سمو القيم الإنسانية تحت راية التعاليم الإسلامية
أغسطس 31, 2025حقوق الحيوان المعنوية في القران الكريم
يناير 4, 2026الدعوة الإسلامية :
فقه السيرة النبوية
الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي
تعريب : الأخ نعمت الله قاسم الندوي
إن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نور تستنير منه السبل ، وتنقشع به الظلمات ، وتنفتح منه الأبواب ، ويسهل به الوصول إلى مكان الخير والرشد والسعادة . وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي طريق النجاح وحده إلى الأبد ، فالطريق الذي اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا إليه الناس هو ما يسمى بالسيرة النبوية ، والسيرة النبوية تتضمن العقيدة والعبادة والمعاملة والمعاشرة ، وتشتمل على مكارم الأخلاق وجواهر العادات ، وفيها قدوة لكل شعبة من شعب الحياة .
فيجب على كل مسلم أن يعتنق هذه القدوة العظيمة في كل ما يمر به في حياته من أحوال متنوعة ومراحل شتى . ولقد أعلن الله سبحانه وتعالى ذلك مصرِّحاً : ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) [ الأحزاب : 21 ] .
فمما يجب على الأمة الإسلامية أفراداً وجماعات وحركات ومؤسسات أن تُعنى بدراسة سيرة النبي الشريفة وفهمها وتعليمها وتعلمها ، وتجتهد في معرفة كل سنة من سننه ، وكل حال من أحواله . فمن تعمق في فهمها ، وتفكر في دقائقها ، وأجهد نفسه لينزل في أعماقها ، فإنه عالم بالشريعة في معنى الكلمة .
سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مفسرة للقرآن الكريم :
إن السيرة النبوية شارحة ومفسرة للقرآن الكريم . فحينما سُئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عن خلقه ، قالت : ” كان خلقه القرآن ” ( مسند أحمد بن حنبل ، الحديث : 24601 ) .
فحياته في الواقع تفسير عملي جلي لما في القرآن الكريم من أحكام وهدايات وتوجيهات . فقد شرح النبي صلى الله عليه وسلم بحياته المثالية مبادئ القرآن وأصوله ، حيث أصبحت هي كتاباً مفتوحاً واضحاً للشريعة .
فبالجملة ، إن فهم السيرة النبوية من واجبات الأمة الأصيلة الأساسية ، كما هي من متطلبات الإيمان الحقيقي . وقال عليه الصلاة والسلام : ” لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ” ( مشكاة المصابيح ، باب الاعتصام بالكتاب والسنة . وقال النووي في أربعينه : هذا حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح ) . وفي رواية : ” من رغب عن سنتي فليس مني ” ( صحيح البخاري ، كتاب النكاح ، باب الترغيب في النكاح ، الحديث : 5063 ) .
فمن متطلبات الإيمان به أن يُتبع ، ولا يمكن اتباعه دون علم بهديه وطريقه ، وفهم لسنته وشريعته . فتبين كذلك أن فقه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مسؤولية جسيمة من مسؤوليات المسلمين . فعلم حياته العامة فريضة من فرائض كل مسلم ، ولكن دراسة جوانب حياته كلها ، بجميع ما فيها من دقائق وتفاصيل ، واجب من واجبات علماء هذه الأمة .
فبالجملة ، إن فهم السيرة النبوية حق عظيم للنبي صلى الله عليه وسلم يجب أداؤه على الأمة بصفة عامة ، وعلى علمائها بصفة خاصة ، فهو بمثابة فرض كفاية على علمائنا نحن المسلمين .
وإن كل ساعة من ساعات حياته أمانة خاصة حفظها الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم أجمعين – فقدموا للعالم هذه الباقة الزاهرة الجميلة ، فليبذل كل واحد من المسلمين جهده وطاقته ليحيط بسيرته فهماً ومعرفةً ، ويتعمق في جوانب حياته المختلفة فهماً وإدراكاً .
قدوة شاملة للحياة :
ومن خصائص الإسلام العظمى أنه نظام كامل شامل ، يغطي الحياة البشرية كلها ، لا يعتني بالعبادة والشؤون الدينية فحسب ، بل يبين بوضوح كامل أدقَّ التفاصيل للمعاملة والحياة الاجتماعية أيضاً . وهذه التفاصيل كلها مستمدة من حياته صلى الله عليه وسلم ، فهي في الواقع شرح جامع وتفسير كامل للقرآن المجيد . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم : ” القرآن صعب مستصعب لمن كرهه ، ميسر لمن اتبعه ، ومن سمع حديثي فحفظه وعمل به جاء يوم القيامة مع القرآن ، ومن تهاون بحديثي فقد تهاون بالقرآن ، ومن تهاون بالقرآن خسر الدنيا والآخرة ” ( كنز العمال : 2468 ) .
وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على اتباعه مراراً وتكراراً بمناسبات عديدة ، حيث قال عن الصلاة : ” صلوا كما رأيتموني أصلي ” ( صحيح البخاري ، كتاب الأدب ، باب رحمة الناس والبهائم ، الحديث : 6008 ) .
وقال عن الحج : ” خذوا عني مناسككم ” ( السنن الكبرى للبيهقي ، كتاب الحج ، باب الإيضاع في وادي مُحَسِّر ، الحديث : 9307 ) .
وقد ورد في القرآن المجيد ذكر كثير من الفرائض والواجبات مجملاً ، لكن السنة شرحت الأحكام ، وعلَّمت كيفية أدائها ، وفصلت ما كان منها مجملاً ، وبينت ما كان مبهماً . فكانت حياته تفسيراً عملياً وشرحاً وافياً كافياً للنظام الذي كتب الله له الخلود والبقاء إلى يوم القيامة .
وقد أسلفنا الذكر أن بعض الصحابة رضي الله عنهم أرادوا الاحتراز عن أشياء رخَّص فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وأباحها للناس ، فقالوا : نصلي طول الليل ، ونصوم النهار دائماً ، ولا نتزوج . فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فقال : ” ما بال أقوام يتنزهون عن الشيئ أصنعه ؟ فوالله ! إني لأعلمهم بالله ، وأشدهم له خشيةً ” ( صحيح البخاري ، كتاب الأدب ، باب من لم يواجه الناس بالعتاب ، الحديث : 3469 ) .
وتبين من الحديث أن الفلاح مربوط بالعمل بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته ، ولا يتحقق العمل بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم دون فهمها فهماً عميقاً صحيحاً .
الميل عن السيرة فاتح لباب البدعة :
ومن خلال دراسة التاريخ الإسلامي يتضح أن باب الانحراف والبدع والخرافات يتفتح عندما يفتقد الناس الفهم الصحيح السديد للسيرة النبوية ، فيختلط الحق بالباطل ، ويُستحسن ما لا يُستحسن ، ويضاف إلى الدين ، بل يدخل فيه ما ليس منه . وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ، قائلاً : ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ” ( صحيح البخاري ، كتاب الصلح ، باب إذا اصطلحوا على صلح جور . . . الحديث : 2697 ) .
وإن هذه التفاصيل الشرعية تحتاج إلى دقة وعمق ومهارة وإتقان ، فإن الشيطان يعمل عمله ، وقد يلتمس منافذ للتضليل بأسلوب سرِّي لا يشعر به المتدينون الكبار ، حتى العلماء العظام أيضاً ، ويفتح من خلال ذلك أبواب التحريف . فلذلك يجب على الإنسان أن يأخذ بحيطة وحذر في جميع أعماله وسلوكياته ، ويعيد النظر دائماً في السيرة النبوية الشريفة .
وأكثر ما يمثل دوره في تشكيل الحياة الفردية وتكوين المجتمع الإسلامي هو السيرة النبوية والسنة الشريفة .
ومن الحقائق التاريخية أنه كلما قل الاعتناء بالحديث الشريف ، انتشرت البدع والخرافات ، ولم يكن وقفها أمراً سهلاً . فقد يسلك الإنسان باسم الدين سبيلاً غير السبيل الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم . وهذه نكتة مهمة دقيقة جداً تدعونا إلى التأمل والتريث . فلنتأمل كيف تكشف دقائق السيرة والسنة وأعماقها حقائق الدين ، وكيف تحل العقد ، وتوضح من الأمور ما فيه من الغموض والتعقيد ، وتنشئ في الإنسان الفكرة الصحيحة السليمة ، وتحفظه من الوقوع في كل نوع من الأخطاء والزلات .
قدوة لحياة كاملة متزنة :
وقد لا يعتني المشتغلون في الحديث – مع أنهم يكرسون أوقاتهم وجهودهم وكفاءاتهم في دراسة الكتب الضخمة لعلوم الحديث – ويركزون خلال الدرس والتدريس كل عناياتهم على الأحاديث التي تتعلق بالعبادات ، ولا يهتمون بشطر كبير من الدين يتعلق بالمعاملات والأخلاق والحياة الأهلية والأسرية والاجتماعية اهتماماً لائقاً .
فإن سلوكه صلى الله عليه وسلم مع أزواجه وأولاده ، وتعامله مع أهله وعشيرته وقريبه وبعيده ، ومع المسلمين وغيرهم ، واقتصاده في إعطاء كل ذي حق حقه ، شؤون لا يمكن الوصول إلى روح الإسلام ولبه دون تعمق فيها ومعرفتها حق المعرفة .
عن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدثنا ونحدثه ، فإذا حضرت الصلاة ، كأنه لم يعرفنا ولم نعرفه . ( طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ، الطبقة الخامسة ، هجر للطباعة والنشر والتوزيع ) .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كان الحبشة يلعبون بحرابهم ، فسترني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنظر ، فما زلت أنظر حتى كنت أنا أنصرف . ( صحيح البخاري ، كتاب النكاح ، باب حسن المعاشرة مع الأهل ، الحديث : 4894 ) .
فلم يقل لها إن هذا سيضيع الوقت ، فلتنته منه ، حتى هي انصرفت وانتهت منه .
وكان عليه السلام إذا سافر ، كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة ، وأول من يدخل عليها إذا قدم فاطمة . ( سنن أبي داود ، كتاب الترجل ، باب ما جاء في الانتفاخ بالعاج ، الحديث : 4213 ) .
وكان يصلي بالناس ، وكان الحسن بن علي رضي الله عنهما يثب على ظهره إذا سجد ، ففعل ذلك غير مرة ( مسند أحمد ، حديث أبي بكرة نُفيع بن الحارث ، الحديث : 200448 ) .
وفي رواية أخرى : أنه صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه في إحدى صلاتي العشاء ، وهو حامل حسناً أو حسيناً ، فتقدم فوضعه ، ثم كبر للصلاة ، فصلى ، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها . قال الراوي : قال أبي : فرفعت رأسي ، فإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد . ( سنن الترمذي ، كتاب الافتتاح ، باب هل يجوز أن تكون سجدة أطول من سجدة ، الحديث : 1141) .
وللحديث بقية . . . . . .

