمثلاً في القرآن العظيم جاء للفقراء باستخدام اللام ، أما الحديث النبوي فقد استخدم ” في ” عندما سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تأخد هذه الأموال من أغنيائنا فترد في فقراءنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم [28] فأقره الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه عبر ” في ” [29] .

هكذا فمسألة التمليك ليست محل إتفاق بين الفقهاء قديماً وحديثاً هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يمكن القول بالتمليك الجماعي كما يقترح بعض العلماء المعاصرين [30] .

المبحث الثاني :

شروط استثمار أموال الزكاة :

إذا كان العلماء قد قرروا جواز استثمار أموال الزكاة فإنهم قد اشترطوا عدة من الشرائط التي لا بد من توافرها وهي :

  1. أن يتحقق من استثمار أموال الزكاة مصلحة حقيقة راجحة للمستحقين كتأمين مورد دائم يحقق الحياة الكريمة لهم .
  2. أن تكون مجالات الاستثمار مشروعةً كالتجارة والصناعة والزراعة ولذا فلا يجوز استثمار أموال الزكاة في مجال من المجالات المحرمة كالربا والرشوة والغش وغير ذلك .
  3. اتخاذ الاحتياط التي تكفل بقاء الأموال المستثمرة وأرباحها ملكاً للمستحقين .
  4. أن يتولى الإشراف على عمليات استثمار أموال الزكاة أهل الأمانة والخبرة .
  5. أن يسيق قرار الاستثمار دراسات دقيقة من أهل الخبرة تتعلق بالجدوى الاقتصادية للمشروع الاستثماري ، فإذا غلب على الظن تحقق الأرباح من ذلك المشروع باشر من في إنشاه .
  6. أن تستثمر في مجالات يسهل معها تحويل هذه الاستثمارات إلى رأس مال يغطي الحاجات الطارئة والملحة للمستحقين .
  7. أن يكون بالإمكان تنضيد المشروع في أي وقت ، والتنضيد هو تحويل الأعيان إلى نقود بيعها مثلاً .
  8. إذا بيع المشروع أو صفي لأي سبب ، يصير ثمنه وكل ما بقي منه ضمن أموال الزكاة حيث يعود إلى مستحقي الزكاة كالمعتاد .

المبحث الثالث :

أنواع المشاريع الاستثمارية لأموال الزكاة :

استثمار أموال الزكاة ليست محصوراً من جهة واحدة قحسب بل من جهات مختلفة متنوعة ومن ذلك إقامة أو إنشاء مشاريع ذات ريع سواء أكانت كبيرةً أم صغيرةً وتوزيع ما يدره المشروع من أرباح على  المستحقين ، ومن ذلك إقامة أو إنشاء أو تأسيس مصانع ومجالات تجارية وعلى سبيل المثال : مصنع الصفا لمنتجات الألبان التابع للجنة زكاة نابلس في   فلسطين .

ويمكن إقامة مشاريع خدمية كالمستشفيات والمستوصفات والمدارس بحيث تكون مملوكةً لمؤسسة الزكاة ويستنفع المستحقون من خدماتها الصحية والتعليمية بشكل مجاني أو بتكلفة جزئية أو رمزية وإذا استنفع غير المستحقين منها فبمقابل مادي وعلى سبيل المثال : مستشفى الرازي ومدرسة الإيمان التابعين للجنة زكاة جنين ومستشفي الزكاة التابع للجنة زكاة طولكرم .

يمكن إعطاء أموال الزكاة للفقراء لإقامة مشاريع صغيرة ويصير هذا المشروع ملكاً لهذا الفقير بدون الحاجة لإعادة أو رجوع هذا المبلغ ولكن من الجهة العملية بسبب قلة أموال الزكاة فقد اضطرت لجان الزكاة إلى استرجاع قيمة المشروع كاملة . هذا الحكم بحثه الفقهاء قديماً وقالوا بجوازه من أثناء إعطاء الفقير مالاً مثمراً حتى لو لم يقم بإعادته لما فرضت الشريعة السمحة الزكاة في الإبل جعلتها في النوق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصدقة في أربع وعشرين من الإبل فدونها الغنم في كل خمس شاة وفيها فوق ذلك إلى خمس وثلاثين ابنة مخاض . فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر وفيما فوق ذلك إلى خمس وأربعين بنت لبون وفيما فوق ذلك إلى ستين حقة طروقة الفحل وفيما فوق ذلك إلى خمس وسبعين جذعة وفيما فوق ذلك إلى تسعين ابنتا لبون وفيما فوق ذلك إلى عشرين ومأة حقتان طروقتا الفحل فما زاد على ذلك من الإبل ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة وفي سائمة الغنم إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومأة شاة وفيما فوق ذلك إلى مأتين شاتان وفيما فوق ذلك إلى ثلاث مأة ثلاث شياه فما زاد على ذلك ففي كل مأة شاة ( الموطأ لمالك ) .

وربما تكون الحكمة في ذلك أن الناقة استثمار منتج لأنها تلد وتعطي اللبن.ويمكن لبعض المزكين مما تبلغ زكاة أموالهم مبالغ ذات جدوى اقتصادية أن يعطوا الفقير ما ينشئ به مشروعاً منتجاً يلائمه فأن كان نجاراً يعطى ما ينشئ به منجرة وإن كان حداداً يعطى ما ينشئ به محددة وهكذا . وبذلك ترى أنه يستطيع إبداع وسائل عديدة من الاستثمار توافق مع مقصد الشريعة الإسلامية من فريضة الزكاة بسد عوز الفقراء .

خاتمة البحث :

بعد العرض والدراسة لهذا الموضوع توصل إلى نتائج أهمها :

الراجح الذي تعضده آراء العلماء المعاصرين ورأي المجيزين والمانعين وأدلة كل منهم هو القول بجواز استثمار أموال الزكاة ، وأيضاً هذا الرأي صدر عن الندوة الثالثة لقضايا الزكاة التابعة للهيئة العالمية للزكاة المنعقدة في الكويت سنة 1992م حيث انتهت الندوة إلى ما يلي : تؤكد الندوة قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن توظيف أموال الزكاة في مشاريع ذات ريع مهما كان الأمر ، أما المقصود في مال الزكاة هو إبلاغها إلى من يستحقها وأيضاً على الباحثين في مجال الدراسات الفقهية العناية بأحكام أموال الزكاة واستثمارها وما يتعلق بالمسائل المستجدة لهذه الأموال ولا تزال بعض مسائل الزكاة المستجدة لحاجة إلى مزيد من البحث في أبحاث علمية متخصصة تلقي الضوء على تفاصيلها وتميط اللثام عن خفاياها مع أهمية ربط البحوث النظرية في هذا المجال للاطلاع على الواقع تحرياً لدقة فهم هذه النوازل الفقهية .

هذا وإن كان الباحث قد أصاب شيئاً فلله المنة والفضل وإن كان قد أخطأ فإنه بشر يخطئ ويصيب ، والكمال لله وحده وهو الفتاح  العليم .

*  الكلية البخارية ، تشنائي ، تامل نادو ، الهند .

[1] الترمذى : سنن الترمذي 3/522 ، ضعفه الألبانى في مشكاة المصابيح .

[2] القرضاوي : مجلة مجمع الفقه الإسلامي .

[3] علي آدم عبد الله : مجلة مجمع الفقه الإسلامي . النووى : المجموع : 7/ 350 .

[4] الزرقاء : مجلة مجمع الفقه الاسلامى ، 3/1183 .

[5] البيهقي ، أبوبكر أحمد بن الحسين بن على بن عبد الله بن موسى الخسر وجددي          ( 458هـ )  ، السنن الكبرى  ، 10 مج ، تحقيق محمد عبد القادر عطا  ، 16 ج 6  ، ص 23 ، بيروت : ( دار الكتب العلمية  ، 1994م ) ، وقال إسناده صحيح وله شواهد من قول عمر .

[6] الاشقر وآخرون : أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعصرة شبير : استثمار أموال الزكاة رؤية فقهية معاصرة ، 2/521 .

[7] الأمين  ، حسن عبد الله مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، 3/1173 .

[8] الفوفور : مجلة الفقه ، 3/1185 .

[9] انظر : ص 46 – 47 من هذه الرسالة . ( ولم نطلع عليها بعد )

[10] عبد الله آدم : مجلة مجمع الفقه .

[11] علوان : أحكام الزكاة ، ص 97 .

[12] عثماني تقي : مجمع الفقه ، 3/1135 .

[13] آدم : مجلة مجمع الفقه ، 3/1171 .

[14] التوبة : 60 .

[15] انظر : الونشريسي : المعيار المعرب ، 1/382 .

[16] الخياط : مجلة مجمع الفقه ، 3/1190 .

[17] القرضاوى : مجلة مجمع الفقه 3/1183 .

[18] أخرجه البخاري في صحيحه  ، كتاب الزكاة  ، باب وسم الإمام إبل الصدقة بيده حديث رقم ( 1502 )  ، ج 1 ، ص 332 .

[19] الحطاب  ، مواهب الجليل شرح مختصر خليل ، 2/ 364 .

[20] انظر : مجلة مجمع الفقه الاسلامى 4/25 .

[21] انظر : الخوضي ، حشية الخرشي 2/526 ، أنظر : النووى : المجموع  ، 6/120 ، أنظر : ابن قدامة : المغنى : 674 .

[22] المرغيناني : الهداية  1/113 ، انظر نظام : الفتاوى الهندية ، ابن عابدين : حاشية رد –     – المختار 2/345  الطحاوي ، السيد أحمد : حاشية الطحاوي على الدر المختار ، 4 مج  ، بيروت : دار المعرفة 1975 م  ، 1/388 ، ابن الهمام  ، كمال الدين محمد بن عبد الواحد ، ( ت 681هـ ) : شرح فتح القدير  ، 9 مج  ، مصر  ، مصطفى الحلبي .

[23] الشيرازي ، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز آبادي ( ت 476هـ ) : المهذب ، 2 مج  ، ط 2 ، بيروت : دار المعرفة  ، 1959م ، 1/178 . وانظر : الشربيني مغنى المحتاج ، 3/106 ، الكيالهداسي ، عماد الدين محمد الطبري ( ت 504هـ ) : أحكام القرآن 2 مج ، بيروت ، دار الكتب العلمية  ، 1985م  ، 4/91 ، ابن تيمية : مجموع الفتاوى ، 25/80 ، المرداوي : الإنصاف 3/234 .

[24] الدسوقي : حاشية الدسوقي 296/297 ، الونشريسي : المغيالر المعرب  ، 1/399 .

[25] الشوكاني : السيل الحرار .

[26] الإشفر وآخرون : أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة ، شبير مبدأ التلمليك ومدى اعتباره في صرف الزكاة ، 1/414 .

[27] عبده ، محمد وآخرون ، الفتاوى الإسلامية ، دار الإفتاء المصرية ، 10/129 .

[28] سبق تخريجه ، ص 51 ، وهو حديث صحيح .

[29] الزرقاء : مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، 3/1193 .

[30] انظر : عبادي ، عبد السلام ، مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، 3/1188 .