نداء الأقصى وغزة : الفتوى التي دوّت في وجه الصمت

رسل الله في خاتم كتبه السماوية ( الحلقة الخامسة )
يناير 4, 2026
رسل الله في خاتم كتبه السماوية ( الحلقة الخامسة )
يناير 4, 2026

أخبار علمية وثقافية :

نداء الأقصى وغزة : الفتوى التي دوّت في وجه الصمت

أ . خالد الضيف شبلي *

تمهيد :

في زمنٍ تصاعد فيه الدمار ، وتفاقم الصمت ، وارتبك الخطاب العربي الرسمي ، خرج علماء الأمة عن صمتهم ، وأصدروا نداءً تاريخياً بعنوان ” نداء الأقصى وغزة ” ، ليس فقط دعوةً للضمير ، بل وثيقة موقف تستحق أن تُدرّس في الجامعات ، وتُقرأ في منابر الجمعة ، وتُعمّم في كل بيت عربي وإسلامي .

هذا النداء الذي صدر عن أكثر من 100 من كبار علماء الأمة ( من مختلف الجنسيات والانتماءات ) جاء ليُعيد البوصلة إلى أصلها : الأقصى ليست مجرد قضية ، بل هي عقيدة ، والمقاومة ليست خياراً سياسياً ، بل فريضةً شرعيةً ، والانحياز للمظلوم ليس مجاملةً ، بل واجب شرعي .

أولاً : من الفتوى إلى النفير :

منذ بداية العدوان على غزة في أكتوبر 2023م ، شَهِدنا حالة غير مسبوقة من المجازر والتطهير العرقي ، والتواطؤ الدولي ، والانحياز الأعمى للكيان الصهيوني من قبل معظم المؤسسات الغربية ، أمام هذه الوحشية ، كان لا بد أن يرتفع صوت آخر ، صوت العلماء ، ليقول كلمة الحق .

نداء العلماء لم يأتِ بصيغةٍ رمزيةٍ أو إنشائية ، بل جاء بلغةٍ شرعيةٍ واضحة ، تحسم الموقف وتُحدد الخيارات : المقاومة جهاد ، التخلي عنها فرار ، مولاة العدو خيانة ، التطبيع باطل ، والتقاعس في نصرة غزة إثمٌ لا يُغتفر .

ولعل أقوى ما في النداء هو ما جاء في البند الرابع : ” التقاعس عن نصرة غزة فرار من الزحف ، وقد أصبح فرض عين على من يستطيع النفير أو النصرة أو الدعم . . . ” . هذا الكلام ليس من باب الحماسة ، بل هو استدعاء لأحكام الجهاد التي تتعلق بجهاد الدفع ، وهو النوع الوحيد من الجهاد الذي يصبح فرض عين متى استُبيح الحمى ، وانتُهكت المقدسات ، وعُذّب الأطفال .

ثانياً : تفكيك خطاب الخداع والتواطؤ :

على مدى السنوات الماضية ، ساد خطاب يدّعي ” الحياد ” ، أو ما يُسمّى بـ ” الواقعية السياسية ” ، يدعو إلى التهدئة ، ويُجرّم المقاومة ، ويُطبّع مع الاحتلال تحت شعار التنمية والتبادل التجاري ، وقد استطاعت بعض الأنظمة ترويض الإعلام لفرض هذا الخطاب على الرأي العام .

لكن هذا النداء كشف بوضوح أن مثل هذه الخطابات تُخالف الفقه الإسلامي ، وتُخالف التاريخ ، وتُخالف الفطرة السليمة ، بل تُعد من أشكال المولاة للكافرين المحاربين ، وقد أجمعت الأمة على حرمة التنازل عن فلسطين أو التعامل مع الاحتلال ككيان طبيعي .

وفي البند الحادي عشر من النداء جاء التصريح الصريح : ” كل اتفاقيات السلام والتطبيع التي عقدت مع الكيان الصهيوني قبل هذا العدوان على غزة ، باطلة شرعاً ، لا اعتبار لها . . . ” . وهي إشارة في غاية الأهمية ، لأنها تعني أن أي اتفاق لا يراعي حقوق الأمة ولا ينطلق من مرجعية شرعية ، فهو ساقط من الناحية الأخلاقية والدينية ، حتى وإن وُقّع باسم ” الدولة ” أو ” المصلحة الوطنية ” .

ثالثاً : العلماء حين يتقدّمون الصفوف :

لسنوات طويلة ، كانت بعض الأنظمة تُحاول تهميش دور العلماء ، واحتواء الفتوى داخل إطار السلطة ، لكن ما وقع في غزة أعاد الاعتبار لدور العلماء في توجيه الوعي وتحديد الموقف الشرعي من قضايا الأمة المصيرية .

هذا النداء لم يصدر عن جهة رسمية ، ولا عن اتحاد مموّل ، بل عن قامات علمية مستقلّة ، منها الشيخ محمد الحسن الددو ، والدكتور مروان أبو راس ، ومجموعة من الموقعين من الأزهر والمغرب العربي وتركيا وبلاد الشام والمهجر الأوروبي .

وقد وحّد النداء المصطلحات ، وجعل من فتوى الجهاد والمقاطعة والنفير والمقاومة أصولاً لا اجتهاد فيها ، ومواقف لا تتغير بتغير الجغرافيا أو ضغط النظام الدولي .

رابعاً : البعد الأممي للنداء :

لا يقتصر هذا النداء على كونه دعوةً فلسطينيةً ، بل هو خطاب أممي بامتياز ، فقد أكد في بنوده أن العدوان الصهيوني ليس على      غزة فقط ، بل على هوية الأمة ، ومقدساتها ، وكرامتها ، واستقلال قرارها .

لذلك جاء في البند السابع : ” إذا لم يرتدع العدو ويتوقف عن عدوانه ، فإن ذلك يُعدّ إمعاناً في الاعتداء ، ما قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع واتساع رقعة المعركة . . . ” . وهذا تحذير استراتيجي للأنظمة التي تراهن على ” الاستقرار الهشّ ” ، وتُجامل قوى الاستكبار ، على حساب وحدة الصف الإسلامي .

خامساً : واجب التحرك الشعبي :

ما يميز هذا النداء أنه لم يُخاطب الحكومات فقط ، بل وجّه الكلام إلى عموم المسلمين أفراداً وشعوباً ، داعياً إياهم للنفير ( كلٌّ بحسب استطاعته ) سواء بالمقاطعة الاقتصادية ، أو الضغط السياسي ، أو العمل الإعلامي ، أو الإغاثة ، أو حتى التظاهر أمام سفارات العدو وداعميه .

إنه بيان يحوّل المشاعر إلى أفعال ، والغضب إلى طاقة منضبطة ، والفتوى إلى فعل جماعي .

خاتمة : عندما تنطق الفتوى بلسان الأمة :

لقد جاء ” نداء الأقصى وغزة ” في لحظة مفصلية من عمر هذه الأمة ، ليعيد للعالم الإسلامي توازنه ، ويذكره بأن الحق لا         يُسقطه التغافل ، ولا يُضعفه الصمت ، ولا يُلغي قدسيته توقيع معاهدات مشبوهة .

هذا النداء هو أعلى درجات المقاومة الفكرية والشرعية ، وهو جرس إنذار لكل من أغمض عينيه ، ولكل من تخلى عن مسؤوليته ، ولكل من ساوم على دماء الأطفال في غزة .

ومن الواجب على كل من بقي فيه بقية من ضمير أو نخوة ، أن يُشاركه ، يُدرّسه ، يُترجمه ، يُعمّمه ، ويُوقظ به كل غافل .

فكما قال الإمام أحمد بن حنبل : ” إذا سكت العالم على الحق ، وتكلم الجاهل ، فمتى يُعرف الحق ؟ ” .

* khaled.chebli@univ-annaba.dz