مصطفى صادق الرافعي : حياته وآراء العلماء عنه
مارس 24, 2025بأقلام الشباب :
” نساء في الجحيم ” لعائشة بنور : دراسة موضوعية
الأخ مسعود الحسن *
إن الكاتبة والروائية المبدعة عائشة بنور تعتبر روائيةً كبيرةً شغف الناس بإنتاجاتها الإبداعية ورواياتها الأنيقة ، ولعبت وما تزال تلعب دوراً ملموساً وساهمت مساهمةً فعالةً في نشأة وتطور الرواية العربية في الجزائر ، ولقيت أعمالها الأدبية قبولاً عاماً واستجابةً واسعةً لدى القراء ومحبي اللغة العربية وآدابها ، وبفضل جهودها البالغة وصلت الرواية العريية الجزائرية الآن إلى ذروة الكمال ، واحتلت ولا تزال تحتل مكانةً مرموقةً في الأدب الجزائري الحديث . ونالت الأديبة عائشة بنور شهرةً فائقةً في أرجاء البلاد وانتشرت شهرتها في الأوساط العلمية والأدبية في العالم العربي كله حتى أعجب به كثير من الأدباء والعلماء والكتاب والباحثين إعجاباً كبيراً وأشادوا واهتموا بالمادة الإبداعية والآثار القيمة التي كتبتها عائشة بنور .
تناقش الروائية العربية الجزائرية صورة المرأة ومآسيها محملةً ومثقلةً بعدة معانٍِ ، فهي الأم المثالية ورمز للوطن وللشخصية الوطنية ، وهي الفاعلة في عملها ونضالها السياسي ، كما جعلت رمزاً للشر واللعنة بوقوفها عائقةً في وجه طموحات الرجل ، والسلطة ، كما تصور الأذى تتعرض له المرأة في المجتمع الأبوي التقليدي وتمردها ساعيةً إلى تخطي ما تكرهه من تقاليد ، وهذا ما جعل المرأة أكثر إقبالاً على العلم والقراءة والتعرف على الثقافات المختلفة ، فانعكس هذا على الكتابات النسوية ، لتظهر شخصيتها أكثر جرأةً وصلابةً لها القدرة في التأثير على البيئة الاجتماعية والاقتصادية .
رواية ” نساء في الجحيم ” وصورة المرأة :
رواية ” نساء في الجحيم ” تعتبر إحدى أهم الروايات للكاتبة عائشة بنور ، ونالت بها شهرةً واسعةً وسمعةً طيبةً ، تتناول الروائية عائشة بنور في رواياتها تاريخ حياة المرأة العربية واضطهادها النفسي ، لأن القهر والظلم والشقاوة غالبة على المرأة العربية الفلسطينة ، وتسرد ذكريات مجموعة من النساء الفلسطينيات ، ومنهن الأسيرات في السجون ومسيرتها النضالية لأجل البلاد من خلال سرد ، وحاولت من روايتها محاولاتها الرامية لاكتشاف ذاتها العميقة وسعيها لإسماع صوتها وسط المجتمع الذكوري المهمش لكيانها ، فتنوعت بذلك القضايا المطروحة في الرواية النسائية الجزائرية مشكلة بذلك مشاهد من العالم المتخيل بمنظور الأنثى الفاعلة المؤثرة المستنطقة والكاسرة للمسكوت عنه ، أي كسر الطابوهات ، وفق ما يثير العديد من تساؤلات الذات والآخر والمصير والوطن .
تناولت القضية الفلسطينية حيزاً كبيراً ومساحةً لا يستهان بها من الأعمال الأدبية والفنية والدرامية بصورة صادقة وواضحة لما مرت ولا زالت تمر به فلسطين من أزمات عرفت فيها العنف والقتل والتشريد والمجازر الدموية بأشكالها العديدة وبدءاً بالاستعمار الصهيوني وممارساته ضد الشعب الفلسطيني وصولاً لحدة وبشاعة تلك المجازر وتنوعها على المرأة الفلسطينية المناضلة . والكاتبة مزجت في هذه الرواية قضيتين مهمتين بارزتين تخصان بالشعب الفلسطيني من ناحية والشعب الجزائري من ناحية أخرى .
وتحضر الجزائر والثورة المباركة رديفاً حياً في نص الرواية ، فتكاد تكون التوأم السياسي للثورة الفلسطينية ، وبهذا يتداخل السرد حتى يكاد يفقد معه القارئ ، أي الشعور بهوية البطلة الحقيقية فنجدها أحياناً ساردةً فلسطينيةً أم جزائريةً ، فهي في بعض مقتطفات السرد . فهي رواية تمس مختلف الجوانب من خلال رصد مسيرة المرأة الفلسطينية والجزائرية ونضالها . وأهدتها الكاتبة عائشة بنور هذه الرواية ” إلى الذين عطروا الأرض بدمائهم في الجزائر وفلسطين خاصةً دلال مغربي ، مريم بوعتورة ، غسان كنفاني ، شادية أبوغزالة ، ناجي العلي . . . وكل شهداء الحرية .
ثم تكتب كلمة الشاعر محمود درويش في رثاء غسان كنفاني ، يرثيه بنثرية قوية واقعية عميقة مؤلمة مبكية تقول فيها : ” إن البياض أمامي كثير ، ودمك الذي لا يجف مازال يلوّن ، لقد ودعت مرحلة حياتي حين كنت أودعك ، جئت ورأيتك كيف تذهب ، لقد اتسعت مساحة الأرض المحتلة ولم يعد ذلك ميزة ، ودورة السجون تدور ، تودع وتستقبل ، وكل أرض ترى استشهاد أبناء شعبي ، ونحن مطاردون في كل مكان ، والكاتب ملعون ومتهم بالحياة والكتابة ، والوطن هو الوطن ، ولم تكتب فيه حرفاً واحداً ، وأين هي الأرض غير المحتلة في الكون ؟ وأين هي الأرض المحتلة في الثورة ؟ ويا صديقي غسان ! لم تتناول طعام الغذاء الأخير ولم تعتذر عن تأخرك . تناولت ساعة التلفون لألعنك كالمعتاد : الساعة الثانية ولم تصل كف عن هذه العادة السيئة ” . ولكنهم قالوا لي : قد انفجر ! محمود درويش ” [1] .
وتحتوي الرواية على ثمانية عشر فصلاً ، وكل فصل من فصولها لا يخلو من مسحة الكآبة والحزن والألم ، وكل عنوان ينسجم مع الفصل ويدل على مضمونه ، وتتكون هذه الرواية من 272 صفحة ، مقسمة إلى 18 فصلاً ، وكل فصل لديه عنوان فرعي ، والعناوين تحمل في طياتها الحزن والكآبة . تكتب بنور أن الدوافع لكتابة هذه الرواية هي نضال الشعب الجزائري الذي دام أكثر من سبع سنوات ، وعانى فيها الشعب أشد المعاناة ، وذاق كل أنواع التعذيب والمرارة الذي مارسه الجيش الفرنسي على الطفل والمرأة والشيخ والرجل وحتى على الأرض والحيوان ، وكيف يمكن نسيان الإحساس بالظلم والتعذيب من خلال حكايات المجاهدين وهو ما يشعرها بالقهر ، وبالتالي ، هذا التزاوج بين نضال الشعبين الفلسطيني والجزائري من أجل الحرية ، ما هو إلا دلالة كبرى على أن الاستيطان الفرنسي أو الإسرائيلي هو بمثابة الجحيم .
وحاولت الرواية تقديم الصورة الصحيحية للمرأة العربية والفلسطينية التي تعاني من واقع مؤلم وفظيع ، وهي تئن تحت وطأة الحروب والشتات والتهجير ، وتعاني من الاضطهاد والتشرد والجوع . وتتحدّث الرواية عن مجاهدات الثورة التحريريّة الجزائريّة إبان الاستعمار الفرنسي ، القابضات على روح الألم بقوّة أمثال البطلة جميلة بوحيرد وزهور زيراري ومريم بوعتورة ، وهن يذرفن داء الحريّة بغزارة على أسلاك التعذيب بالكهرباء والسجن ، جميلة بوحيرد التي هزت عرش فرنسا : البطلة الجزائرية ابنة القصة التي هزت عرش فرنسا الاستعمارية وأخواتها وأثارت الرأي العام والعالمي ، وأصبحت قضيتها مجل جدل واسع بين مؤيد ومعارض ” ، هذا ، وقد أثار حكم الإعدام ضد جميلة وزميلاتها عاصفة في الرأي العام العالمي ، حيث طالب بعض زعماء العالم فرنسا بالعفو عنها ، وكان من بينهم الرئيس المصري جمال عبد الناصر ، والرئيس الهندي جواهر لال نهرو ، والزعيم السوفياتي خروتشوف ، وأرسلت مئات الرسائل إلى الأمين العام للأم المتحدة ” هامر شولد ” تطالبه بإنقاذ جميلة ” [2] .
إنها المجاهدة البطلة ” جميلة بوحيرد ” من مواليد 1935م في حي القصبة ، الجزائر العاصمة ، من أب جزائري وأم تونسية من مدينة صفاقس . كان لوالدتها تأثير كبير في بث روح للنزعة الوطنية ووعيها الكبير على أنها جزائرية لا فرنسية رغم صغر سنها ، ومنذ ولوجها في الدراسة ، وميولها الوطنية عوقبت من طرف ناظر المدرسة لقولها ” أمنا الجزائر ” بدلاً من فرنسا أمناً . تعتبر البطلة من أكبر المناضلات اللواتي ساهمن كبيرةً في الثورة الجزائرية ، حيث انضمت إلى صفوف جبهة التحرير الوطني وعمرها لا يتجاوز العشرين سنة . التحقت بصفوف الفدائيين ، وكانت أولى المتطوعات الناشطات لزرع القنابل في المدينة أين يتواجد الجنود الفرنسيون ، ومن ثمة أصبحت المطاردة الأولى نظراً لما كانت تقوم به ، وبالفعل تم القبض عليها ، عندما سقطت على الأرض بسبب إصابتها برصاصة واقتيدت إلى السجن أين تم تعذيبها .
* باحث الدكتوراه ، مركز الدراسات العربية والإفريقية ، جامعة جواهرلال نهرو .
[1] بنور ، عائشة ، نساء في الحجيم ، ص 6 ، منشورات دارالحضارة ، لبنان ، ط 1 ، عام 216م .
[2] بنور ، عائشة ، المرأة الجزائرية في الثورة التحريرية ، ص 194 ، ومضة للنشر والتوزيع والترجمة ، الطبعة الأولى ، 2021م .