الوقت أنفس ما عُنيت بحفظه

يا ابن آدم ! إنما أنت أيام
أغسطس 26, 2026
وُلد الهدى فالكائنات ضياء
أغسطس 26, 2026
يا ابن آدم ! إنما أنت أيام
أغسطس 26, 2026
وُلد الهدى فالكائنات ضياء
أغسطس 26, 2026

الافتتاحية :                بسم الله الرحمن الرحيم

الوقت أنفس ما عُنيت بحفظه

أثمن شيئ يملك الإنسان في هذه الحياة الدنيا هو الوقت ، فهو ليس أغلى من الذهب والفضة ، ولا أنفس من الجواهر واليواقيت فحسب ، بل هو الحياة ، والحياة هي رأس مال الإنسان ، فانكماش الأعوام والسنين هو انكماش الحياة ، لأن الأشياء المادية يمكن أن يُسترد بجهد جهيد ، وسعي بليغ ، لكن الوقت إذا فات لا يمكن استعادته ، وقد شبهت الحياة بالثلج ، كما يذوب الثلج شيئاً فشيئاً ، كذلك تنتهي الحياة رويداً رويداً ، فالوقت يمر مر السحاب ، ويجري جريان الريح ، وإذا كانت أيام السرور والفرح دون الاكتئاب والترح فإنها تمضي كالبرق أو هو أقرب ، وأما أيام الهموم والغموم فإنها تسير ببطء وتثاقل ، حتى تكون كلاً وعبئاً على الإنسان .

إن القرآن والحديث حافلان ببيان أهمية الوقت ومعنوية الحياة ، فهو أعظم نعمة يتمتع بها الإنسان ، فإن تسخير الشمس والقمر ، والليل والنهار ، وإقسام الله بالفجر والضحى والعصر لم يكن إلا ليلتفت الإنسان إلى قيمة اللحظات ، ويطلع على منافعها وفوائدها ، ويستغلها لصالح أعماله وزيادة أجوره ومثوباته ، وأما ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من أن الإنسان يُسأل عن شبابه فيما أبلاه ، وعن عمره فيما أفناه ، فهذا دليل على معرفة قيمة الوقت وإدراك مسئوليته أمام الله تعالى ، وقد فرضت الصلوات الخمس في أوقاتها ، وشرعت لها كلمات الأذان في مواعيدها ، كأن الأذان منبِّه الغافلين ، وموقظ النائمين بعد كل ساعات ، فحينما يكون العالم شبه مقبرة في الليل ، فإذا بكلمات الأذان تكون مثابة نفخ أرواح في النفوس ، وحينما تزول الشمس عن كبد السماء ، وينشغل الناس في لجج المشاغل الدنيوية والمتاعب اليومية ، فيرتج الجو بالتكبير ، وينفض الناس أيديهم ، ويروحون إلى الصلاة ، وكذلك صلوات العصر والمغرب والعشاء يرتفع فيها الصوت الرباني ، ويملؤ القلوب روحاً جديدةً وإيماناً قوياً .

هناك موقفان حاسمان ، وكل إنسان يواجههما إما طوعاً وإما كرهاً ، فالموقف الأول هو حينما يستدبر الإنسان الأهل والأولاد ، ويستقبل الآخرة ، ويكون في ساعة الاحتضار ، ويعاني حالة الغرغرة ، ويرى كل ما عمل في هذه الدنيا بأم عينيه ، بل وتتمثل أمامه مناظر الآخرة ، وفظائع القبر ، وهذه الحالة من أشد وأفظع أحوال الإنسان ، فالملائكة يأتون إليه لقبض روحه ، فإذا كانت الروح طاهرةً نزيهةً أخرجوا الأرواح كأن زراً ضُغط ، أو شعرةً سُلت من العجين ، ولم يشعر به أحد ، لكن إذا كانت الأرواح خبيثةً ، ومتوسخةً بالأقذار والنجاسات ، حاولت للتخلص من الملائكة ، لكن أين المفر ، كلا لا وزر ، إلى ربك يومئذ المستقر ، وذلك ما صوره القرآن الكريم : ( وَٱلنَّازِعَاتِ غَرْقاً . وَٱلنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ) [ النازعات : 1 – 2 ] ، ففي هذه الحالة الكئيبة البائسة يتمنى الإنسان لو مُنح مهلةً من الزمن أو أُخر إلى أجل قريب لاستدراك ما فات ، وإصلاح ما فسد ، لن تتحقق أمنيته ، ولن يجد الإِنسان إليه سبيلاً ، قال تعالى : ( وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )               [ المنافقون : 11 ] ، والموقف الثاني هو ما يكون في الآخرة ، حينما يرى الإنسان أن الأشرار يوفَّون أجورهم بشمائلهم ، وأن الأخيار يجزون جزاءهم بأيمانهم ، فأصحاب الميمنة في جنات عالية ، ونعم باذخة ، وسرر مرفوعة ، وأكواب موضوعة ، ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة ، أما أصحاب الشمال فإنهم يُساقون إلى جهنم ، ويكبون على وجوههم ، وتلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ، وقد سلسلت أيديهم وأرجلهم ، وصفدت أعضاؤهم وجوارحهم ، وكانت سرابيلهم من قطران ، ولا يقضى عليهم فيموتوا ، ولا يخفف عنهم من عذابها ، فيتمنى أهل النار أن لو أرجعوا إلى الحياة الدنيا لعملوا أعمالاً صالحةً ، لكن هذه الحسرة تكون غصةً في صدورهم ، ويصدر جواب الله تعالى بهذه المناسبة أمراً قاطعاً : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ) [ فاطر : 37 ] .

وقد أدرك السلف الصالح قيمة الوقت وأهمية الحياة ، فكانوا حريصين على تفادي أوقاتهم من الضياع ، حتى لا تتسرب الأعمار سدىً ، وتذهب جفاءً ، وتضيع هباءً ، فلم تكن عندهم قيمة الدراهم والدنانير ، بل كانت القيمة كل القيمة للوقت ، فكانوا يكرهون من الرجل أن يكون فارغاً ، هناك تنقلب نعمة الفراغ نقمةً على صاحبها ، وقد قيل : الفراغ للرجال غفلة ، وللنساء غلمة ، أي محرِّك للغريزة ، وصدق              أبو العتاهية إذ قال :

إن الشباب والفراغ والجدة  مفسدة للمرء أي مفسدة

وقد رُوي عن السلف أنهم يقولون : من كان يومه كأمسه فهو مغبون ، ومن كان يومه شراً من أمسه فهو ملعون ، وقد نقل عن عامر بن عبد قيس أحد التابعين الزهاد : أن رجلاً قاله له : كلِّمني ، فقال له عامر ابن عبد قيس : أمسِك الشمسَ ، يعني أوقف لي الشمس واحبسها عن المسير حتى أكلمك ، فإن الزمن متحرك ، دائب المضي ، لا يعود بعد مروره ، فخسارته خسارة لا يمكن تعويضها واستدراكها ، ولأن لكل وقت ما يملؤه من العمل ، وكان الشيخ عبد الرحمن بن الجوزي قد عاش تسعاً وثمانين سنة ، وألف تأليفات أربت على خمس مائة كتاب ، وكان يقول : اعلم أن الزمان أشرف من أن يضيع منه لحظة ، فإن في الصحيح عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : من قال سبحان الله العظيم وبحمده غُرست له بها نخلة في الجنة ، [ سنن الترمذي عن جابر بن         عبد الله ] ، فكم يضيع الآدمي من ساعات يفوته فيها الثواب الجزيل ، وهذه الأيام مثل المزرعة ، فهل يجوز للعاقل أن يتوقف عن البذر أو يتوانى ؟ والذي يعين على اغتنام الزمان : الانفراد والعزلة مهما أمكن ، وقد نقل القمي في الكنى والألقاب : أن بُراية أقلام ابن الجوزي التي كتب بها الحديث جمعت ، فحصل منها شيئ كثير ، وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ، ففعل ذلك ، فكفت ، وفضل منها [ ص : 4 ] يقول الشاعر العربي :

الوقت أنفس ما عنيت بحفظه   وأراك أسهل ما عليك يضيع

المؤمن الغيور الذي يؤمن بالله لا يكون غافلاً عن عاقبته ، إنه يعتبر من مضي الزمان واختلاف الليل والنهار ، ويتفكر في خلق السماوات والأرض ، لا يمكن أن يمر الليل والنهار بالمؤمن ، ولا يتعظ ولا ينزجر ، إن ديننا الحنيف لا يثبِّط همة المرء في التطلع إلى غد مشرق مضمون ، بل الواقع أنه يشجع على تدارك الفائت من الأعمال والأنشطة في مسقبل أيامه ، ويأمر بإعداد الزاد وأخذ العدة ليوم الحساب ، إنه يطالب بتقديم الأعمال التي تنفعه في غد قادم ، ومستقبل محتوم لا فرار منه للإنسان ، وهو يعتبر ذلك من علامات التقوى ومقتضياتها ، يقول الله تعالى : ( يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) [ الحشر : 18 ] .

فإذا كان العام الجديد للهجرة ينبهنا إلى الاعتبار بما مضى من لحظات الحياة القيمة في كسل وفتور ، وفي أمور لا طائل وراءها ، فإنه يدعونا إلى تفكير عميق في أهمية الوقت المقبل الذي من شأنه أن يقدر كل تقدير ، ويستغل في بناء صالح للحياة على جميع المستويات .

نحن المسلمين أمام تحديات كثيرة وإن كان بعضها من ذات أنفسنا ، وهي تتحدانا اليوم في مجالات عديدة من الحضارة والاجتماع ، وتستهدف إذابة الشخصية الإسلامية بتجريدها عن جوهرة الإيمان والأخلاق ، ومن ثم تتجه المسئولية إلينا نحو بناء المستقبل للإسلام ، وذلك بوضع إمكانياتنا ، ووسائلنا في هذا السبيل ، وتفجير طاقات الأيام في صالح الحياة البشرية وتوجيه السعادة الحقيقية إلى المجتمعات الإنسانية كلها ، ولا يمكن ذلك إلا بالاعتبار بالحوادث ، وتنظيم الوقت ومراجعة الحساب وتخطيط دقيق للمستقبل .

وعلى هذا المحور للعمل والأمل يجب أن يدور نشاطنا ومجهوداتنا بمناسبة هذا الاستقبال الهنيئ للعام الباسم الجديد .

سعيد الأعظمي الندوي

4/1/1448هـ

21/6/2026م