أهمية ” القلم ” في حياة الإنسان !

أخي القارئ الكريم !   
مايو 3, 2021
مسئولية المسلمين في العالم اليوم !
يونيو 2, 2021

الافتتاحية :            بسم الله الرحمن الرحيم

أهمية ” القلم ” في حياة الإنسان !

أول سورة أنزلها الله سبحانه وتعالى في أول وحي على خاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة ، شملت ذكر القلم باسم الرب تبارك وتعالى الذي خلق الإنسان من علق ، ثم أكرمه بالعقل والتمييز وقوة القراءة وفصاحة البيان ، وعلمه ما لم يكن يعلم ، فكان خلق الإنسان في الواقع لجميع أدوات العلم والقراءة والكتابة التي تميز بها الإنسان بين الكائنات كلها ، وكان بدء الوحي منذ ذلك الوقت ، وقد تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بداية النبوة للرسول الخاتم من خلال رؤياه الصادقة وتحببه الوحدة ، والخلاء في مكان بعيد عن الناس ، فكان يخلو بنفسه وصديقه المخلص في غار حراء ويقضي فيه معظم أوقاته الغالية في الاتصال بالله تعالى والمناجاة معه ، وقد جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في حديث طويل يشرح الموضوع بوضوح تام ، تقول : أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم ، فكان لا يرى رؤياً إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حُبِّب إليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه – وهو التعبد – الليالى أولات العدد قبل أن يرجع إلى  أهله ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ ، فقال : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) [ سورة العلق : 1 – 5 ] .

ومن ثم كان القلم ذا قيمة سماوية عظيمة ، وكان له دور أساسي في رفع مكانة الإنسان في العالم الذي كان الإنسان فيه أفضل خلق بين جميع الكائنات ، فإنه هو أفضل أداة وأكرم أساس في وضع كل شيئ مما أكرم به من عظمة وقيمة ، فقد كان خاضعاً أمام لباس الإنسانية ، الذي خلعه الله سبحانه عليه وجعله خليفةً في الأرض ، يخضع أمام الأوامر والنواهي التي بينها كتاب الله تعالى وسنة رسوله خاتم النبيين ( صلى الله عليه وسلم ) في الكتاب والسنة بشيئ كثير من الوضوح والتفصيل .

لقد شهد التاريخ الإنساني فترة من الحياة ، حاد فيها الإنسان من الجادة المستقيمة وعاش في غفلة ، وذلك في العهد التاريخي المعروف بالجاهلية ، الذي قد امتد إلى ستة قرون قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومن إشراق شمس الإسلام ، سجل التاريخ تلك الفترة التي انحرفت فيها الحياة وباتت تعيش أهواء النفس وطريق الشيطان  اللعين ، بأنها أظلم فترة في تاريخ التميز الإنساني ، فلولا أن الله سبحانه كان قد قضى فيها أن يتيح فرصةً أخيرةً للخروج من الغواية إلى الإيمان المشرق الذي كان قد غربت شمسه ، أن ينور العالم كله بنور وهاج ، فلولا قدر الله تعالى ذلك لكان الإنسان قد ذاب تحت الوثنيات وعبادة الأصنام والأوهام .

ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يقدر للإنسان التائه ، والبيئة الجاهلية التي امتدت إلى ستة قرون فرصةً أخيرةً لحياة إنسانية سعيدة وبعث رسوله الكريم محمداً صلى الله عليه وسلم تحقيقاً لأغراض إنسانية وحاجات بشرية ، وذاك مع دستور كامل دائم للحياة والكون والإنسان ، وأعلن مدوياً : ( يا أَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ) ، فبلغ هذه الرسالة إلى عالم البشر ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، حيث إن أعضاء الجاهلية الوثنية كانوا أقوياء ، وعدد المؤمنين بالرسول الأعظم كان قليلاً يُعد بالبنان ، ولكن الحق إنما يغلب على الباطل رويداً ، فتكاثر عدد أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى امتلأت أرض مكة بالمسلمين المتحابين ، وظل يتقاصر وينتقص عدد الوثنيين والمعادين ، يقول الله تعالى : ( وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا ) .

فلولا أنعم الله تعالى علينا بنعمة القلم لم يكن هناك شيئ من تاريخ الإنسان والعالم ، ولا كانت جولة وصولة في المجتمعات البشرية لإنشاء مراكز العلم والثقافة وأنواع الآداب والتربية والشرف والعزة والكرامة التي كرم بها النوع البشريَ بكامله خالق الأرض والسماء ، وكل ذلك لمجرد نفع الإنسان مهما وأينما كان ، وتمييزه من ذوات الأرواح كلها في هذا الكون الواسع العظيم .

فإذا كانت وُجدت هناك طائفة من الناس لا يعرفون للقلم حقه ، ويتجاوزن الحدود في استخدامه ، ويحيدون عن الطريق المستقيم فيستعملون القلم في الهدم وتحريف طريقه المستقيم إلى أمور لا تمت إلى تحقيق ذلك الهدف المنشود الذي أقسم الله سبحانه وتعالى به وبما يسطرونه ، في سورة القلم ، فقال : ( نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ . مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ . وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ . وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ، ألا يتبين بهذه الكلمات العالية والآيات الإلهية ما أودع الله فيه من قوة التعليم والتربية على أساس من الخلق العظيم .

وذلك هو الخلق العظيم الذي انحرفت به الطريق ، حتى انتقل من البناء إلى الخراب ، ومن الصلاح إلى الفساد ، وأصبح آلةً إلى محاربة دين الله تعالى ونشر الفساد في الأرض ، كما هو معلوم ومسجل في تاريخ الإنسان قديماً وحديثاً ، حتى استغلوا هذه النعمة في تحقيق مآربهم الخسيسة ، ولا يزالون .

لذلك فإن أمانة القلم إنما أكرم الله تعالى بها الكائن البشري وهو مسئول في جميع الظروف والأحوال أن يضعه في البناء ويصونه عن الفساد والتدمير ، وسوء الآداب ، وفرصة الانتقام ، إلا أننا نرى أنه قد وُضع اليوم بل في كل عهد في شئون لا يرضاها خالقه ولا يسمح باستغلاله في توسعة مجال العصيان والنكران ، ومن ثم فإن من أكرم بالعلم والدين بتوفيق من الله ، يلزمه أن لا يتناسى حقيقة هذه النعمة الجليلة ومواقع استعمالها التي هي مشروحة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

وقد ذكر الله سبحانه لفظ القلم مفرداً في سورة اقرأ ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) ( 3 – 4 ) ، وفي سورة القلم : ( نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) ( 1 ) ، وجاء جمعاً ( أقلام ) في سورة لقمان ( وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ ) ( 27 ) ، وجاء الجمع بالضمير ( أقلامهم ) في سورة آل عمران ( وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ) ( 44 ) .

وفي الحديث النبوي الشريف : عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أول شيئ خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيئ . وعنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” يؤتى بصاحب القلم يوم القيامة في تابوت من نار مقفل عليه بأقفال من نار ، فإن كان أجراه في طاعة الله ورضوانه فُك عنه التابوت ، وإن كان أجراه في معصية الله هوى به في التابوت سبعين خريفاً حتى باري القلم ولايق الدواة . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” أول شيئ خلقه الله القلم ثم خلق النون ، وهي : الدواة . ثم قال : اكتب . قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة ، فذلك قوله عز وجل : ( نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) ثم ختم على القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة . وعن عائشة رضي الله عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : رُفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ ، والمبتلى حتى يفيق . وعن عبد الله ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما خلق الله القلم قال له : اكتب ، فجرى بما هو كائن إلى قيام الساعة .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .

سعيد الأعظمي الندوي

15/شعبان/1442هـ

29/مارس/2021م