حقوق الحيوان المعنوية في القران الكريم
يناير 4, 2026الدعوة الإسلامية :
النماذج الوقفية للأغراض العلمية وأثرها في النهضة العلمية
بقلم : الأستاذ السيد أزهر حسين الندوي *
الوقف للمساجد :
المساجد في نظر الإسلام هي أماكن عبادة تنهض برسالة التثقيف والتنوير ونشر الوعي الديني السليم [1] ، وللوقف الخيري دور فعال في دعم المساجد لأداء هذه الرسالة واستمرارها ، فتنافس الأمراء والوزراء والولاة ورجال الاقتصاد والأغنياء على بناء المساجد في كل مدينة وقرية في شتى ربوع العالم الإسلامي ، ووقفوا عليها أموالاً طائلةً لعمارتها ورعايتها [2] ، وقد اشتهرت مساجد وقفية كثيرة في تاريخ الإسلام ، كانت منارات العلم والهدى وقبلة العلماء ومحط رحال طلاب العلم ، يقصدونها من آفاق بعيدة ، فقد اشتهرت المساجد الثلاثة ، وكانت لها منزلة خاصة في قلب كل مسلم ؛ المسجد الحرام في مكة المكرمة ، والمسجد النبوي الشريف في المدينة ، والمسجد الأقصى بفلسطين ، كما اشتهرت مساجد من بعدها ، مثل المسجد الأموي بدمشق ، والجامع الأزهر بالقاهرة ، وجامع القيروان وجامع الزيتونة بتونس ، وجامع القرويين بالمغرب ، وجامع قرطبة ، وجوامع بغداد والبصرة والكوفة ، وغيرها من الجوامع المنتشرة في البلاد العربية والإسلامية على امتدادها ؛ فلم تكن المساجد والجوامع في البلاد الإسلامية إلا مساجد وقفية ، وكل خدماتها وصيانتها كانت مما حبس عليها من الأموال الوفيرة لتأدية وظائفها المتعددة [3] ، وأكثر ما استخدمت المساجد له أنها مراكز التعليم والدعوة والإرشاد حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم أول من استخدم مسجده مكاناً للدعوة والتعليم والإرشاد ، واتبع الصحابة رضي الله عنهم خطواته من بعده [4] ، فاستمرت حلقات العلم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة والمسجد الحرام بمكة المكرمة ، وهكذا لولا المسجد لما تعلم عامة المسلمين أحكام الإسلام وأحكام دينهم ، وتنظيم أمور دنياهم واستبصار الحلال والحرام في حياتهم ، ولا تزال المساجد والجوامع مراكز علميةً وثقافيةً خلال فترات طويلة من تاريخ الإسلام حتى يومنا هذا [5] ، وكان لها أثر كبير في تعزيز المعرفة وتنمية الحركة العلمية ، فهذه المساجد والجوامع كم حضرها من عالم يسند ظهره إلى عمود من أعمدتها أو سارية من سواريها لإلقاء الدروس والمحاضرات ، وكم تخرج فيها من طلاب علم ، كان لهم دور كبير في هذا العلم في الآفاق ، وكم من هذه الجوامع تحولت إلى جامعة رسمية أو كانت نواة جامعة [6] .
الوقف للكتاتيب :
وقفت إلى جوار المساجد والجوامع كتاتيب لتعليم القراءة والكتابة والقرآن وشيئ من علوم العربية والرياضة ، وكانت تشبه المدارس الابتدائية في عصرنا الحاضر [7] ، وكانت هذه الكتاتيب تلقى الدعم من وقف الحكام والأمراء والأغنياء بالمكافآت المالية والعينية ، وكان التعليم فيها مجاناً ولمختلف الطبقات ، فلم يكن يدفع الطلاب في دراستهم رسماً ما من رسوم الدراسة التي يدفعها طلابنا اليوم ، ولم يكن التعليم فيها محصوراً بفئة من أبناء الشعب دون فئة ، بل كانت فرصة التعليم متوفرةً لجميع أبناء الشعب [8] .
الوقف للمدارس :
هذا شكل آخر من أشكال الوقف الذي كان يقفه الحكام والعلماء والأمراء والأغنياء لتهيئة أماكن تلقي العلم ، وهو المدارس الوقفية ، وكانت تحتوي كل من هذه المدارس على مسجد وقاعات للدراسة وغرف لنوم الطلاب ، ومكتبة ومطبخ وحمام ، وكانت بعض المدراس تحتوي فوق ذلك على ملاعب للرياضة البدنية في الهواء الطلق ، وقد صار لبعض هذه المدارس شهرة وصيت ذائع في البلاد والعباد ؛ ومن هذه المدارس : المدرسة البيهقية بنيسابور ، والمدرسة النظامية والمدرسة المستنصرية والمدرسة المسعودية ببغداد ، والمدرسة النورية والمدرسة الصالحية بحلب ، والمدرسة العادلية والمدارس النورية بدمشق ، والمدرسة الفاضلية والمدرسة الصالحية والمدرسة الظاهرية بالقاهرة ، والمدرسة المؤيدة بتعز ، والمدرسة الغياثية ومدرسة قايتباي بمكة ، والمدرسة الشهابية بالمدينة المنورة ، والمدرسة النصرية بغرناطة ، ودار الحديث بدمشق ، ومدارس القيروان بتونس ، والمدرسة الأفضلية والمدرسة التنكزية ، والمدرسة الأشرفية والمدرسة الظازية بالقدس [9] .
هذه بعض المدارس التي ملأت العالم الإسلامي على امتداد رقعته ، وقد كان الواقفون لهذه المدارس يبادرون بالإنفاق عليها ، وعلى معليميها وطلابها ومتطلباتها ، ووقفوا عليها أموالاً كثيرةً .
الوقف للمكتبات :
الكتاب أداة من أدوات التعليم ، لا يستغني عنه عالم أو متعلم ، لذلك بادر أهل الخير والفضل بوقف الكتب والمكتبات ، حتى لا تكاد تجد مدينة تخلو من مكتبة عامرة بالكتب ، والمكتبات الوقفية منها ما كان ملحقاً بجامع أو مدرسة أو مستشفى ، ومنها ما كان مستقلاً ، وقد نالت أكثر هذه المكتبات شهرةً لما احتوته من نفائس الكتب التي يحتاج إليها طلاب العلم [10] ؛ فمن هذه المكتبات : مكتبة بيت الحكمة ببغداد ، ودار العلم بالموصل ودار العلم ببغداد ، وبيت الكتب بالري ، ودار الحكمة بالقاهرة ، ودار الكتب بفيروز آباد بإيران ، وخزانة الوزير المغربي في منطقة الجزيرة بالشام ، وخزانة الكتب بحلب ، ومكتبة الحكم بالأندلس ، ومكتبة بني عمار بطرابلس لبنان ، ومكتبة الفتح ابن خاقان ببغداد ، ومكتبة بني جرداة ببغداد ، ودار الكتب في مدينة ساوة شمالي إيران ، ومكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة ، وغيرها من المكتبات التي حوت الكثير من المراجع في شتى العلوم [11] .
والجدير بالذكر أن المساجد والجوامع الكبيرة في المدن الكبرى كانت لها مكتبات أيضاً ، كمكتبة الحرم المكي ، ومكتبة المسجد النبوي ، ومكتبة الجامع الأزهر ، ومكتبة جامع الزيتونة ، ومكتبة الجامع الأموي ، ومكتبة جامع غرناطة ، وغيرها من المكتبات ، وكذلك المعاهد والمدارس الوقفية التي مر ذكر بعضها ، فقد كان فيها مكتبات علمية لتكون في متناول أيدي الباحثين وطلاب العلم ، ولا يخفى على أحد أن هذه المكتبات لها دور ريادي في تنمية الثقافة ودفع عجلة التقدم والنهضة العلمية في المجتمع [12] .
* سلطنة عمان .
[1] راجع : الغزالي ، محمد ، خطب الشيخ محمد الغزالي ، إعداد ، قطب عبد الحميد قطب ، ط 1 ، ( مصر : دار الاعتصام للطبع والنشر والتوزيع بالقاهرة ، د . ت ) ، ج 1 ، ص 24 – 25 .
[2] راجع : السباعي ، مصطفى ، من روائع حضارتنا ، ط 1 ، ( مصر : دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة ، القاهرة ، 1418هــــ/1998م ) ، ص 97 .
[3] راجع : أبو زهرة ، محمد ، محاضرات في الوقف ، ط 2 ، ( مصر : دار الفكر العربي القاهرة ، 1391هـــ/1971م ) ، ص 3 ، والمغلاج ، عبد الله إبراهيم ، الوقف العلمي ودوره في النهضة ، مرجع سابق ، ص 10 – 11 .
[4] راجع : القرضاوي ، يوسف ، الرسول والعلم ، ط 7 ، ( بيروت : مؤسسة الرسالة لبنان ، 1417هــــ/1997م ) ، ص 10 .
[5] راجع : ضيف ، شوقي ، تاريخ الأدب العربي ، العصر العباسي الأول ، ط 19 ، ( مصر : دار المعارف ، القاهرة ، 2008م ) ، ص 98 .
[6] راجع : أمين ، أحمد ، ضحى الإسلام ، ط 2 ، ( لبنان : دار الكتب العلمية بيروت ، 1428هـــ/2007م ) ، ج 2 ، ص 45 – 47 .
[7] راجع : السباعي ، مصطفى ، من روائع حضارتنا ، مرجع سابق ، ص 100 .
[8] راجع : أمين ، أحمد ، ضحى الإسلام ، مرجع سابق ، ج 2 ، ص 44 .
[9] راجع : السباعي ، مصطفى ، من روائع حضارتنا ، مرجع سابق ، ص 100 – 106 ، والكاملة ، فرحات ، مظاهر الوقف العلمي في الحضارة الإسلامية ، مرجع سابق ، ص 200 – 204 .
[10] المعيلي ، عبد الله بن عبد العزيز ، دور الوقف في العلمية التعليمية ، مرجع سابق ، ص 718 – 720 .
[11] راجع : أمين ، أحمد ، ضحى الإسلام ، مرجع سابق ، ج 2 ، ص 51 – 58 .
[12] راجع : القحطاني ، سعيد منصور مرعى ، إسهام الوقف في دعم الحركة العلمية ، مرجع سابق ، ص 160 – 169 .

