محمد فؤاد سزكين وحياته العلمية
مايو 24, 2026صلتي بالأستاذ المعصومي وثناء العلماء والأعلام عليه
مايو 24, 2026رجال من التاريخ :
الشيخ المفكر السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي :
تأملات نافعة في سيرته
بقلم : الأخ السيد حذيفة علي الندوي – كامبريدج *
عاش الرشيد صموتاً في تأمله يبدي الروائع من علم وأفكار
لم يكن الراحل مجرد اسم لامع في صفحات الصحافة الإسلامية ، بل كان هيئةً قائمةً من الفكر والمنهج والخلق . رحم الله الأستاذ السيد محمد واضح رشيد الحسني الندوي ، غمره برحمته الواسعة ، وأدخله فسيح جناته ، وأنار ضريحه ، وجعل مثواه روضةً من رياض الجنة . وكان عظيم النفس ، نبيل السمت ، متواضع الجانب ، فارساً مغواراً في ميدان الكلمة ، يجاهد بقلمه ، ويذب عن قضايا المسلمين ، ويأخذ بيد القارئ إلى ما يصلح معاده ومعاشه . جمع بين علم راسخ وذوق أدبي رفيع ومروءة واستقامة ؛ حتى لتقصر الألفاظ عن الإحاطة بفضله .
ترجع صلة أسرتنا بأسرة الفقيد إلى ثلاثينيات القرن الماضي ؛ ولذلك كانت علاقتي به ذات وجهين : صداقة قديمة موروثة من ود جمعه بجدي ، وتلمذة مباشرة أثمرت نصحاً ومتابعةً . وأول حديث امتد بيني وبينه كان في لكناؤ عام 2007م ، يوم حضر من دهلي أخو جدي الأصغر ، الشيخ السيد محمود الحسن الندوي رحمه الله ، اجتماع المجلس الاستشاري السنوي لندوة العلماء . هناك التقيت الأستاذ واضح رشيد الذي كان زميل الشيخ محمود أيام الدراسة في دار العلوم التابعة لندوة العلماء ، ثم زامله وعمل معه في إذاعة الهند العربية بدلهي . كان ذلك اللقاء استئنافاً لوشائج قديمة ، وبدايةً لسلسلة مجالس جمعت بين دفء المودة وصرامة العلم ومسؤولية الكلمة .
أذكر قصةً ما زالت تضيئ في الذاكرة : يوم تخرّجي من ندوة العلماء عام 2016م ، ألقيتُ كلمة الوداع التي كتبتُ فيها ما فتح الله . فلمّا فرغتُ سرّ بها الشيخ سروراً ظاهراً ، وتناول الورقة من يدي ، وقال بلطفٍ حازم : ” سأنشرها ” . لم تكن تلك مجاملةً عابرةً ، بل طريقةً أصيلةً في صناعة الثقة عند الشباب ؛ كان يغرس فيهم اليقين بأن للكلمة رسالةً وأنّ لصاحبها واجباً . ومنذ ذلك اليوم بقيتُ على صلةٍ دائمةٍ به ؛ يكاتبني ويسأل ، ويحدّثني من تجاربه في الأسفار واللقاءات ، ومن ذلك رحلته إلى الرياض ولقاؤه بالعلامة مصطفى الأعظمي رحمه الله ، وما شاهده هناك من همّة العلماء وحرارة البحث . كان جواداً بمعرفته ، يُشرك الزائر في خبرته ويضعه على مفاتيح الطريق . وزادت تلك الصلةُ خصوصيّةً أنه كان صديقاً مقرّباً لجدّي ، فكان لي منه نصيبُ الابن من ودّ الصديق .
ومن حسن الحظ أنني جلست إليه في مكتبه قبل وفاته بأسبوع ، مجلساً لطيفاً قرأت فيه قصيدة ألقيتها في حفلة الوداع بجامعة كامبردج المسلمة . بادرني كعادته بسؤالٍ عن الأفكار السائدة اليوم في الغرب ، وعن تحولات الخطاب هناك . لم يكن يسأل ترفاً ثقافياً ، بل لأنه ظل يرى أن من واجب صاحب الرسالة أن يعرف العالم الذي يخاطبه معرفةً مباشرةً : أن يصغي إلى مصادره الأولى ، وأن يقرأ بلغته ، وأن يفهم أدواته قبل أن يناقشه . كان واسع الاطلاع على قضايا المسلمين وحركاتهم المعاصرة ، ينظر فيها بعين الخبير ، ويتناولها بميزان العدل ، ويضع كل فكرة في سياقها ؛ فلا يغتر ببريقها ، ولا يظلمها لمجرد مخالفة .
نشأ هذا المزاج المتزن من المدرسة التي أنتمى إليها بإخلاص : ندوة العلماء التي تقوم على الجمع بين القديم الصالح والجديد النافع . وكان يؤكد أن مخاطبة الفكر الغربي لا تكون بترجمة متأخرة ولا بلغة وسيطة ، بل بالإنجليزية مباشرةً حيث تتشكل الأفكار وتنتشر . لذلك واظب – حتى حين ضعف بصره – على متابعة ما يكتب بالإنجليزية ، يطلب أن أقرأ عليه مقاطع من الصحف والكتب ، ويسأل الطلبة المقيمين في أوروبا وأمريكا والضيوف القادمين منهما عن ملامح المزاج الفكري هناك ، هذا الحرص العملي جعله قريباً من أسئلة العصر ، حاضراً في قلب النقاش ، من غير أن يتنازل عن أصوله أو يساوم على ثوابته .
كان يرى الإعلام وظيفة هداية لا مهنةً مجردةً ؛ فالكلمة عنده شهادة وأمانة قبل أن تكون خبراً وعناوين . لذلك لم يكن ” كاتب خبر ” ولا ” معلقاً عابراً ” ، بل عقلاً هادئاً يقيس القضايا بمقاييس الشرع والعقل والواقع معاً . وإذا انتقد ، نقد بإصلاح ، وإذا نصح ، نصح بتشخيص دقيق يَخرج منه القارئ بخارطةٍ للفهم والعمل ، لا بمرارةٍ ولا خصومة . ومن عرفه عن قرب لمس تواضعه الجم ؛ يعلم ويستفيد ، يصغي قبل أن يتكلم ، ويبادر إلى السؤال قبل أن يصدر الحكم . وحتى حين أعاقه البصر ، لم تعقه الهمة ؛ استبدل عيناً بأذن ، وزاد قلباً يقظاً وعقلاً منظماً يجمع ويوازن ويستنتج .
وليس غريباً أن يقف من الغرب موقف الإنصاف والوقار ؛ لا انبهاراً يسلب الهوية ، ولا عداءً أعمى يحجب الفهم . هكذا كان رواد ندوة العلماء الأوائل من قبله : يتعاملون مباشرةً مع الفكرة وأدواتها ، ويقيمون الجسور من موقع الثبات لا الذوبان . وبمثل هذا النفس قرأ الحركات الإسلامية المعاصرة ؛ وصل حاضرها بماضيها ، ووازن بين قيمها وممارساتها ، ورأى في نقدها طريقاً لإصلاحها لا لجرحها .
إن الحديث عن الأستاذ واضح رشيد الندوي ليس حديث حزنٍ يسكب على الذكريات ، بل هو حديث نفع وبناء . فهنا تتجلى ملامح منهج يصلح للشباب والكتّاب وطلاب العلم اليوم : أن تكون المعلومة في خدمة المنهج لا العكس ؛ أن تُسمى الأشياء بأسمائها بعد تثبتٍ وفهم للسياق ؛ وأن تُكتب الردود والتحليلات بلغة البيئة التي تُصنع فيها الأفكار . وأن يبقى ” الجديد النافع ” موصولاً بـ ” القديم الصالح ” : مرجعية علمية راسخة ، وذوق لغوي وأدبي يحفظ للنص أثره ووقاره ، وأخلاق باحثٍ يتواضع للحق حيث كان .
لقد مضى الفارس ، ولكن صهيل فكره لا يزال يتردد في أروقة الندوة ، وعلى صفحات الجرائد ، وفي قلوب تلاميذه وقرائه . ترك لنا سكينة المنهج ، ونبل الرسالة ، وصدق التوجه . علّمنا أن الإعلام حين يُختزل إلى منصة ومشاهدة يفقد رسالته ، وحين يُرفع إلى شهادة وأمانة يصنع الوعي ويصلح الواقع . عاش رشيداً ، ومات حميداً ، وخلف وراءه عبيراً لا يزول .
مرّ الفارس من هنا… وما زال العطر يدل على الطريق .
* باحثُ دكتوراه في التاريخِ والفكرِ الإسلاميّ في جنوبِ آسيا خلالَ العصرِ الاستعماري ، بجامعةِ لندن (SOAS) ، المملكة المتحدة .

