حلَّ الربيع ، فإنما هي منظر
مارس 24, 2025الافتتاحية : بسم الله الرحمن الرحيم
مرحباً بشهر رمضان : شهر الصيام والقرآن
جاء رمضان موسم الإيمان والحنان ، وربيع القلوب المؤمنة والنفوس التواقة إلى الخير والبر ، فمرحباً برمضان ، شهر القرآن ، شهر الرحمة والغفران ، شهر الاتصال بالملكوت الأعلى مباشرةً ، وشهر الطهر والعفاف ، والنزاهة والتقوى ، وشهر يتمثل فيه صبر المؤمن بأسمى معانيه ، وورع الصائم بأروع مظاهره ، جاء رمضان كدأبه كل عام ، وحلَّ في بيوت المسلمين ، كضيف عزيز كريم ، تقر بقدومه العيون وتثلج به الصدور ، وتنبسط له النفوس ، ويستبشر به كل فرد من أفراد الأسرة .
جاء رمضان ، وهو شهر أفاض الله عن طريقه على المسلم خيرات كثيرةً ، وأكرمه بواسطته بخصال لا تتسنى بغيره من الشهور ، إنه قبل كل شيئ يربي فيه دافع السمو إلى آفاق الفضائل والمكرمات التي لا تكمل حياة الإيمان بغيرها ، وينفخ في قلبه روح التقوى التي إذا ضعفت أو نقصت ، ضعفت صلة المؤمن بربه ، ونقصت قيمته في عينه ، وبقدر ما يكون المسلم قوياً في روحه وعلاقته بربه ، بقدر ذلك يكون مؤثراً في بيئته ومحيطه .
عاد رمضان ، ويعود كل سنة ، ويدوم لمدة شهر ، ففي كل بيت دويّ بحلول رمضان وما فيه من الخيرات والبركات ، وفي كل طبقة من طبقاتهم حديث عن الصيام وما يتبعه من العيد السعيد ، فلا تكاد تجد وجهاً إلا ويعلوه من البشر والحبور ما لا يقدر ، ولا قلباً إلا وهو مفعم بنشوة من السرور العجيب الذي يجعل روحه ترفرف عاليةً مستبشرةً إلى السماء ، لا يأتي هذا الشهر إلا وينادي مناد من السماء : ” يا باغي الخير ! أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ، فيصوم المسلم في هذا الشهر وهو يتطهر عن جميع التلوثات المادية ، ويتزكى قلبه عن غبار الأدواء الخلقية من البغض والحسد والطمع والرياء ، والغي والظلم ، ويتحول إلى مخلوق ملكي ، يشف عن الطهر والعفاف والنصح والبر ، ويدعو إلى فضائل ، ويمثل الوحدة الإيمانية والاجتماعية ، والأخوة الخالصة ، فيتحقق التواد والتراحم والتعاطف والتناصح ، وتتجسد فيه روح الإيمان بغاية من الوضوح ، كأن المؤمن الذي أشار إليه رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم بقوله : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ( متفق عليه ، البخاري ، رقم الحديث : 6011 ، مسلم : 2585 ) .
ليس هناك في الإسلام عمل من الأعمال التعبدية التي فرضها الله سبحانه على عباده ، إلا ويحمل في طيه سراً من أسرار السعادة والهناء ، ويسير بالحياة على درب الإيمان والهدوء والطمأنينة ، فكان للصيام دوره المعلوم في هذا المجال بالذات ، ذاك أن المسلم عند ما يحرم على نفسه الأكل والشرب ، وينصرف عن جميع متطلبات النفس من إشباع الغرائز والشهوات ، ويترك الزور بجميع أنواعه ، والإثم بكل ألوانه ، ويقضي جل أوقاته في نوع من الاتصال بربه سواءً بالذكر والتلاوة والعبادة ، أو بالنصح والخير والحب والإيثار والإحسان والمواساة مع الناس ، فلا يكون لكل ذلك معنى سوى إسعاد الحياة وإعدادها لأداء الواجب الذي نيط بالإنسان المسلم بوجه خاص ، ومن هنالك كانت عبادة الصيام سراً بين العبد والرب ، كما صرح به الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي جاء فيه روايةً عن الله تعالى : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام ، فإنه لي ، وأنا أجزي به ، والصيام جنة ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ، فإن سابَّه أحد ، أو قاتله فليقل : إني امرؤ صائم ، والذي نفس محمد بيده ! لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك ، وللصائم فرحتان : فرحة عند فطره ، وفرحة عند لقاء ربه ( صحيح البخاري ، رقم الحديث : 1894 ) .
كلما يأتي هذا الشهر فإنه يقوم بعملية كبرى لتنظيف القلب ، مهما تراكم عليه الغبار والتراب ، ونسج عليه العنكبوت ، شأن الميكانيكي الذي يتعهد الماكينة وينظفها كلما تكدست عليها الأتربة ، وتكثفت عليها الأدران ، فدور الصيام في قطع دابر الفساد من المجتمع الإسلامي يفوق جميع الأدوار الأخرى التي يمثلها النظام الإسلامي ، لأنه يقوم باستئصال الداء من أساسه ، واقتلاع النزعات الفاسدة الضاربة في الأعماق من جذورها ، وذاك لأن التقوى ورقابة الله ومحاسبة الضمير تتمثل في الصيام ما لا يتمثل في غيره من العبادات ، إن الإنسان لا يستطيع أن يقدر آلام أخيه ومصابه ، ولو كان على جانب عظيم من الرقة والحنان ، حتى يصاب بنفس تلك الآلام والمشاق ، والصيام يشعر الإنسان مدى تألم أخيه بالجوع والعطش قبل كل شيئ ، لأنه هو نفسه يحتمل الجوع والعطش ، ولا شك أن الإنسان في قالبه المادي يتألم بالجوع والعطش أكثر من كل شيئ ، وهو جانب حساس في حياة الإنسان يتصل بجسمه المادي ويؤثر فيه بأعمق تأثير .
والشعور برقابة الله يتجلى في نفس الصائم ويشتد حينما يجد نفسه عاجزةً عن استجابة أي نداء لشهوة من شهوات النفس أو الجسم ، رغم توافر كل شيئ من الطعام والشراب وملذات الحياة ، ورغم توافر الفرصة السانحة لمزاولة الشهوات ، بحيث لا تطلع عليها عين إنسان ، ولا تخطر على بال شخص ، إنها التقوى ، تلك الناحية الحساسة التي يحرص عليها الإسلام أشد الحرص ، وهي سمة الإيمان البارزة ، التي لا تخلو منها حياة المؤمن الصادق ، إذ لا يتصور إيمان بدون التقوى ، وهي للإيمان بمثابة الروح للجسد ، فإذا خلا الإيمان من التقوى فقد كل قيمته ، وذاهب أدراج الرياح ، أما الصيام فهو تمرين عملي على الاتقاء ، ودرس حي لتنمية هذه الناحية ، وصبغ الحياة كلها بصبغة الله سراً وعلانيةً ، وقد أشار القرآن الكريم في علة وجوب الصيام إلى هذه الناحية فقال : ( يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [ البقرة : 183 ] .
والصبر على الشدائد من آيات الإيمان ، فإن المؤمن يواجه البلاء والامتحان في كل خطوة يخطوها ، فإذا كان قليل الصبر ، كثير التشكي ضجر وتبرم من الدنيا ، وتمنى الخلاص منها سريعاً ، وفاتت الغاية التي خلق من أجلها ، لكن الإيمان يتطلب الثبات والاحتمال والصبر والتأني ، إنه يريد من المؤمن أن يكون قوياً في كل حين ، وعند كل مناسبة يواجه الشدائد والصعوبات بوجه باسم وقلب ثابت ، ونفس قوية ، وعزيمة راسخة ، ويعتقد أنها ليست إلا من عند الله الرؤوف الرحيم ، وكم يتمثل صبر المؤمن وتجلده في رمضان الذي يسمى شهر الصبر ، والحقيقة أن صيام هذا الشهر يوجِّه إلى الصائم درساً عظيماً للصبر والثبات ، ويؤكد له عجزه أمام أمر الله ، ويريه أن أكوام الذهب والفضة وذخائر الطعام والشراب وطيبات الحياة التي تملكها الإنسان لا تغني عنك شيئاً ما لم يرد الله ، ومن هنا ينشأ في نفسه شعور العبودية الصادقة بكل معناها ، وتصور الكبرياء الحقة بكل معناها لله وحده .
إن لهذا الشهر فضلاً كبيراً في تكوين مجتمع مثالي أفضل ، ذلك المجتمع الأفضل الذي يتسم بسمة المساواة والمواساة ، ويتصف بصفة الإيمان والتقوى ، ولولا هذه العبادة وهذا الركن الكبير في الإسلام لنقص بناؤه ، وفقد النظام الإسلامي ذلك التكامل والشمول الذي يعتبر خصيصة هذا النظام الكبرى ، هكذا يعتبر هذا الشهر الميمون نعمة الله الكبرى على المسلمين ، التي تشعر بعظمتها القلوب المؤمنه الواعية ، لأنها تستوحي في هذه الفترة إشارات لطيفةً من الإيمان والتقوى ، لا تدركها في غيرها ، إنها تشعر بلذة العبودية الخالصة ، وترى أن هداية الله ماثلة أمام الأعين ، ورحمته تحف بها من كل جانب ، وهنالك تستعد النفوس لتمثيل ذلك الدور العظيم الذي أخرجت له هذه الأمة العظيمة : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ ) [ آل عمران : 110 ] .
والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .
سعيد الأعظمي الندوي
19/8/1446هـ
20/2/2025م