الأديب فخر الدين قباوة وجهوده العلميّة
أغسطس 31, 2025رجال من التاريخ :
الشيخ عبد الوهاب زاهد الحق الحلبي الندوي أحد أعلام الدعوة في العصر الحاضر
الأستاذ فيصل أحمد الندوي *
ولادته ونشأته وتعليمه :
وُلد الشيخ عبد الوهاب زاهد الحق الحلبي الندوي في مدينة حلب – سوريا – سنة 1941م ، ونشأ في بيئة دينية . بدأ تعليمه في الكتاتيب التقليدية بحلب حيث تعلم الكتابة والقراءة وحفظ أجزاءً من القرآن الكريم ، ثم التحق بالمدارس الشرعية التي تشرف عليها وزارة الأوقاف السورية والجمعيات الدينية . ودرس فيها النحو والصرف والسيرة النبوية والفقه الحنفي والتفسير . واستفاد كذلك في ذلك الوقت من مشايخ حلب ، حيث قرأ عليهم بعض المتون في العقيدة والفقه .
كان لسماحة شيخنا أبي الحسن علي الحسني الندوي رحلات إلى الخليج والشرق الأوسط منذ أواخر الأربعينات من القرن المنصرم ، ولكتبه ورسائله انتشار عظيم هناك . فكيف لا يمس هذا الشاب العشريني نفحات من كتاباته المؤثرة في الفكر والدعوة ، وقد قال في إحدى مقابلاته : كنت أسمع عن أبي الحسن الندوي وعلمت أنه مجدد روحي وداعية رباني ، فقلت : لا بد أن أرتحل إليه وأجلس عنده ولو عاماً . إلى أن قرر عام 1968م أن يسافر إلى لكناؤ – الهند – ليتلقى العلوم الشرعية على يد المفكر والداعية أبي الحسن علي الحسني الندوي ، فالتحق بدار العلوم لندوة العلماء ومكث هناك نحو ثلاث سنين ، وقرأ خلالها الكتب الستة على الشيخ محمد إسحاق الصديقي السنديلوى الندوي – وكان مديراً لدار العلوم التابعة لندوة العلماء وشيخ الحديث بها – والموطأ للإمام مالك على الشيخ حبيب الله البالنبوري . وحصل على إجازة في الفقه والحديث من شيخنا المفتي محمد ظهور الندوي – مفتي ندوة العلماء إذ ذاك – ودرس تفسير ابن كثير على السيد الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي . ولازمه واستفاد من مجالسه في العلم والدعوة والتربية ، وارتوى من منهله الفياض . وكان متأثراً بشخصية الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي علمياً ودعوياً وروحياً من قبل أن يرتحل إلى الهند . بل كان من أبرز حوافز السفر . وزاد في اعتقاده فيه ما شاهد في أول قدومه لندوة العلماء حيث يقول :
دراسته في ندوة العلماء ، وشيوخه في الحديث :
” حينما دخلت ندوة العلماء .. فوجئت بأنه رحمه الله كان يركب ركشه ( تك تك ) رغم عظمة مكانته العلمية ” . وكان سماحة الشيخ أبي الحسن علي الندوي يهتم به اهتماماً خاصاً لما في قلبه من حرص على العلم والاستفادة من مشايخ الهند ، يقول الشيخ عبد الوهاب : ” اهتم بي الشيخ أبو الحسن اهتماماً خاصاً ، وعلى يديه درست التفسير العظيم لابن كثير ، ثم كان الشيخ عبد الوهاب حريصاً على حصول الأسانيد العالية في الحديث ، فوجهه الإمام الندوي إلى ديوبند ، فاستجاز كبار علمائها كالشيخ محمد طيب القاسمي والشيخ فخر الدين المرادآبادي ، وكذلك سافر إلى الشيخ المحدث حبيب الرحمن الأعظمي واستجازه واستفاد منه ، واستجاز أيضاً الشيخ الكبير المحدث محمد زكريا الكاندهلوي . ومن شيوخه في الحديث سوى من مر : الشيخ فريد أحمد الديوبندي ، والشيخ عبد الله سراج الدين الحلبي ، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمهم الله تعالى .
إكمال دراسته في باكستان ومصر :
ثم ارتحل إلى باكستان وحصل على الماجستير بالدرجة الأولى في الحديث من جامعة كراتشي ، ثم حصل على الدكتوراه في الفقه المقارن من جامعة السند – حيدرآباد 1403هـ/1983م ، وكان بحثه للدكتوراه بعنوان ” في فقه الأئمة المقارن ” . وقد طبع الكتاب باسم ” فقه الأئمة الأربعة ” .
وأكمل دراسته في كلية أصول الدين بجامعة الأزهر بمصر ، حيث نال على شهادة البكالوريس في علوم التفسير والحديث .
وظائفه العملية قبل الذهاب إلى كوريا :
وبعد أن أنهى دراسته في الهند وباكستان ومصر عاد إلى بلاده ، فعمل إماماً وخطيباً في جامع البختي بحلب ، ثم مدرساً بدار الإفتاء فيها ، ومديراً للمدرسة الشرعية في عفرين – شمال غرب سوريا ، وتتبع إدارياً محافظة حلب – ثم يمم إلى الحجاز وعُين أستاذاً للفقه الإسلامي في جامعة أم القرى بمكة ، ثم في كلية الشريعة بالطائف . ثم ذهب إلى باكستان ، فتم تعيينه كالرئيس الأكاديمي لقسم الدراسات العليا بالجامعة الفاروقية بكراتشي .
وفي عام 1980م عُرض عليه القضاء في أبوظبي ، لكنه اعتذر ، ثم عُرض عليه أن يعمل في الموسوعة الفقهية بوزارة الأوقاف الكويتية ، وذلك في عام 1982م .
رحلته إلى كوريا وإنجازه الدعوي :
فبينما هو في الكويت يعمل في الموسوعة الكويتية إذ قال وزير الأوقاف الكويتي يوماً : إنه جاءه طلب من كوريا الجنوبية بإرسال عالم لتعريف الناس في كوريا بالإسلام ، فمن منكم يتحمل هذه المسئولية ؟ فتهيأ الشيخ عبد الوهاب لذلك وقال : أنا لها .
فسافر في يوم من أيام 1984م إلى كوريا الجنوبية ، تاركاً وراءه الوظيفة القيمة في الكويت ، واتجه إلى دولة لم يكن يعرفها ، ولا لغتها ، ولا أحداً من أهلها . ولا يعرف أي شيئ عنها ولا أي شيئ فيها . دخلها حاملاً رسالة الإسلام بنية دعوة أهلها إلى الله وحده ونشر تعاليم الإسلام فيها .
بدأ الدعوة برفقة إمام محلي ، ثم كوَّن فريقاً دعوياً ، وانطلقوا لتنظيم لقاءات تعريفية بالإسلام في أنحاء البلاد .
وهكذا عاش بقية حياته غريباً عن بلاده في كوريا الجنوبية إماماً وخطيباً ، مدرساً ومربياً ، وداعياً مجاهداً . أسس خلال هذه المدة أكثر من ثلاثين مسجداً ومركزاً إسلامياً ، وكان الشيخ عبد الوهاب في غاية من الإخلاص والتضحية في أعماله الدعوية ، عرض عليه رجل الأعمال المصري عبد اللطيف الشريف أن يكون شريكه في مشاريعه في كوريا بنسبة 50% ، فرد عليه بقوله : لقد تركت بلاد العرب وأنا عميد كلية الدراسات ، وأنا كذا وكذا ليس من أجل المال . والحمد لله رب العالمين لست بحاجة إلى مال ، أنا هنا لأدعو إلى الإسلام ، أنا هنا لأنقذ شخصاً كورياً من النار . فرح عبد اللطيف الشريف بموقفه هذا ، وقال له : ماذا تريد ؟ فقال له : أريد مسجدين لمدينتين في كوريا . فأرسل له عبد اللطيف الشريف تكلفة مسجد حوالي 60000 دولار ، وهو مسجد أبي بكر الصديق أحد أكبر وأهم مساجد كوريا الذي ظل عبد الوهاب إماماً وخطيباً ومدرساً فيه طيلة حياته .
أسلم على يديه آلاف من الكوريين ، وفي مراكزه الإسلامية التي أنشأها أو ساعد وجاهد في إنشائها ، والمنتشرة في مدن كوريا ، وكان الناس يتهافتون للتعرف على الإسلام . الذين أسلموا على يده في مسجده وحده أكثر من 700 ، من بينهم شخصيات مؤثرة مثل القس شين الذي أصبح عمر شين ، بعد إسلامه ، ورجل الأعمال المشهور ناصويانغ الذي اعتنق الإسلام بعد نقاشات طويلة .
كتب لهم باللغة الكورية نحو خمسة وعشرين كتاباً في العقيدة الإسلامية والإيمان . وسيرة آدم ونوح وإبراهيم حيث شرح لهم فلسفة الشرك ومعركة الصراع بين الخير والشر والحق والباطل على مدى الدهور ، بما يتناسب مع العقلية الكورية . وكذلك حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ، وحياته في مكة وحياته في المدينة ، في أجزاء صغيرة بأسلوب مبسط ليفهمها الكوريون بدون معاناة .
نشر كتباً توجيهيةً كـ ” الإسلام دين السلام ” و ” معاملة المسلم لغير المسلم ” ، ووزعها بشكل واسع بعد أحداث 11/ سبتمبر 2001م كمبادرة لحوار وتصحيح المفهوم داخل المجتمع الكوري والدوائر الحكومية .
وكان قد تم تعيينه كأول مفتٍ رسمي للمسلمين في كوريا الجنوبية ، فكان مرجعاً شرعياً أساسياً في المجتمع والمحاكم .
مؤلفاته :
ألَّف أكثر من خمسة وخمسين كتاباً بلغات : العربية والإنجليزية والكورية . ومما ألفه بالعربية :
(1) العقد الجميل في تجويد التنزيل . ولعله أول مؤلف له ، طبع في لكناؤ الهند سنة 1388هـ/1968م ، وعليه كلمات التقدير والتقريظ للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي والشيخ محمد أويس النجرامي الندوي ( شيخ التفسير بدار العلوم لندوة العلماء سابقاً ) ، واستحسنه الشيخ محمد إسحاق الندوي ( مدير دار العلوم لندوة العلماء وشيخ الحديث فيها ) .
(2) فقه الأئمة الأربعة ،وهو بحثه للدكتوراه بعنوان في فقه الأئمة المقارن ، و قد تقدم ذكره ، طُبع في كراتشي .
(3) الحياة الاجتماعية في الإسلام . قدم له الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي ، والشيخ المفتي محمد إسحاق الصديقي الندوي والأستاذ عبد الله ناصح علوان ، طُبع 1402هـ/1982م ( كراتشي ) .
(4) الخليفة الأول أبو بكر الصديق ، طُبع 1403هـ/1983م ( كراتشي ) .
(5) كتاب الصلاة وأحكامها المقارنة بالكتاب والسنة .
(6) كتاب الصوم وأحكامه المستمدة من الكتاب والسنة .
(7) حياة الأئمة الأربعة الفقهاء .
(8) مكانة الأئمة الأربعة الفقهاء في الحديث الشريف .
(9) الإنسان وفطرة الله ، قدم له الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي .
(10) كتاب أركان العقيدة الإسلامية ، وقد تُرجم إلى الكورية ونُشر بينهم ، فكان سبباً لدخول عدد كبير منهم في الإسلام .
انتقل إلى رحمة الله لسبع بقين من المحرم سنة سبع وأربعين وأربع مأة وألف ( 1447هـ ) الموافق لـ 19/ من يوليو سنة خمس وعشرين وألفين من الميلاد ( 2025م ) ، بعد ما قضى أكثر من أربعين عاماً مكرسةً للدعوة والتعليم [1] .
* أستاذ الحديث الشريف بدار العلوم لندوة العلماء .
[1] استفدت في كتابة هذا المقال من عدة مواقع على الإنترنت ومن مقدمات كتبه ، وأيضاً من مقال د . ناصر أبو عوان المنشور على بعض منصات التواصل الاجتماعي .

