الشيخ عبد الحليم البخاري : صفحات مشرِقة من سيرته

رجال من التاريخ : صلتي بالأديب الضليع والشاعر المفلق
أغسطس 26, 2026
الأستاذ الدكتور عباس محجوب محمود : ذكريات من الماضي
أغسطس 26, 2026
رجال من التاريخ : صلتي بالأديب الضليع والشاعر المفلق
أغسطس 26, 2026
الأستاذ الدكتور عباس محجوب محمود : ذكريات من الماضي
أغسطس 26, 2026

رجال من التاريخ :

الشيخ عبد الحليم البخاري : صفحات مشرِقة من سيرته

الأستاذ محمود مجيب *

الشيخ عبد الحليم البخاري – أو بخاري بنغلاديش في أواخر القرن العشرين الميلادي وما بعده ، كما يصف بذلك أحد أبرز أعلام بنغلاديش ، من عباقرة المحدثين الفضلاء ، ومن صناع الرجال البارعين النبلاء ؛ تربى على يديه أطر طيبة من الجهابذة والدعاة ، وكان – رحمه الله – باحثاً إسلامياً تميز بإصابة الرأي وحصافة الفكر ، فشغل مناصب إداريةً ودعويةً شتى في مجال الدعوة والفكر والتعليم ، وترأس الجامعة الإسلامية فتية – هي من أقدم وأشهر الجامعات الإسلامية في بنغلاديش – ، عبر عقد كامل ، وتولى منصب الأمين العام لهيئة اتحاد المدارس الأهلية بنغلاديش – هيئة تعليمية كبرى في بنغلاديش – ، أكثر من ثلاثة عقود .

اسمه الكامل : هو محمد عبد الحليم ” البخاري نسبةً إلى            ” بخارى ” الواقعة في ما وراء النهر قديماً وفي أوزبكستان حديثاً ، حيث ينتمي إليها الشيخ نسباً .

مولده ونشأته :

وُلد – رحمه الله – في شهر يناير يوم الأربعاء سنة ١٩٤٥ الميلادية ، الموافقة سنة 1363 الهجرية تقريباً في مقر الشرطة ” راجغهاتا ” من شبه المحافظة ” لوهاغارا ” بمنطقة شيتاغونغ في بيت مسلم ديني شريف المحاتد وكريم الأعراق ، متميز من بين البيوتات الأخريات . فقد تيسر للشيخ أن يتمتع في صباه ببيئة علنية ودينية فذة ، قد شجعته دوماً في مسيرة حياته على الصمود في الصراط المستقيم ، فكانت أسرته هي المدرسة الأولى بالنسبة له .

دراسته :

ترعرع الشيخ البخاري في أسرة علمية ، فانقضى صِباه في جو قد خيم عليه العلم والعمل ، وعوده على التسبيح والتهليل ، فأخذ ما محا عنه الأمية من الوالدين الكريمين في البيت ، حتى أنبته الله نباتاً حسناً ، فلما بلغ خمس أو ست سنين من عمره التحق بـ ” المدرسة الحسينية عزيز العلوم ، راجغهاتا ، لوهاغارا ” ، وتلقى فيها مبادئ الكتابة والحساب والعلوم العربية والدينية ، ودرس هنا من الابتدائية ، ثم اتجه الشيخ إلى إحدى أبرز وأقدم الجامعات الإسلامية ببنغلاديش ” الجامعة الإسلامية ،   فتية ” ، والتحق بها في الصف الثالث من الثانوية ، فكان التحاقه بها فرصةً غاليةً لإرواء غليله وتبليل ظمأه الذي لا يكاد ينتهي نحو العلوم النبوية ، وقد حصل له التفوق في جميع الاختبارات ، وفاق على أقرانه ، وقرأ فيها كتب الأحاديث النبوية على شيوخها وأساتذتها الأجلاء الذين لهم أثر جلي في تكوينه العلمي والعملي ، فلم ينس الشيخ الرحيل – رحمه الله – انتهاز هذه الفرصة ، وهنا تفتحت قريحته ، وبرز نبوغه ، وتجلت مواهبه ، وأخذ من أساتذته علوم القرآن والحديث والفقه والعقيدة والأدب والفلسفة حتى بلغ الصف الأخير ” دورة الحديث الشريف ” سنة  1385 الهجرية الموافقة ١٩٦٤ الميلادية ، وفي هذا الصف بلغ جهدُه ومثابرته الذي تميّز به غايتَه ، واستنفد قصارى جهده ، فلم تذهب جهوده الجبارة عبثاً ، فقد فاز بتقدير الممتاز الأول في الاختبار النهائي ، وكانت النتيجة – بإذن الله – داعية للاستعجاب والاستغراب ؛ حيث بلغت مجموعة درجاته المحصلة ” 603 ” وكانت مجموعة الدرجات الكاملة الموزعة ” 600 ” .

بعد أن أتم ” دورة الحديث الشريف ” التحق بقسم اللغة البنغالية التي قد أنشأها في تلك السنة الرئيس السابق للجامعة الحاج محمد يونس – رحمه الله – ، ولم ينطفئ عطشه الجامح للعلم ، بل ازداد ، فازداد ؛ وشارك في الامتحانات الحكومية : عالم ، وفاضل . وقد حاز المرتبة الأولى في الامتحان الحكومي ” فاضل ” ، ولم تتوقف مسيرته العلمية إلى هنا ، فقد التحق فيما بعد بدورة المعالجة المثلية أو الهميوباثية عن طريق البريد ، وشارك في الامتحان تحت رعاية الجامعة الهميوباثية بلاهور           ( Homeopathic Medical College, Lahore Dawn )، فكان الشيخ من أولئك الأفذاذ الذين كانوا أماثل نيرة ونماذج حية للربط بين الأصالة والمعاصرة وبين الجديد والقديم .

خدماته وحياته التدريسية :

بعد أن أكمل الشيخ دراسته الأكاديمية ، تولى التدريس في مدرسة ” دار العلوم عالية ، تانغايل ” سنة 1967م ، ولما كان ذاهباً تلقاء       ” تنغايل ” كتب العلامة المرشد ، الخطيب الأعظم صديق أحمد – رحمه الله – – وهو من طليعة العلماء المحدثين ، والواعظين المؤثرين في زمنه – في رسالة إلى مديرها عن الشيخ الفقيد – رحمه الله – : ” إن مثل هذه الشخصية نادر وجودها ؛ قد يوجد واحد من بين الآلاف المؤلفة ” .

ودرّس هنا بعض كتب الحديث الشريف ، ولما كانت سنة 1968م ، رجع إلى شيتاغونغ ، وباشر التدريس في مدرسة ” محمود العلوم عالية ، ساتكانيا ” ، ومن دوره العملاق فيها أنه واثنين من المدرسين المبجلين بها أنشأوا ” دورة الحديث الشريف ” ، وتولى هو تدريس كتاب ” سنن أبي داوود ” ، وامتدت حياته التدريسية بها إلى أربع سنين حيث كانت سنة 1972م ، فرجع إلى تنغايل مجدداً ، وتولى التدريس فيها مستأنفاً ، وقد درّس فيها بعض دعائم كتب الحديث والتفسير ، حتى تشرف بمنصب       ” شيخ الحديث ” أخيراً لمدة سنتين ، ثم انتدب للتدريس في ” الجامعة الإسلامية فتية ” التي تخرج فيها سنة  ١٤٠٢ الهجرية الموافقة سنة ١٩٨٢ الميلادية ، وقد فوّض إليه – لأول وهلة – تدريس ” شرح معاني الآثار ”  للإمام الطحاوي و ” مشكاة المصابيح ” ، وكتاب البيوع من ” الهداية ” للمرغيناني في الفقه ، ولما اعترض بعض الأساتذة على تكليفه بتدريس هذه الكتب الجليلة ، ابتدر رئيس الجامعة حينئذ قائلاً : ” بما أنه من الأساتذة المستجدين ، فما كلفته بتدريس الجامع الصحيح للبخاري !     وإلا . . . ” ، وبعد سنوات تولى تدريس ” سنن الترمذي ” ، وقد امتد تدريسه لهذا الكتاب إلى خمس وعشرين سنةً في تاريخ الجامعة ، وهذا هو الكتاب الذي اشتهر بتدريسه الشيخ في الأوساط العلمية ، وذاعت سمعة تدريسه في ” باكستان ” و ” الهند ” أيضاً ، ومن أهم مميزات الشيخ في تدريس هذا الكتاب أنه كان ينمق دروسه على أحسن ما يرام ، ويشرح ما أُجْمِل ، ويرفع الغموض ، فكان يستفيد من دروسه الغبي والذكي على حد سواء ، ومما زاد تدريسه سمعةً وتفوقاً أنه كان يلقي دروسه بلسان منطلق كأنه شريط أو يقرأ من كتاب أمامَه عياناً ،  حتى لم يكن لسانه يكاد يتعتع أو يصيبه اللكن لمرة .

تمادت سمعته حتى لُقّب بـ ” ترجمان الترمذي ” ، ولما كانت سنة 2011م ، فوّضت إليه اللجنة العلمية تدريس الجزء الأول من ” الجامع الصحيح للبخاري ” ، من حينئذ إلى أنْ وافته المنية أتقن تدريسه ،  فحاز تدريسه لهذا الكتاب – كعادته – قبولاً عجيباً .

إضافةً إلى موهبته الأكاديمية فقد أودع الله فيه موهباً شاحذاً في القيام بالشؤون الإدارية ؛ فقد عمل كعميد شؤون التعليم لمدة أربع سنوات في الجامعة الإسلامية بفَتِيَّةَ ، كما كان نائباً لمديرها من سنة 2003م إلى سنة 2008م ، حتى عُيِّنَ مديراً لها سنة 2008م ، ومن هذه السنة إلى لحظة وفاته قام بمسؤوليته بإتقان وإحسان حارساً لأمانة السلف ، حامياً لمجدهم ، صامداً أمام التحديات المختلفة .

أعماله وأشغاله الأخرى :

  1. كان مستشاراً لمنظمة ” حفاظت إسلام ، بنغلاديش ” ؛
  2. كان عضواً خاصاً لـ ” الهيئة العليا للمدارس القومية ” ؛
  3. الرئاسة لِلَجنة مصرف ” شاه جلال إسلامي بنك ” ؛
  4. رئاسة ” مؤسسة المؤتمر العالمي ” ؛
  5. رئاسة ” منظمة تحفيظ القرآن ، بنغلاديش ” ؛
  6. المشرف الأعلى لمجلة ” التوحيد ” بعد أن كان رئيس التحرير لها ؛
  7. رئاسة ” منظمة المسلمين الجدد ” ؛
  8. رئاسة ” هيئة الإغاثة الإسلامية ” ؛

تأليفاته :

  1. تسهيل الترمذي في شرح الجامع للإمام الترمذي ( أربعة مجلدات )
  2. تسهيل الطحاوي في شرح ” شرح معاني الآثار ” للإمام الطحاوي
  3. تسهيل الأصول في علم أصول الفقه للمبتدئين
  4. تسهيل البخاري في شرح صحيح البخاري ( غير مطبوع ) ( مخطوط في ثمانية مجلدات )
  5. رسالة عن القاديانية
  6. ترجمة سورة الإسراء من تفسير معارف القرآن ( غير مطبوع )
  7. علم الحديث والمحدثون في بنغلاديش ( رسالة غير مطبوعة )

وفاته والصلاة عليه :

توفي الشيخ في الحادي والعشرين من شهر يونيو سنة 2022م في مستشفى حيث كان تحت العلاج ، وقد تم أداء الصلاة عليه في ساحة جامعته التي عمل لها وفيها ومعها بإمامة الشيخ العلامة المفتي الحافظ أحمد الله – حفظه الله – ، وقد شهد جنازته جم هائل من الناس ، قيل : ” هذه من أكبر جنازة مرت بتاريخ ” الجامعة الإسلامية فتية ” .

المصادر والمراجع :

  1. بعض اللقاءات الشخصية والمسامرات الأسرية مع الشيخ نفسه .
  2. تسهيل الطحاوي للشيخ عبد الحليم البخاري ، ترجم له فيه إملاء عليه نجله الأستاذ أحمد الغني البخاري – حفظه الله – ، أستاذ بالجامعة الإسلامية بفتية .
  3. تسهيل الترمذي للشيخ عبد الحليم البخاري ، ترجم له فيه أخوه الأستاذ عبد المتين البخاري .
  4. اليواقيت والجواهر في تراجم نبلاء بنغال والأكابر ، للمحدث الفقيه محمد حفظ الرحمن الكملائي .
  5. المجلة التذكارية ” العزيز ” الصادرة من قبل طلبة دورة الحديث بالجامعة الإسلامية بفتية .
  6. المجلة التذكارية ” المسافر ” الصادرة من قبل طلبة دورة الحديث بالجامعة الإسلامية بفتية .

* أستاذ بجامعة دار المعارف الإسلامية شيتاغونغ ، بنغلاديش .