منهج النبيّ صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الناس ( الحلقة الثانية الأخيرة )

طاعة النبي صلى اللّه عليه وسلم
أغسطس 31, 2025
سمو القيم الإنسانية تحت راية التعاليم الإسلامية
أغسطس 31, 2025
طاعة النبي صلى اللّه عليه وسلم
أغسطس 31, 2025
سمو القيم الإنسانية تحت راية التعاليم الإسلامية
أغسطس 31, 2025

الدعوة الإسلامية :

منهج النبيّ صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الناس

( الحلقة الثانية الأخيرة )

إعداد : الأستاذ محمد إسحاق بن محمد عبد اللطيف *

تعامله – صلى الله عليه وسلم – مع الشباب :

لقد اختص الشباب بخصائص لم توجد في غيرهم ، والملاحظ أن أكثر من نصر الدعوة في بدايتها هم الشباب ؛ ذلك لما يتمتعون به من الطاقات المتقدة ، والحماسة المتفاعلة ، والعاطفة الجياشة ، والفؤاد الذكي ، والقلب النقي ، والقوة الفتية . وقد يتعرض الشباب لبعض المشاكل التي تنتج بسبب التغيرات التي تلحق بهم ، ولقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم أحوال الشباب ، وخصهم بنصائح وتوجيهات :

أخرج البخاري في صحيحه [1] بسنده عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ : أَتَيْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا فَأَخْبَرْنَاهُ ، وَكَانَ رَفِيقاً رَحِيماً ، فَقَالَ : ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ .

في هذا الحديث أراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يؤنّس الشباب ، قال ابن حجر : عرض ذلك عليهم على طريق الإيناس بقوله : لو رجعتم إذ لو بدأهم بالأمر بالرجوع لأمكن أن يكون فيه تنفير . . . ، وفي الحديث فضل الهجرة والرحلة في طلب العلم ، وفضل التعليم وما كان صلى الله عليه وسلم من الشفقة [2] ، ومن ذلك شفقته صلى الله عليه وسلم بمن يخطئ أو من يخالف الحق ، وكان يُحسن إليه ويعلمه بأحسن أسلوب ، بألطف عبارة وأحسن إشارة ، من ذلك لما جاءه الفتى يستأذنه في الزنى .

فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : إِنَّ فَتًى شَابّاً أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ! ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا ، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا : مَهْ . مَهْ . فَقَالَ : ادْنُهْ ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيباً . قَالَ : فَجَلَسَ قَالَ : أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ ؟ قَالَ : لاَ . وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ : وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ . قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ ؟ قَالَ : لاَ . وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ : وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ . قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ ؟ قَالَ : لاَ . وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ : وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ . قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ ؟ قَالَ : لاَ . وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ : وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ . قَالَ : أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟ قَالَ : لاَ . وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ . قَالَ : وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاَتِهِمْ . قَالَ : فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شيئ [3] .

لقد جاء هذا الشاب يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان قليل الورع عديم الديانة لم ير أنه بحاجة للاستئذان بل كان يمارس ما يريد سراً ، فأدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا الجانب الخير فيه ، فما ذا كانت النتيجة : ” فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيئ ” .

هذا هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي لم ينظر إلى الشاب على أنه معدوم الحياء ، فاقد للخير ، كما نظر إليه الصحابة ، بل تفهَّم حقيقة تلك النار المتقدة داخله . ولمس جانب الخير في هذا الشاب الذي يمكنه أن يمارس ما أراد في الخفاء ولكنه خاف الله . فتعامل معه النبي بمنطق العقل والحوار العقلي ، فأثابه إلى رشده . إنها الرحمة التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم ليعلم أمته فهو الذي يقول : ” إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتاً وَلا مُتَعَنِّتاً وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّماً مُيَسِّراً ” [4] .

وفي هذا الحديث نلمس عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحسن تعليمه وتعامله في هذا الموقف . فهذا شاب يعلم ماذا يعني ( الزنا ) ولذلك قال : يا رسول الله ! ائذن لي بالزنا ! ولا يخفى موقف الصحابة وغيرتهم الشديدة على دين الله رضي الله عنهم وأرضاهم ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعامل ذلك الشاب بالزجر كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم ، ولا قال له : إن الله حرم الزنا ورتب على ذلك وعيداً شديداً ، كل ذلك لم يفعله صلى الله عليه وسلم ، لأن هذه الأمور مستقرة لدى الشاب ومعلومة لديه . إذاً ، كان العلاج النبوي بالمحاورة والإقناع العقلي هو أنجح وسيلة لمثل هذه الحالة ، فتأمل هذه الوسيلة في التعليم يتبين لك عظمة المعلم الأول صلى الله عليه وسلم .

وقد انتهج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في دعوته ولطيف أسلوبه للناس كلهم حتى شملت الكافرين ، فكان من سبب ذلك أن أسلم ودخل في دين الله تعالى أفواجٌ من الناس بالمعاملة الحسنة والأسلوب الأمثل ، كان يتمثل في ذلك صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل :       ( ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . . ) [5] ، إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أُسيئ إليه يدفع بالتي هي أحسن ، يتمثل ويتخلق بقوله تعالى : ( . . . ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقّاهَا إِلاّ الّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقّاهَآ إِلاّ ذُوحَظّ عَظِيم ) [6] .

تعامله – صلى الله عليه وسلم – مع الأعراب :

لا بد للداعية من الصبر والحلم في التعامل مع الناس ، ولا يكون ذلك إلا بتقدير حالهم وواقعهم ، فقد عامل النبيّ صلى الله عليه وسلم الأعرابي باللين ، ومنع أصحابه من تعنيفه ، فكان لهذا الأسلوب بالغ الأثر في نفس الأعرابي . ولا يخفى على الداعية أن نفوس الناس مختلفة الطباع والمزاج تحب دائماً أن تكون هي المصيبة والمحقة ، فإذا ما بدا وظهر أنها أخطأت فإنها تدافع عن خطئها . . . حتى لا يظهر عجزها وزلتها . . . وهذا الخطأ لم يأت إلا بسبب أنهم قليلو التصور للإسلام لم يفهموا العمق الإسلامي بعد .

كما أخرج البخاريّ في صحيحه [7] بسنده عن أَبي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ ، أَو ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ .

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل الأعراب الذين يأتون من بعيد غير معاملة أصحابه الملازمين له ؛ لأنهم لم يتأدبوا ولم يتعلموا ، فيأمر بالتيسير عليهم ، فالجهل هو الذي أوقع الأعرابي في عمله ، ومن هنا كانت حالة تستوجب التعليم ، بل الرفق في التعليم . . . وهذا هو التيسير المراد بعداً عن التعنيف وحرصاً على إزالة المنكر ، وتعليم الجاهل ، ومراعاة لمآلات الأمور ونتائج الأفعال .

لقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم أحوال هؤلاء الأعراب وتحمل أذاهم ، رغم قدرته على عقابهم . فقد أظهر بعض الأعراب جفاء وغلظة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لكن موقف النبي صلى الله عليه وسلم اتسم بالحلم والأناة ، والصبر على جفائهم ، وحسن الخلق وسعة الجود ، فكان مثالاً للمربي الذي يدرك أحوالهم ، وما جبلت عليه بيئتهم ، وطبيعة حياتهم من الخشونة والجفاء والأنانية .

فقد أخرج البخاري في صحيحه [8] بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ .

وأخرج البخاري في صحيحه [9] بسنده عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ مُحَمَّدَ ابْنَ جُبَيْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ أَنَّهُ بَيْنَا هُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ النَّاسُ مُقْبِلاً مِنْ حُنَيْنٍ عَلِقَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : أَعْطُونِي رِدَائِي فَلَو كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَماً لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُونِي بَخِيلاً ، وَلاَ كَذُوباً ، وَلاَ جَبَاناً .

تعامله صلى الله عليه وسلم مع أهل الذمة والمعاهدين :

إن الشريعة الإسلامية منهج شامل لكل ما يتعلق بمصالح البشر ، ولقد اهتمت هذه الشريعة بعلاقة العباد مع بعضهم البعض ، والنبي صلى الله عليه وسلم وضع لنا قواعد الحوار ومنهجية الاختلاف مع الآخر ، وضرب لنا أروع الأمثلة على التعايش مع الآخر ، حتى ولو كان على غير دينه ، وحتى لو اختلفت عادته وتقاليده عن ما نشأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم من عادات وتقاليد وأعراف .

والنبي صلى الله عليه وسلم تعايش مع ثقافات مختلفة ومع نوعيات وعقائد مختلفة بصدر رحب ودون أي محاولة منه للمسّ بهذه الثقافات .

ومن أمثلة ذلك ، تعايش النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود ، حيث عاش النبي معهم منذ قدومه إلى المدينة المنورة بكل سلام ، وكان يعاملهم بأخلاقيات الإسلام ، فيزور المريض منهم ، ويتحمل إساءة الجار اليهودي ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لاحترام إنسانية المسلم فحسب ، بل امتدت تعاليمه تلك لتشمل كل نفس ، وإن كانت على غير دين الإسلام . فها هو يقوم لجنازة يهودي حين تمر أمامه .

روى الإمام البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت عليه جنازة يهودي ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم لها ، فقيل له : إنها جنازة يهودي فقال : ” أليست نفساً ؟ ” [10] نعم ، إن هذه نفس ، وإن كانت ليهودي على غير ديننا ، إلا أنها نفس بشرية يجب أن تحترم . ومنذ بداية وجود النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة ، ظهر حرصه على عدم عداوة اليهود ، بل وقع معهم عهد جميل يدل على رغبة في العيش بسلام مع الطرف الآخر .

تعايش النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين :

رغم علم النبي صلى الله عليه وسلم بالمنافقين وأسمائهم ، ورغم علمه بخطورة المنافقين الذين يحاولون بث روح الهزيمة في صفوف المسلمين ، والعمل على انقسام المسلمين ، إلا أننا لم نر النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل معهم بانغلاق أو يرفض التعايش معهم ، بل كان صلى الله عليه وسلم يخالطهم ويتعامل معهم ويسمع منهم ، ولم يلجأ النبي صلى الله عليه وسلم رغم قدرته على ذلك إلى استخدام القوة ضد هذا التيار ، كما لم يحرمهم النبي صلى الله عليه وسلم من أي من حقوقهم المدنية ، فكانوا يتمتعون بحقوق المواطنة كاملة مثل المسلمين ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمح لهم بأن يدلوا بآرائهم في قضايا المجتمع ، وأخذ نصيبهم من عطاء بيت المال .

هكذا ، من خلال تلك الومضات السريعة ، يمكننا أن نعلم كيف كان محمد صلى الله عليه وسلم يتعايش مع من حوله بكل حب وسلامة صدر ، ودون حمل ضغائن أو كراهية ، وكيف كان يحث أتباعه من خلال سلوكه العملي وسنته الواقعية على التعايش والعيش بمنهجية الحوار الإيجابي البناء .

رحمته صلى الله عليه وسلم بالخدم :

كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً بالخدم ، يرعي مشاعرهم ، ويصفهم بالإخوة لنا ، ويعلم أنهم دوماً في حاجة إلى العطف وإلى الشعور بالرحمة ، فيمنحهم هذه الرحمة ، ما زجرهم النبيّ ولا قهرهم قط حتى كلمة التذمر لم يكن ينطق بها إن تعددت أخطاء خادمه . وقد أرشد النبيّ صلى الله عليه وسلم : ” إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ ” [11] .

ولم تكن هذه الوصايا التي يلقيها النبي صلى الله عليه وسلم علينا بمنأى عن تعامله مع خدمه ، فها هو الصحابي الجليل أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي لنا كيف كانت رحلته في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم . يقول أنس : ” خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تِسْعَ سِنِينَ فَمَا أَعْلَمُهُ قَالَ لِي قَطُّ لِمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا وَلا عَابَ عَلَيَّ شَيْئاً قَطُّ ” [12] . هذه المشاهد الحية من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، تجعلنا ندرك كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث على معاملة الناس معاملة كريمة ، حتى وإن كانوا أقل مرتبة منا ، فقد كان رسول المساواة يحث على احترام الخدم وعدم إهانتهم والرفق بهم .

رحمته صلى الله عليه وسلم بالأسارى :

حقوق الأسرى التي أقرتها المواثيق الدولية ، ما أُقرت إلا احتراماً لإنسانية الإنسان ورحمة به . والذي يغفل عنه العالم أن هذه الرحمة التي جاءت بها تلك المواثيق ، ما هي إلا نقطة في بحر الرحمة التي غمر بها رسولنا الرحيم أسراه ، الرفق بالأسرى والإحسان إليهم وإكرامهم ، توجيه نبوي وأمر أمر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقوله في أسرى غزوة بدر : ” استوصوا بالأسارى خيراً ” [13] .

وقال الحسن : ” وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المحسنين ، فيقول : أحسن إليه ، فيكون عنده اليومين والثلاثة ، فيؤثره على نفسه ” . وروي أنّ النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لأصحابه في أسرى بني قريظة بعدما احترق النهار في يوم صائف : ” أحسنوا لأسراكم وقَيِّلوهم واسقوهم ” . قيلوهم : أي ساعدوهم بالقيلولة وهي راحة نصف النهار عند حرّ الشمس . وقال : ” لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم وحر السلاح ” [14] . وذكر ابن كثير أنّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم : ” أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى ، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء ” [15] . وقد ثبت أنّ النبي – صلى الله عليه وسلم أخذ منهم الفدية في صورة تعليم الكتابة – فأدى بعض أسرى بدر على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة [16] .

كل هذه المشاهد العظيمة في التعامل مع الأسرى ، إن دلت على شيئ ، فإنما تدل على فيض من الرحمة ونبل الأخلاق في التعامل مع من جاءوا ليقتلونا ويشردوا صغارنا ، أين كانت القوانين الدولية التي وضعت منذ وقت قريب لحماية الأسرى ؟ أين هي من تلك الرحمة التي أفاض بها النبي صلى الله عليه وسلم على أسراه ؟!

رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان :

لم تقف رحمة النبي صلى الله عليه وسلم عند حدود البشر ، بل امتدت رحمته لتشمل الحيوان الذي لا يملك لنفسه في الغالب شيئاً أمام قسوة الإنسان عليه ، فقد كان نبينا الرحيم صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على ألا تنتهك حقوق الحيوان ، رحمةً ورفقاً بهذا المخلوق الذي لا حول له ولا قوة أمام قدرة البشر . فقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفق في ذبح الحيوان والإحسان إليه في ذلك ، وقال لمن أضجع شاة وهو يحد شفرته : ” أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَاتٍ؟ هَلاَ حَدَدْتَ شَفْرَتَكَ قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا ! ” [17] .

وعن أبي يعلَى شدَّاد بن أَوسٍ رضي اللَّه عنه ، عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال : ” إِنَّ اللَّه كَتَبَ الإِحسَان على كُلِّ شيئ ، فإِذا قَتلتُم فَأَحسِنُوا القِتْلَةَ وَإِذَا ذَبحْتُم فَأَحْسِنُوا الذِّبْحة وليُحِدَّ أَحَدُكُم شَفْرتَه وَليُرِحْ ذَبيحَتَهُ ” [18] .

ومن خلال أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يمكن لأي عاقل أن يلمح هذه الدعوة الصريحة للرفق والرحمة بالحيوان . فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِى هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا ، فَلَمْ تُطْعِمْهَا ، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خِشَاشِ الأَرْضِ ” [19] .

وعن أبي هريرة رَضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ” بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشي بِطَرِيقِ ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ، ثُمَّ خَرَجَ ، فَإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرىَ مِنَ الْعَطَشِ . فَقَالَ الرَّجُلُ : لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي ، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَهُ مَاءً ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفَيْهِ حَتَّىَ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ ، فَغَفَرَ لَه . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ ! وَإنَّ لَنَا فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ لأَجْراً ؟ فَقَالَ : فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ ” [20] .

هذه الرحمة التي امتدت لتشمل الحيوان ، تجعلنا نحترم هذا الرجل العظيم الذي حازت الرحمة نصيباً كبيراً من شخصيته .

الخاتمة :

هذا ما يسَّر الله لي جمعه من آداب تعاملات النبيّ صلى الله عليه وسلم مع الناس في هذا المبحث المتواضع ، ولا شك أن هناك مواقفَ كثيرة غير ما ذكرت ، لا يمكن حصرها في مبحث ولا مبحثين ، ولكن لعلي أكون قد أشرت إلى بعض أهم المواقف في حياته – عليه الصلاة والسلام – وعرفت كيف كان خلقه صلى الله عليه وسلم – بأبي هو وأمي – مع الناس بأصنافهم المختلفة . . . ، وعرفت كيف تعامل صلى الله عليه وسلم معهم وكيف كانت صفاته تجاههم ، ولا غرابة في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس بهذه الصورة لأنه هو القدوة المُثلى والإمامُ الأعظم ، إنه الذي أرسله الله رحمةً للناس . . . وهو الذي اكتسب أفئدة الناس بأخلاقه الجميلة وآدابه النبيلة وأقنعوهم باعتناق الإسلام عن محبة وطمأنينة مما سبَّب تَمكُّن الدين من القلوب والإقبال عليه بصدق ورغبة ؛ فمن واجب الأمة الآن أن تخاطب الأمم بلغاتها ، ومن خلال ثقافاتها وحضاراتها ، وأن تراعي تغيرات الأفهام ، وتبدلات الأعصار ، واختلاف الوسائل ، والتباس المسائل ، فتكشف الغيوم الداكنة بشمس الحقائق الساطعة ، وتكنس الأوهام المتراكمة ، بالحجج النيرة والبراهين الميسَّرة عن سيرة وشخصية وحياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن تخاطب بذلك الناس جميعاً ، بمختلف بلدانهم وعقولهم ولغاتهم ، وأن تحشد لذلك كل الإمكانات العقلية والفكرية والسياسية والإعلامية والمادية .

فنسألُ الله – سبحانه وتعالى – أن يجعلنا نتخلق بأخلاقه الفاضلة ونتأسى بأسوته الحسنة ويحشرنا معه في الجنة وييسّر لنا أمورنا ، إنه ولي ذلك والقادرُ عليه ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

* محاضر في قسم الدراسات الإسلامية ، بجامعة شيتاغونغ ، شيتاغونغ ، بنغلاديش ، mdishaquecu@cu.ac.bd

[1] صحيح البخاري ، ج 8 ، ص 11 ، حديث رقم 6008 ، كتاب : بدء الوحي ، باب : الساعي على المسكين .

[2] انظر فتح الباري لابن حجر ، ج 2 ، ص 171 – 172 .

[3] الشيباني ، أبو عبد الله أحمد بن محمد ، مسند أحمد بن حنبل ، تحقيق : السيد         أبو المعاطي النوري ، عالم الكتب – بيروت ، الطبعة : الأولى ، 1419هـ – 1998م ، رقم الحديث : 22211 ، ج 5 ، ص 256 .

[4] القشيري ، مسلم بن الحجاج ، الصحيح ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، دار الجيل بيروت ، دار الأفاق الجديدة ، بيروت ، رقم الحديث : 2703 ، ج 7 ، ص 439 .

[5] سورة النحل : الآية 12 .

[6] سورة فصلت : الآية : 34 – 35 .

[7] صحيح البخاري ، ج 1 ، 89 ، حديث رقم 217 ، كتاب : الوضوء ، باب : صب الماء على البول في المسجد .

[8] نفس المصدر ، ج 5 ، 2260 ، حديث رقم 5738 ، كتاب : الأدب ، باب : التبسّم والضحك .

[9] نفس المصدر ، ج 3 ، 1147 ، حديث رقم 2979 ، كتاب : فرض الخمس ، باب : ما كان النبيّ صلى الله عليه وسلّم يعطي المؤلّفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه .

[10] البخاري ، محمد بن إسماعيل ، الصحيح ، دار ابن كثير ، اليمامة – بيروت ، الطبعة الثالثة  ، 1407 – 1987 ، رقم الحديث : 1250 ، ج 1 ، ص 441 .

[11] البخاري ، محمد بن إسماعيل ، الصحيح ، دار الشعب – القاهرة ، الطبعة : الأولى ، 1407هـ – 1987م ، رقم الحديث : 2545 ، ج 9 ، ص 274 .

[12] صحيح مسلم ، ج 11 ، ص442 ، رقم 3135 ، كتاب : كِتَاب الْفَضَائِلِ ، باب : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا .

[13] الطبراني ، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي ، المعجم الكبير ، رقم الحديث : 18411 ، ج 16 ، ص 248 .

[14] العيني ، بدر الدين ، عمدة القاري شرح صحيح البخاري ، ج 23 ، ص 113 ، العسقلاني ، أحمد بن علي بن حجر ، فتح الباري شرح صحيح البخاري ، بيروت : دار المعرفة ، 1379هـ ، ج 1 ، ص 551 .

[15] ابن كثير ، عماد الدين إسماعيل بن عمر ، تفسير القرآن العظيم ، دار القرآن الكريم ، بيروت ، لبنان ، ط 7 ، ج 2 ، ص 582 .

[16] الجوزية ، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم ، زاد المعاد في هدي خير العباد ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، مكتبة المنار الإسلامية ، الكويت ، الطبعة : السابعة والعشرون ، 1415هـ – 1994م ، ج 5 ، ص 65 .

[17] الحاكم ، أبو عبد الله ، المستدرك على الصحيحين ، الطبعة : الأولى ، 1427هـ ، ج 4 ، ص 231 .

[18] صحيح مسلم ، ج 6 ، ص 72 ، رقم 5167 ، باب : باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة .

[19] البخاري ، محمد بن إسماعيل ، الصحيح ، دار ابن كثير ، اليمامة ، بيروت ، الطبعة الثالثة ، 1407 – 1987 ، رقم الحديث : 2334 ، ج 2 ، ص 870 .

[20] المصدر نفسه ، رقم الحديث : 3140 ، ج 3 ، ص 1205 .