قضية المسجد البابري : بين الماضي والحاضر في ضوء الحقائق التاريخية

صحافة الأطفال والشباب في الهند : آفاق وآمال
أغسطس 12, 2020
تطبيع العلاقات أو تهويد المناطق من النيل إلى الفرات ؟
أكتوبر 20, 2020
صحافة الأطفال والشباب في الهند : آفاق وآمال
أغسطس 12, 2020
تطبيع العلاقات أو تهويد المناطق من النيل إلى الفرات ؟
أكتوبر 20, 2020

 

قضية المسجد البابري : بين الماضي والحاضر

في ضوء الحقائق التاريخية

محمد فرمان الندوي

قضية المسجد البابري في الهند من القضايا الشائكة التي ظلت موضوع المجالس والمحافل إلى مدة مديدة ، بدءاً من 1949م إلى 2019م ، وتحققت من خلالها أغراض سياسية ومصالح شخصية ، وقد وصلت القضية إلى نهاية المطاف ، بحيث أصدرت المحكمة العليا بالهند قضاءها النهائي ، ينبغي أن نطلع على تاريخ المسجد القديم ووضعه الحاضر ، وإليكم بعض تفاصيله :

إنشاء المسجد البابري :

” لما توجه الإمبراطور ظهير الدين بابر إلى شرق شمالي الهند ، بعد ما هزم الإمبراطور إبراهيم اللودي ، وذلك في عام 1528م ، نزل مع عساكره على الجانب الشمالي لنهر ” سريو ” في شمال ” أيودهيا ” ، وبعث كتيبةً من عساكره ، في قيادة الجنرال مير باقي ، إلى الجانب الآخر للنهر المذكور أعلاه ، للاستيلاء على هذه المنطقة ، وكان يحكم آنذاك في أيودهيا حاكم  للإمبراطور إبراهيم اللودي ، فلم يستطع أن يقاوم عساكر الإمبراطور بابر ، وهرب إلى الغابة تاركاً أيودهيا ، فتغلبت عليها عساكر بابر ، وأصبح مير باقي حاكماً فيها نيابةً عن الإمبراطور بابر ، بنى مير باقي على تل عال منها عام 1528م مسجداً ، كانت فيه ثلاث منارات ، ونُقشت على الجدار الخارجي من المنارة المتوسطة نحو الشرق حجارة ، كتبت فيها أبيات ، معناها : ” بُني هذا المسجد بأمر من الإمبراطور بابر لنزول الملائكة ، وكان عام بنائه  935هـ ، المصادف 1528م .

شهادتان مهمتان :

ألف سوامي تُلسي داس ( أكبر أتباع المعبود الهندوسي ” راما ” ) قرابة 1560م نازلاً في أيودهيا وبنارس ، كتاباً عن راما ، وهو معروف باسم : ” رام جرت مانس ” باللغة الأودهية والهندية ، ويعتبر هذا الكتاب أوثقَ كتاب عن راما حتى الآن ، لا يوجد في هذا الكتاب ولا في مؤلفات أخرى لتُلسي داس ذكر لوجود أو بناء معبد هندوسي على هذا الموضع من قبل ، وقيل : إن تلسي داس كانت له علاقة وطيدة ببعض مستشاري الإمبراطور جلال الدين أكبر ، لكن لم يقدم تلسي داس شكواه إلى بلاط الإمبراطور أكبر أبداً أن مير باقي هدم معبداً هندوسياً ، وبنى على أنقاضه المسجد البابري ، ثم لم يزل يؤدي المسلمون الصلاة  منذ 1528م في المسجد البابري ، ولم يحدث عائق من الهندوس فيه .

كتب المؤرخ ( Manucci ) مؤلفاً حول تاريخ هاتين الفترتين 1653 – 1708م ، باسم : Moghal India ، فلم يرد في هذا الكتاب أيضاً ذكر عقيدة للهندوس ، بحيث إنهم كانوا يعتقدون جزءاً من المسجد البابري كمسقط رأس ” راما ” ، أو كانوا يعبدون هناك المعبود ” راما ” ، وقد  دُوّن تاريخ حكومة الإمبراطور جلال الدين أكبر باسم : آئينه أكبري       ( مرآة أكبر ) عام 1584م ، ورد فيه ذكر أيودهيا بالتفصيل كولاية مستقلة ، لكن لم يأت فيه ذكر للمسجد البابري أو مولد راما ، وقد نُشر في عام 1608م تقرير William Finch ، وكتاب : Early Travels in India لـ Willian Foster ، ورد فيهما ذكر لأيودهيا وراما ، لكن لم يأت فيه ذكر لأي معبد يُعرف بمسقط رأس ” راما ” أو مسجد .

بداية القضية :

وفي عام 1786م صدر كتاب لسايح Austrian باسم : Tieffenthaler ، لكن لم يأت فيه ذكر ولادة ” راما ” مكان المسجد  البابري ، بل كتب فيه أن الهندوس يعتبرون موضع المهد مسقط رأس  راما ، لعلهم بنوا  فيه  بعد 1855م غرفةً مستديرةً ، مقاسها 17×21/ قدماً ، وجعلوا يسمونها مولداً ، وهي واقعة في الجزء الجنوبي خارج فناء المسجد البابري ، ورشح الناسك ركهو داس نفسه مسئولاً عنه ، فقدم شكواه إلى محكمة فيض آباد ( Suit No: 61/280/1885 ) ، فرفض هذه الشكوى أكبر قُضاتها بندت هري كشن من المحكمة في ديسمبر 1885م قائلاً : يوجد في جنبه مسجد ، فلا يسمح ببناء معبد فيه ، وقد ألحق بهذه الشكوى ( Plaint ) خريطة مقترحة ، صرح  فيها الناسك ركهو داس بوجود مسجد في المبنى الواقع في غرب الغرفة وفناء المبنى ، ثم قدمت عريضة أخرى ضد هذا القضاء في محكمة فيض آباد ، لكنها رفضت رفضاً باتاً ، ثم أدخلت عريضة ثانية Second Appeal في محكمة المفوض القضائي بأوده ( Judicial Commissioner ) ، فألغيت كذلك عام 1886م ، واعترفت المحكمة بدعوى مسئول المسجد البابري آنذاك محمد أصغر بأنه ليس للهندوس ملكية على أي جزء من الغرفة ، وإن كان استيلاؤهم قد تم جبراً على الغرفة التي تقدر 17×21/ قدماً ، وعلى فنائها الذي يُعرَف بمطبخ سيتا زوجة راما ، ومقاسه ثماني أقدام 6×8 .

اشتباكات تضررت بها منارة المسجد البابري :

بعد قضاء هذه القضية لم يتدخل فيها أحد من الهندوس نحو المبنى ذي المنارة وداخل فناء المسجد ، لكن حدثت في 1934م قضية ذبح البقرة في قرية مجاورة ، أدت إلى وقوع اشتباكات بين المسلمين  والهندوس ، تضررت بها منارة المسجد البابري وبعض أجزائه ، وتفادياً من الخسارات  المالية والبدنية التي لحقت بالمسلمين ، فرضت حكومة الإنجليز إتاوات لازمة Punitive Tax على الهندوس ، فكل ما حصلت من الإتاوات كانت جبراً على الخسارات المالية والبدنية إلى حد كبير ، ورغم ذلك كله أنفقت حكومة الإنجليز عشرين ألفاً من الروبيات لإعادة بناء الأجزاء للمسجد التي تضررت بها ، وبعد ما تم الترميم والإصلاح في المسجد أعد نائب المهندس لـP. W. D.  ( Zorawar Sharma ) تقريراً لما رآه في تاريخ ( 21/ 11/ 1935 ) ، وأعد المسئول عن البناء ” تحور خان ” فاتوراً للترميم Repair في 27/ 1/ 1936 ، و 29/ 1/ 1936 ، ورد فيه ذكر ترميم وإصلاح  المسجد البابري أيضاً ، كما جاء  فيه ذكر تحويل المسجد إلى المسلمين بعد الترميم .

وفي عام 1941م قدم فريق ” نرموهي أكهاره ” الذي ادعى ناسكه عن غرفته عام 1885م ، دعواه إلى المحكمة التي تتعلق بتقسيم الموضع ، وصرح فيها من جديد بوجود مسجد في غرب الغرفة ، وهو مسقط رأس ” راما ” .

لم يأت تصريح من قبل الهندوس حتى عام 1941م ، أمام الموظفين والمحاكم بأن تحت منارة  المسجد المتوسطة مسقط رأس راما ، والهندوس يعبدونه ، وقد بدأت سلسلة التعرض للقبور التي تقع في الشرق والشمال خارج المسجد البابري من النُساك المقيمين في أيودهيا ، ولا سيما مقبرة  شمال المسجد ، بعد سنة ونصف من تحرير البلاد عام 1947م ، وبدأت العبادة في هذا الموضع ، كما جرى  بعض الوقائع لصد المصلين الذين يأتون إلى المسجد ، وإيذائهم ، فعُين أربعة أو خمسة ضُباط أمن خارج المسجد ، ونظراً إلى هذه الأوضاع الطارئة قل عدد المصلين في المسجد ، رغم ذلك أديت صلاة الجمعة في 16/ ديسمبر 1949م ، وهي مسجلة في الوثائق الحكومية .

وضع تمثال راما عام 1949م :

وحينما خرج المصلون بعد أداء صلاة العشاء في 22/ ديسمبر 1949م من المسجد ، وخرج كذلك والد المدعي فاروق أحمد الشيخ ظهور أحمد ، وأغلق باب المسجد الحديدي ( Grill ) ووصل إلى بيته إذ دخل عدة نُساك هندوس حوالي أربعين أو خمسين في هذه الليلة متسلقين على جدار المسجد  بالسلم ، ووضعوا تماثيل راما وغيره تحت المنارة المتوسطة عند منبر المسجد ، وبدأ الإعلان منذ طلوع الفجر : ظهر ” راما ” في المسجد ، وكان اليوم الثالث والعشرون من شهر ديسمبر عام 1949م يوم الجمعة ، وجاء مآت من المسلمين لأداء صلاة الجمعة  فقال حاكم المديرية ” كى كى نير ” للمسلمين : ينبغي لكم اليوم أن تصلوا صلاة الجمعة في مسجد آخر ، وسنحل القضية إلى يوم الجمعة الآتي .

وفي 23/ ديسمبر 1949م قدم مفتش مركز الأمن بأيودهيا رام ديو دوبى FIR بأمر من الشرطي ماتا برساد ، صرح فيه بأن ثلاثة متهمين مرشحين وخمسين أو ستين ناسكاً قد وضعوا تماثيل في المسجد وصولاً إليه بالسُلم ، ونجّسوا المسجد ، وكتبوا في كل مكان من داخل المسجد  أسماء راما وسيتا ، وصادر حاكم البلدية المسجد تحت قانون الجنايات 145 – 146 ( CRPC ) ، في 29/ ديسمبر 1949م ، وعين ” بريه دت رام ” رئيس هيئة البلدية مستلماً ( Receiver ) ، وجعل له خطة لعبادة التماثيل في 5/ يناير 1950م ، ثم حوّلها إليهم .

جهود مشكورة للمسلمين نحو المسجد البابري :

وبما أنه قد اشتهر أن رئيس الوزراء آنذاك بندت جواهر لال نهرو قد أرسل برقية Telegram إلى كبير الوزراء لأترابرديش آنذاك              ” سمفورنانند ” لإزالة التماثيل ، فكان يؤكد السكرتير الخاص لأترابرديش ” بهكوان سهائى ” على حاكم مديرية فيض آباد أن تُزال التماثيل من المسجد ، لكن حاكم المديرية ” كى كى نير ” اعتذر عن إزالة التماثيل ، وأبدى عجزه عن تنفيذ هذا المرسوم ، وقال : إن كان لابد من تنفيذه فإني أرضى بالتنازل عن هذا المنصب لحاكم آخر ، وكتب ذلك في رسالته المؤرخة 27/ ديسمبر 1949م ، و 29/ ديسمبر 1949م ، فقد أجرى حاكم المديرية ” كى كى نير ” أمراً امتناعياً بواسطة كوفال سنكه وشارد في 16/ يناير 1950م مسجّلاً  قضيته في المحكمة المدنية أن لا تزال التماثيل ولا يمنع من عبادتها ، وبما أن هذه المرافعة أدخلت  بدون ذكر مادة 80 لقضية ( CPC ) ثم أدخلت مرافعة أخرى من قبل الناسك ” برم هنس رام جندر ” ، وثالثة من قبل نرموهي أكهاره في عام 1959م ، وحينما لم يتم القضاء على هذه المرافعات إلى إحدى عشرة سنة ، قدمت مرافعة قبل نهاية اثنتي عشرة سنة من قبل هيئة الوقف لأهل السنة ، وثمانية مسلمين ، في 18/ ديسمبر 1961م في محكمة القاضي المدني للمصالحة والمهادنةDeclaration and Possession ، وقدمت مرافعة أخرى ، وهي خامسة باسم ” بهكوان شري رام للا ” في 1/ من شهر يوليو 1989م ، في نفس المحكمة ، وهذه المرافعات نُقلت على طلب من حكومة أترابرديش في يوليو 1989م ، إلى فر ع المحكمة العالية بلكناؤ ، فشُكل لحلها كرسي خاص للقضاة ، قدم قضاءه في 30/ ديسمبر 2010م ، ومُنح المسلمون فيه ثلثاً للمسجد ، وثلثاً لنرموهي أكهاره وثلثاً للإله ” شري رام للا ” مع زيادة لمكان المنارة المتوسطة .

قدمت ست عرائض ضد هذا القضاء تحت إشراف هيئة قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعموم الهند ، وعريضة ضد مرافعتين ، باسم الحافظ صديق تحت إشراف جمعية علماء الهند ورئيسها الشيخ محمد أرشد المدني ، فمجموع هذه المرافعات التي قُدمت من قبل المسلمين إلى المحكمة  العليا 7/ ، وكذلك من الهندوس أيضاً . وكانت القضية في المناقشة النهائية ” [1] .

قضاء المحكمة العليا بالهند :

وقد أصدرت المحكمة العليا بالهند قضاءها النهائي في 9/ من شهر نوفمبر 2019م ، ومنحت الأراضي المتنازع فيها لبناء المعبد   الهندوسي ، ومنحت هيئة الوقف المركزية لأترابرديش ( فريق المسلمين ) قطعة واسعة في موضع بعيد في أيودهيا ، وقد كان في هذا القضاء مواضع ضعف : المحكمة اعترفت بأن المسجد البابري لم يتم بناؤه على أنقاض أي معبد ، وكان المسلمون يؤدون فيها الصلوات منذ إنشائه عام 1528م إلى 1949م ، واعترفت كذلك بأن وضع تمثال راما في المسجد البابري في 22/ ديسمبر عام 1949م كان خرقاً للقانون ، وأن هدم المسجد عام 1992م كان عملاً إجرامياً ، وخلافاً للدستور الهندي ، نظراً إلى هذه السقطات قدمت هيئة قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعموم الهند طلباً إلى المحكمة العليا ، لإعادة النظر في القضاء ، لكن المحكمة رفضت الطلب قبل النظر فيه ، ومنحت الأراضي المتنازع فيها للهندوس لبناء المعبد .

تأسيس معبد راما على أنقاض المسجد البابري وموقف المسلمين نحوه :

منذ ذلك الحين بدأت محاولات إنشاء معبد راما على هذه    الأرض ، وبعد تسعة شهور من صدور قضاء المحكمة في 5/ أغسطس عام 2020م تم إنشاء الحجر الأساسي لمعبد راما على أنقاض المسجد البابري ، ووفقاً لتقارير صحفية حضره رئيس الوزراء الهندي حالياً المستر نريندر مودي ، وعدد من أعضاء المنظمة الهندوسية ، وقد أعادت هيئة قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعموم الهند موقفها بهذه المناسبة : إن المسجد البابري كان مسجداً بالأمس ، وسيبقى مسجداً إلى يوم القيامة ، لأن الشريعة الإسلامية تقول : إن المكان الذي أُنشئ فيه مسجد مرةً يكون في حكم المسجد إلى قيام الساعة ، وإن لم يكن عليه أثر المسجد . وقد قال صلى الله عليه وسلم : تذهب الأرضون كلها يوم القيامة إلا    المساجد ، فإنها ينضم بعضها على بعض ( الجامع الصغير : 2420 ) وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المساجد بيوت الله في الأرض تضيئ لأهل السماء كما تضيئ نجوم السماء لأهل الأرض ( المعجم الكبير للطبراني : 10608 ) .

هذا دليل على مركزية المساجد ونظامها الاجتماعي ، فإنها لا تفنى ولا تندرس في حين يفنى فيه كل شيئ يوم تقوم الساعة ، بل تنتقل إلى الفردوس الأعلى .

[1] هذا الجزء تعريب لتقرير هيئة قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعموم الهند بقلم كاتب هذه السطور .