وُلد الهدى فالكائنات ضياء
أغسطس 26, 2026الافتتاحية : بسم الله الرحمن الرحيم
نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم وقيادته الحكيمة
بعث الله تعالى لهداية الإنسانية وإرشادها إلى الصراط المستقيم أنبياء ورسلاً ، كانوا أسوةً كاملةً ، وقدوةً حسنةً في جميع شئون الحياة ، وقد أنزل معهم الكتب السماوية لتكون دستوراً كاملاً ، ومنهجاً شاملاً تستنير منها البشرية ، وقد جرت هذه السلسلة الذهبية من سيدنا آدم عليه السلام ، وانتهت على خاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم ، فالفارق الأساسي بين الأنبياء السابقين ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو أنهم كانوا يُبعثون إلى مناطقهم وشعوبهم وأقوامهم ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث إلى الأسود والأحمر ، وكان رحمةً للعالمين ، وملجأً للشاردين والحائرين ، ونوراً للمستنيرين ، وقد تجلت عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنبياء والمرسلين ، بحيث إن الله تعالى قد عهد إليهم أنه إذا جاء هم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به ولينصرنه ، وقد رفع الله شأن محمد صلى الله عليه وسلم بين الأنبياء والمرسلين ، بحيث خصه بإمامتهم ليلة الإسراء والمعراج ، وجعله إمام القبلتين ، فهو أول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع ومشفع ، وبيده لواء الحمد وجميع الأنبياء تحت لوائه ( سنن الترمذي ) .
كان رسولنا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم قائداً عظيماً ، وكانت قيادته مثاليةً ونموذجيةً ، وكان يعرف أن القيادة ليست وسام فخر أو علامة شرف ، بل هي طريق محفوف بالشوك والقتاد ، تعتوره وهاد ونجاد وكهوف ومغارات ، فلا تكون القيادة مؤثرةً إلا إذا كانت متحليةً بالثقة والقوة ، والفكر والتدبر ، وقد ذكر الخبراء للقيادة ست صفات وهي مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الدين ، وحفظ النفس ، وحفظ العقل وحفظ المال وحفظ النسل ، فلم تكن غاية القيادة إلا هداية الإنسانية وتقديم حل ناجع لمشكلاتها ، وتوفير الأمن والسلام في المجتمع ، وربط كل فرد من أفراد هذا المجتمع بسلك الحب والفداء ، وإقامة الوحدة والتضامن بالتحلي بالحلم والصبر حتى يكون الناس كالبنيان المرصوص ، فتحمل الأخلاق الحميدة وخدمة الخلق عنصراً أساسياً في القيادة البناءة ، يقول الشاعر الجاهلي :
إذا شئت يوماً أن تسود عشيرةً فبالحلم سُد لا بالتسرع والشتم
إن القرآن والحديث حافلان بذكر القيادة العامة والسيادة المطلقة ، فالقادر المطلق في هذا الكون هو الله سبحانه وتعالى : ( تَبَارَكَ ٱلَّذِى بِيَدِهِ ٱلْمُلْكُ ، وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ الملك : 1 ] ، وقال تعالى : ( قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ آل عمران : 26 ] ، فنظراً إلى هذا جعل الله الإنسان خليفةً في الأرض ، والخلافة تكون ظاهرةً ، وباطنةً ، ففي الخلافة الظاهرة إقامة العدل والمساواة ، وأداء الأمانات إلى أهلها ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ) [ المائدة : 8 ] ، وفي الخلافة الباطنة أداء العبادات وتحلية النفوس بالصفات الحميدة ، أما الحديث النبوي فإنه تحدث عن القيادة قائلاً : إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامةً يوم القيامة ، فنعمت المرضعة ، وبئست الفاطمة ( صحيح البخاري : 1748 ) .
إن السيرة النبوية على صاحبها ألف ألف تحية وسلام هي منارة نور لجميع طوائف البشر ، وهي خير زاد يستطيع أن يبني كل إنسان حياته على أسس سليمة من الإيمان والتقوى ، وقد ركز النبي صلى الله عليه وسلم في أسوته على إيقاظ الشعور ، والأخذ بالوعي في كل صغير وكبير ، ودقيق وجليل ، ذلك لأن فقدان الوعي في هذه الأمة هو أخوف ما يخاف على أمة ، ويعرضها لكل خطر ، ويجعلها فريسةً للمنافقين ولعبة العابثين حسب تعبير الإمام أبي الحسن على الحسني الندوي ، وقد وجدت فيها أمثلة رائعة ، ونماذج حية للضمير الحي ، مرةً بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريةً ، وأمر عليهم أحد رفاقه ، وقد غضب أثناء السفر أمير السرية على شيئ ، فأمر الناس بأن يأتوا بالحطب من الغابة ، فجمعوا ، ثم قال : أحرقوا فيه النار ، فأحرقوا ، ثم قال : اقذفوا بأنفسكم فيها ، فتوقفوا ، وقال : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
إن قيادة النبي صلى الله عليه وسلم الحكيمة تتميز بسمات يندر نظيرها في القيادات الأخرى ، وهي على ما يأتي :
(1) الشورى (2) العدل والإنصاف (3) الحلم والمصابرة (4) التعليم والتربية (5) الاقتصاد (6) الوحدة والاجتماع (7) السياسة الحكيمة (8) القيادة العسكرية (9) التدريج الكامل (10) إعداد الرجال .
نذكر نبذةً منها :
(1) الشورى : لم يفرض النبي صلى الله عليه وسلم رأيه على أحد ، ولا يكلف الصحابة للعمل به ، بل استفسر رأي كل فرد من أفراد الشورى ، رغم أنه كان يملك مواهب كثيرةً ، وصلاحيات متنوعةً من الله تعالى ، وكان إنساناً كاملاً في معنى الكلمة ، وقد أكرمه الله تعالى بالنبوة والرسالة ، وربَّاه خير تربية ، وأدَّبه أحسن تأديب ، لكنه كان يقول : ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم ( الأدب المفرد للإمام البخاري ) ، وقال : يد الله على الجماعة ، ومن شذ شذ في النار ( جامع الترمذي : 1848 ) ، فكان صلى الله عليه وسلم يقدم في كل شيئ أمرين : (1) الاستخارة (2) الاستشارة ، وقد تجلت روائعهما في السيرة النبوية ، بدأ النبي صلى الله عليه وسلم حياته بالتجارة ، وقد سافر إلى اليمن والشام والبحرين فاستشار في ذلك من عمه أبي طالب ، بل رافقه في بعض رحلاته ، وكانت السيدة خديجة خير مستشارة له بعد الزواج ، وقد خصص دارا أرقم بن أرقم مركزاً للدعوة بعد مشورة تامة ، وهي دار تحمل مكانةً استراتيجيةً في نشر الدعوة الإسلامية ، ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة استشار في بناء المسجد ، وشاور في غزوة بدر وغزوة أحد وغزوة الخندق ، وقد عمل بمشورة الصحابي الجليل سلمان الفارسي في حفر الخندق ، فكانت قضاياه بعد المشورة صائبةً ، وآراؤه سديدةً .
(2) العدل والإنصاف : مما تتميز به القيادة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار العدل والمساواة في الأمور الفردية والاجتماعية ، وكانت نصب أعينه أجمع آية في كتاب الله تعالى : ( إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ ) [ النحل : 90 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح : اتقوا الظلم ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ( صحيح مسلم : 2578 ) ، فأعظم نموذج في هذا الأمر هو مشاركته قبل النبوة في حلف الفضول ، الذي كان معاهدةً سلميةً ضد الطغاة المجرمين الذي يغصبون أموال الناس بقهر وقسر ، وكان صلى الله عليه وسلم يقول بعد النبوة : لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم ، ولو دُعيت به إلى الإسلام لأجبت ( مسند الإمام أحمد بن حنبل ) ، وبعد ما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة جمع قبائل العرب ، وعاهدهم على أمور متفق عليها ، وهي ما يعرف بميثاق المدينة ، فكانت فيها بنود ومواد ، روعيت فيها كل طبقة وكل فرد من أفراد المجتمع ، ومما يتجلى منه عدل النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأةً من بني مخزوم قد ارتكبت سرقةً ، وقد أراد الناس أن يعفى عقابها ، وجعلوا أسامة بن زيد شفيعاً في هذا الأمر ، فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : أتشفع في حد من حدود الله ، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها .
(3) الحلم والصبر : من أعظم سمات القيادة النبوية الحلم والصبر ، كان صلى الله عليه وسلم حليماً ، يكظم الغيظ ، ويصبر على الأذى ، ولا ينتقم من أحد ، فإذا تعدى الحق لم يقم لغضبه شيئ ، وقد أمره الله تعالى : ( خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ ) [ الأأعراف : 199 ] ، وقال : ( ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ) [ فصلت : 34 ] ، فكان صلى الله عليه وسلم في العهد المكي يكف يده عن المشركين ، ويمنع أصحابه عن أي رد فعل ، عملاً بقول الله تعالى : كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ، ، وقد قال مرةً مخاطباً آل ياسر ، وقد أوذيت هذه الأسرة إيذاءً شديداً : صبراً يا آل ياسر ! فإن موعدكم الجنة ، وقد تجلى صبره وحلمه في غزوة حنين حينما كان يوزع بالجعرانة التبر والغنائم ، وهو في حجر بلال ، فقال رجل : اعدل يا محمد فإنك لم تعدل ، فقال عمر رضي الله عنه : دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق ، فقال صلى الله عليه وسلم : إن هذا في أصحاب أو أصيحاب له يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ( صحيح البخاري : 3138 ) .
كانت قيادة النبي صلى الله عليه وسلم في كل جزء من أجزاء الحياة حكيمةً ، فكان صلى الله عليه وسلم يخطط تخطيطاً دقيقاً ، ولا يستسلم للواقع وصعوباته ، بل كان يواجه كل ذلك بوجه باسم ، وصبر دائم ، وتتجلى هذه الحكمة في هجرته إلى المدينة المنورة فإنه اختار طريقاً غير مألوف للسفر ، كما اختار أبا بكر رضي الله عنه رفيق الطريق ، واختار عبد الله بن أبي بكر ليقوم بنقل الأخبار له ، وأسماء بنت أبي بكر لتمدهم بالطعام والشراب ، وعامر بن فهيره ليمحو آثار الأقدام ، وعبد الله بن أريقط ليكون دليلاً للطريق ، رغم أنه كان غير مسلم ، لكنه كان ماهراً خريتاً ، هكذا كانت قيادته في مجال التعليم والتربية ، وفي مجال الاقتصاد والحروب والغزوات ، والسياسة المدنية ومجال إعداد الرجال ، فصاغ المجتمع الإسلامي صياغةً في مدة قصيرة ، ما زال ولا يزال يُشار إليه بالبنان ، وتنفس الناس في ظله الصعداء ، واستراحوا ، ولا يزالون يستريحون بإذن الله إلى يوم القيامة ، قال الله تعالى : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ ) [ آل عمران : 159 ] والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .
سعيد الأعظمي الندوي
8/2/1448هـ
23/7/2026م

