العقَّاد في كتابه ” عبقرِيَّة الصِّدِّيق “
أغسطس 31, 2025السيدة أمة الله تسنيم : حياتها وآثارها ( الحلقة الأولى )
يناير 4, 2026دراسات وأبحاث :
السلطان عبد الحميد الثاني وقضية فلسطين
( الحلقة الأولى )
بقلم : الأستاذ المفتي عتيق أحمد البستوي *
تعريب : الأخ مبين أحمد الأعظمي الندوي §
ما يُقال مراراً وتكراراً يصدِّقه العالم ، واغتناماً لهذه الطبيعة البشرية قد اعتادت بعض الشعوب والأفراد في العالم أن يكرروا الأكاذيب والمختلقات ، ويقدموها بكل قوة متاحة لديهم حتى يتأكد الناس أنها صدق وحقيقة ، وكثيراً ما وقع في التاريخ البشري أن حُوِّل الصدق إلى الكذب ، والكذب إلى الصدق ، والخير إلى الشر ، والشر إلى الخير بقوة الدعاية والإشاعة ، فأُهملت بعض الشخصيات العملاقة التي صنعت التاريخ ، وأسيئ إلى سمعتها ، بينما الماكرون الخداعون الذين باعوا الملة والوطن قد وقع أن لبِسوا تاج الفضيلة ، وأسندت إليهم القيادة والسيادة ، ولكن الحقيقة – مهما حوول إخفاؤها ومهما أُسدِل الستار عليها – يأتي يومٌ تخترق فيه جميع ستائر الكذب والتزوير وتتجلى كالشمس في رابعة النهار ، وفي ضوئها يظهر الصدق ، ويختفي الكذب .
ويُعدُّ من مفاخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين الميلادي أن كان فيهما التقدم المعرفي ، والدارسة المنهجية ، والتحقيق العلمي ، والاستدلال بحسب علوم الطبيعة على قدم وساق ، ولكن الواقع أن هذه الفترة قد كثر فيها ارتكاب الخيانة في العلم والتاريخ ، وممارسة السلوك غير العادل ، ونشر الدعايات والأكاذيب ، وكان المؤرخون اليهود والنصارى من أوروبا يحملون لواء التاريخ من حيث الكتابة والتدوين ، فالصور التي رسمها هؤلاء لبيانِ أحوال الشخصيات ، أو المنظمات ، أو الحكومات كانت تلك بحسب ما تملي عليهم نفوسهم ، أو على أساس إعجابهم بشيئ ، أو كراهيتهم له ، أو بِناءً على كيفية العلاقة بينهم وبين من يكتبون حوله ، فكان التاريخ بحسب وجهات نظرهم تحت مسمى الدراسة المنهجية ، والتحقيق العادل غير المنحاز ، فمسخوا تاريخ آسيا وإفريقيا ، وصوَّروا العالمَ الإسلاميَّ وحكماءه تصويراً قذراً تعافه الطبائع وتكرهه النفوس .
السلوك غير العادل مع الأتراك :
من أسوءِ أمثلةِ كتابةِ التاريخ تلك الكتب والمقالات التي قام بإعدادها معظم المؤرخين الأوربيين وتلامذتهم الخلصاء المتغربون على موضوع الدولة العثمانية ، وكانت البلدان الغربية تكن للسلاطين العثمانيين الحقائد والأضغان منذ قرونٍ ، وتراهم شوكةً في سبيلها ، لأنهم كانوا بمثابة سد هائل في سبيل توسعة الاستعمار الغربي ، وما زالوا حافظين للبلدان العربية الإسلامية من كونها لقمةً سائغةً للمسيحيين لمدى أربعة قرون تقريباً ، ولم يقفوا عند هذا الحد ، بل تقدموا ورفرفوا الراية الإسلامية على رقعة كبيرة من أوروبا ، وكان لواءُ المسيحين منكوساً دائماً أمام إرادة السلاطين العثمانيين ، وشجاعتهم ، وروحهم الجهادية ، حتى إنهم فتحوا القسطنطينية وضموها إلى رقعة البلدان الإسلامية ، وأصبحوا مصداقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الخصوص .
كانت القسطنطينية معقلَ النصارى وسداً منيعاً لهم في وجه التيار الإسلامي لثمانية قرون ، وقد استعصى فتحها على المسلمين ، ولذلك فتحُ القسطنطينية بيد المسلمين عاد جرحاً عميقاً في قلب المسيحية ، ولم يندمل هذا الجرح قطُّ ، ولذلك ما زال المسيحيون يشعرون بالألم والأسى في قلوبهم ، وبناءً على مواقف الدولة العثمانية المعارضة لم ينصف في السلاطين العثمانيين معظمُ المؤرخين الأوربين ، واستهدفوهم دائماً عبرَ كتبهم ومؤلفاتهم ، واتهموا الدولة العلية العثمانية بالاتهامات الكاذبة عند أول فرصة وجدوها للانتقاص من هذه الدولة وتشويه سمعتها ، وفي القرنين الأخيرين كانت القوات الغربية تجابه الأتراك في ميدان الحرب في جانب ، وفي جانب آخر نشِطت مؤسسات الدعاية الغربية وطائفة المؤرخين الأوربيين في محو التاريخ المجيد للدولة العثمانية وتشويه وجهها الوضيئ . وكانت المطابع ووسائل الدعاية والإعلام تحت حكم الاستعمار الغربي ، ولذلك ارتسمت صورة الدولة العثمانية في الأذهان مثلَ ما قدَّمتها أوروبا .
يقول الشيخ أبو الكلام آزاد : ” نعلم علماً جازماً أن جماعة الأتراك هي أقل حظاً من بين جميع جماعات المسلمين ، بحيث إن الأذهان الأوروبية لا تنصف فيها البتة ، فإن الشخص الأوروبي بصرف النظر عن أنه مؤرخ قديم ، أو مدبر معاصر ، يمكن له أن يمدح أسوءَ رجل ممكن من المسلمين الماضين ، ولكن من المستحيل أن يصنع ذلك إلى الأتراك الذين لا تزال سيوفهم لامعةً في المعارك ، ومسلوتةً دائماً لضرب أعناق أوروبا وكسر شوكتها منذ خمسة قرون ماضية ، فيمكن له أن يكتب تاريخ بني أمية على أحسن وجهٍ ، ويمدح عهدَ العلم والثقافة للحكومة العباسية ، ويقدم صلاح الدين الأيوبي كأنه إله يعبد ، ولكنه كيف يمكن له أن ينصف في الأتراك الذين لم يقتنعوا بأرض العرب ، ولم تبطرهم الحكومة بالعراق وإيران ، والشام وفلسطين ، وبآسيا الوسطى ؟ ولكنهم زحفوا إلى أوروبا غير مبالين بجميع البلاد الشرقية ، ورفرفوا رايتهم على قلب أوروبا القسطنطينية ، ووصلوا إلى المناطق الداخلية لها كأمواج البحر ، حتى إنه حدث مراراً مع حيطان العاصمة إستريا أن أصبحت على وشك الانهيار جراء الهجمات التركية .
وهذه هي جريمة الأتراك التي لن تعفو عنها أوروبا ، وليست هناك أسرةٌ ملكيةٌ مسلمةٌ معاصرةٌ شريكةً لهم في هذه الجريمة ( فتح أوروبا ) ، وبحكم ذلك فإن كل حاكم مسلم لم يزحف إلى أوروبا كان صالحاً ، ولكن كل تركي وحش ضارٍ ، لأن مهابة قوة أوروبا قد انكسرت بسيفه القاطع وصارمه المسلول ” [1] .
شعاع من النور أو بصيص من الأمل :
ولكن – مع مرور الأيام – كلما انحل وثاق العروة السياسية للغرب ، انفك سحرُ الدعاية الغربية ، ومزَّقت الحقائق ستائرَ الكذب والزور ، وظهرت على مسرح العالم كل الظهور ، فقام المؤرخون العرب والأتراك بالبحث والتنقيب للوثائق التاريخية للقرن التاسع عشر والقرن العشرين ، وهكذا جاء تاريخ صحيح أصيل ومجيد للدولة العثمانية يمكن أن يتباهى به التاريخ الإسلامي ، والذين ساهموا بدور كبير في أداء هذه المهمة من بين المؤرخين والكتاب منهم : أمير البيان الأمير شكيب أرسلان [2] ، ومحمد جلال كشك [3] ، وأنور الجندي [4] ، ومحمد حرب عبد الحميد [5] ، ومحمد أحمد راشد [6] ، وجنرال جوادر رفعت آتلخان [7] ، والدكتور عجل نسمي [8] ، وحسان حلاق [9] ، وموفق بني المرجة [10] ، بصورة خاصة .
الحاجة إلى استعراض دقيق :
مع الإشادة بخدمات المؤلفين الذين تناولوا هذا الموضوع بالبحث والتحقيق وكتبوا حوله باللغة الأردية ، أتجرأ أن أقول : إنهم كثيراً ما اعتمدوا في تحقيقهم على مؤلفات المؤرخين الغربيين ، فلا نجد في قائمة مراجعهم أسماء الكتب الجديدة للمؤرخين العرب والأتراك ، وكانت النتيجة أن أصبح معظم الكتب الأردية المعنية صورةً تعكِسُ كتب المؤرخين الغربيين ، فمن الواجب أن ننظر في هذا الجانب المهم ، ونراجع ما كُتب حتى الآن حول هذا الموضوع ، ونحدد ما فيه من نقائص وأخطاء في ضوء المعلومات والتحقيقات الجديدة ، وفي نفس السياق ، علينا أن ندرس دراسةً عميقةً المنظمات السرية التي أسسها اليهود لإقامة الحكومة اليهودية ، وتدمير العالم الإسلامي بل لإبادة الإنسانية جمعاء بمنتهى الذكاء والدهاء ، ثم أنشؤوها أيما إنشاء ، ومنها على سبيل المثال : الصهيونية ، والماسونية ، اللتان لهما دورٌ أساسيٌ في تغيير مجرى التاريخ ورسم الخريطة الجديدة للعالم ، كما أن من الواجب أيضاً أن ندرس جميع الحركات السياسية والدينية والإصلاحية التي ظهرت في هذين القرنين في مختلف البلدان العربية والتركية بدقة وإمعان .
الخليفة المظلوم :
لأسباب شتى استهدف المؤرخون الغربيون السلطان عبد الحميد الثاني بوجه خاص ، فرموه بعديد من الاتهامات الزائفة ، والأكاذيب المختلَقة ، ولعله لا توجد كلمة من كلمات الطعن والإساءة في المعاجم إلا وقد استخدمها هؤلاء المؤرخون الأوربيون واليهود في هذا السلطان ، كلُّ ذلك بسب جريمة واحدة ، وهي أنه كان متصفاً بالحمية الدينية والغيرة الإسلامية ، ولم يقبل أن يكون عميلاً للسلطات الغربية عامةً ولبريطانيا خاصةً ، ورد على سياسة أوربا وحِيلها بالاستراتيجية المحكمة ، ورفض إطلاقاً أن يبيع أرض فلسطين لليهود مقابل قناطير مقنطرة من الأموال ، فلم تعجب البلدان الغربيةَ واليهودَ سياسةُ السلطان عبد الحميد وموقفُه من أرض فلسطين ،فقاموا بالمؤامرة الدقيقة والخطة العميقة ضد السلطان وخلعوه وأجبروه على قضاء سنوات أخيرة لحياته في معتقل سلانيك ، وشوهوا صورته أمام العالم ، وإن السلطان بنفسه كشف في مذكراته المطبوعة عن أمثال هذه المؤامرات والخطط ، وبيَّن حقائقها ، ففي هذه المقالة نذكر بالتفصيل النظرةَ الإيمانيةَ والموقفَ الدينيَّ للسطان عبد الحميد الثاني إزاء قضية فلسطين . أما حياته ، وسياسته ، وخدماته في جهات شتى ، فنلقي الأضواء عليها فيما بعد إن شاء الله تعالى .
( للبحث صلة )
* أستاذ الحديث والفقه بدار العلوم لندوة العلماء ، ومدير مجمع البحوث والدراسات الإسلامية لندوة العلماء .
[1] آزاد : مولانا أبو الكلام ، مسئله خلافت اور جزيرة العرب ( قضية الخلافة وجزيرة العرب ) ، ص 121 .
[2] حاضر العالم الإسلامي .
[3] القومية والغزو الفكري .
[4] المخططات التلمودية اليهودية الصهيونية ، واليقظة الإسلامية في مواجهة الاستعمار .
[5] مذكرات السلطان عبد الحميد الثاني .
[6] مقالات له في مجلة المجتمع وغيرها .
[7] أسرار الماسونية ، والدولة الخفية وغيرهما .
[8] مقالات له عديدة .
[9] موقف الدولة العثمانية من الحركة الصهيونية 1897 – 1909م .
[10] الجامعة الإسلامية والسلطان عبد الحميد الثاني .

