لكن غزة لا بواكي لها !
يناير 4, 2026الافتتاحية : بسم الله الرحمن الرحيم
وما هي إلا ساعة ، ثم تنقضي
الأفراح والأتراح ، والمسرات والنكبات ، وبوارق الخير وبوادر الشر ظاهرتان لا ثالث لهما ، فتصاب الحياة الإنسانية أحياناً بالمتاعب والمنغصات ، والآلام والخادشات ، وتلحق بها أخرى المبشرات والتفاؤلات ، ولا شك أنهما من لوازم الحياة الإنسانية وودائعها ، كذلك فترة الانتكاسات والهزائم التي تجتازها الأمم والشعوب عبر التاريخ فترة طارئة موقتة ، وتأتي هذه المراحل في حياة الأمم والأفراد حيناً لآخر ، فالواثقون بنصر الله يزدادون ثقةً بالله واعتماداً عليه ، وأما مرضى القلوب والألباب فيصابون بمركب النقص ، ويلحق بهم فشل ذريع ، وتنكسر هممهم ، وتضعف طموحاتهم ، فالعاقل اللبيب هو الذي لا تقلقه بلابل نفسه ، ولا تزعجه وساوس صدره ، ولا تفقد أعصابه ثقلها ووزنها ، ولا تنسكب دموعه بمجرد نزول البليات ، ولا تنهمر عبراته بسماع الآفات ، بل يثق بالله ويتفاءل بمستقبله ، وهو متترس بالصبر ومتدرع بنصر الله تعالى ، وينطرح على عتبات بابه سائلاً : أَمَّن يُجِيبُ المضطَرَّ إِذَا دَعَاه .
إن أفضل جيل على كوكبة الأرض هو الأنبياء والمرسلون ، وقد جبلهم الله تعالى على طبائع إنسانية ، وفطرهم على فِطر بشرية ، فلم يكونوا ملائكةً مقربين إلى الملأ الأعلى ، وقد عُجن ديدنهم بالتسبيح والتحميد ، وصيغت طينتهم بالتضرع والإخبات إلى الله تعالى ، ولا صلة لهم بعلائق الدنيا ، ومكدِّرات العيش ، لكن الأنبياء والرسل عاشوا مع الناس ، وشاركوا همومهم وغمومهم ، وخالطوا كروبهم وخطوبهم ، حتى إنهم رعوا الأغنام ، فكان داود عليه السلام حداداً ، وكان زكريا عليه السلام نجاراً ، وكان إدريس عليه السلام خياطاً ، كذلك عاشروا الناس عامتهم وخاصتهم ، وبدوهم وحضرهم ، وأغنياءهم وفقراءهم ، وقد واجهوا النكبات والمصايب ، وتجشموا المشاق وتجرعوا المرائر ، وتربوا في ظلال التحديات والغزوات ، فلم يساورهم حزن ولا كآبة ، ولم يطرأ عليهم ضعف ولا استكانة ، ولم ينزعجوا من الإرهاصات الكاذبة ، والتهديدات الخاطئة ، وواجهوا كل بلية بابتسامة مشرقة وطمأنينة ربانية ، وكان رائدهم معيناً من الإيمان ، ورافداً من اليقين ، فمدحهم الله تعالى ، وأشاد بذكرهم ، وأثنى على تعاملاتهم بقوله : نِعمَ العَبدُ ، إِنَّه أَوَّاب ، وهناك مثال لنبي عظيم : وهو سيدنا يونس عليه السلام ، الذي أرسل إلى قومه ، لكن قومه رغم نصائحه المتكررة وتوجيهاته المتناوبة لم يرتدعوا عن غيهم ، ولم يمتنعوا عن معاصيهم ، فظهرت أمارات العذاب ، وخرج يونس عليه السلام ، وقد ركب البحر فالتقمه الحوت ، وكان في ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض ، لكنه لم يترك الالتجاء إلى عتبة الرب تبارك وتعالى ، وظل مسبحاً في بطن الحوت ، فخرج من بطن الحوت سليماً معافىً في جسده ، وقد صدق الله تعالى في القرآن الكريم : ( فَلَولا أَنَّه كَانَ مِنَ المسَبِّحِينَ لَلَبِثَ في بَطنِه إِلَى يَومِ يُبعَثُونَ ) [ الصافات : 143 – 144 ] ، وصدق صلى الله عليه وسلم : صنائع المعروف تقي مصارع السوء ( رواه الطبراني ) .
وقد نال بعد الأنبياء عليهم السلام أتباعهم شرفاً وعظمةً لا يساويها بشر على وجه الأرض ، مهما بلغ في الصلاح والتقوى إلى قمته ، وفي المجد والشرف إلى ذؤابته ، وكان رفاق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عُرفوا بالصحابة رضي الله عنهم ، فهذه الثلة المختارة لم تتربى على فرش من الأوراد والرياحين ، بل مشت على شظف من العيش ، وذروة من المشقة ، وكانت معدودةً ومستضعفةً في بداية الإسلام ، تخاف أن تتخطفها جماعة من قطاع الطريق والشطار واللصوص ، وقد حُوصرت في الشعاب ، وضُيق عليها الخناق ، وحُوربت في القرابات والأرحام ، وأُوذئت من الناس ما لم يكن في الحسبان ، إنها سُحبت على الرمضاء ، وحُسبت في العراء ، وسُلبت منها عقاراتها وضيعاتها ، وطُردت من مراتع شبابها ، وملاعب طفولتها ، وقد واجهت هذه الثلة القليلة المعارك والغزوات ، والسرايا والحروب ، فعُرضت للسيوف المصلتة ، وتراءت الأموات أمامها كأنها في انتظارها وترقبها ، وصُبت عليها مصائب ، ولو أنها صبت على الأيام صرن ليالياً ، فصبرت واحتبست ثواب الآخرة ، وكانت سعيدةً مبتهجةً ومتفائلةً بهذه المصائب ، لأنها قد استيقنت بأن هذه الدنيا فانية زائلة ، والآخرة هي باقية خالدة ، وأن الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون ، فهانت عليها المصائب ، وصغرت في عينيها المشكلات ، واستبشرت بنصر الله الذي وعدها في الكتاب والسنة ، ( وَكَذَلِكَ حَقًّا عَلَينَا ننج المؤمِنِينَ ) ، وتقبل الله تضحيات وجهود هذه الصفوة المجتباة ، والنخبة المصطفاة ، فخصهم برضاه ومغفرته ، وجنته الواسعة الأطراف ، ولا يوجد مثل هذا الشرف والعظمة كما ناله الصحابة الكرام رضي الله عنهم ، فليس هناك شرف أرفع ولا أسمى ولا أثمن من رضوان الله تعالى ، وهو أنبل الغايات وأشرف الأهداف وأعظم القربات إلى الله تعالى ، قال الله تعالى : ( وَرِضوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكبَر ) .
شهد الزمان في شتى فتراته وأطواره نماذج من البليات والمصايب بعد القرون المشهود لها بالخير ، وكان يُخشى أن يطوى بساط الأمة ، وتمحى آثارها من وجه الأرض ، ولا يبقى لها أثر ولا عين ، لكن الله تعالى قد قضى لهذه الأمة الخلود والبقاء بالقرآن العظيم ، وهو الذي جعل لها الاستمرارية إلى يوم القيامة ، وحسبنا قصة التتار الوحوش ، ذلك الجراد المنتشر ، الذين قهروا العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه ، وعفَّروا شوكة المسلمين وقوتهم في التراب ، بحيث أسالوا أنهاراً للدماء ، وأقاموا قباباً للرؤوس ، فلم تقم لهم قائمة ، ولم يقف في وجههم واقف ، واستولى اليأس والقنوط في كل بقعة من بقاع العالم الإسلامي ، وأصبح انهزام التتار مستحيلاً ، صعب المنال ، حتى اشتهرت هذه القولة السائرة الذكر التي رواها ابن الأثير : إذا قيل : إن التتر انهزموا ، فلا تصدِّق ، وأبدى هذا المؤرخ عن انطباعاته بعد ما شاهد فظائع هذه الوحشية والبربرية : يا ليتني مت قبل هذا ، وكنت نسياً منسياً ، لكن طلع الصبح الصادق من الليل الغاسق والظلام الحالك ، فهذه الطائفة التي كانت يُضرب بها المثل في القتل وسفك دماء الأبرياء ، وإهلاك الحرث والنسل اعتنقت بالإسلام ، ولجأت إلى حظيرته ، وصارت حملة لواء الإسلام في أنحاء العالم ، هكذا تبدل الجو غير الجو ، واستراح الناس في أرجاء العالم الإسلامي ، وعادت الطمأنينة والأمن والأمان إلى الناس بأجمعهم ، وردّد من ردد قول ابن قيم الجوزية :
وما هي إلا ساعة ، ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جازلاً
فلا حاجة إلى التشاؤم والضجر والشعور بالهلع في هذه الأوضاع الخطيرة ، إن نظرةً على أحوال العالم الإسلامي تملؤنا هماً وغماً ، و وصباً ونصباً ، وهذه فطرة الإِنسان وطبيعته أنه يتأثر بالظروف الطارئة ، وينزعج من الأوضاع الشاذة ، لكن الرجل الواثق بالله ، والمطلع على ازدهار الأمم واندحارها يزداد إيماناً مع إيمانه ، ويقول بلسانه : هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً .
والله يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .
سعيد الأعظمي الندوي
17/2/1447هـ
11/8/2025م

