ليشهدوا منافع لهم
يوليو 9, 2025منهج النبيّ صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الناس ( الحلقة الثانية الأخيرة )
أغسطس 31, 2025الدعوة الإسلامية :
طاعة النبي صلى اللّه عليه وسلم
الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي
تعريب : الأخ نعمت اللّه قاسم الندوي *
طاعته المطلقة :
فكما كان النبي صلى الله عليه وسلم مُطاعاً في حياته ، فهو مطاعٌ بعد وفاته ، ويتمثل اتباعه في اتباع شريعته . وكما كان تغيير رأيٍ من آرائه أو نسخ حكمٍ من أحكامه حسب الأهواء والمصالح والحاجات الشخصية يُعتبر عصياناً وبغياً وانحرافاً ، فقد أصبح ذلك بعد وفاته أشدَّ ضلالاً وانحرافاً عن دين الله تعالى .
يقول تعالى : ( لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) [ الحجرات : 7 ] .
وكان في حياته احتمال استشارة أصحابه واختيار آرائهم ، لذلك قال جل وعلا : ( فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ ) [ الحجرات : 7 ] .
ولكن بعد وفاته قد أُغلق هذا الباب من تغيير لرأيه ونسخ حكمٍ من أحكامه ، فلا سبيل لنا الآن لأن نتكلم في نص شرعي ثابت من ناحية التغيير .
فبقاء كل شيئ في مكانه من حيث هو ، ووضعه في محله بصورته الحقيقية ، والعمل به والدعوة إليه مسؤولية جسيمة تعود على الأمة المسلمة بصفة عامة ، وعلمائها بصفة خاصة .
ومن الفتن الجسيمة في هذا الزمان أن بعض العلماء المزعومين والطبقة المثقفة الذين لا يحملون ذرةً من علم القرآن والسنة يتكلمون في النصوص الشرعية ، ويبدون فيها آراءهم ، وكثيراً ما يُحرّفون فيها ويضعون معانيها في غير محلها حسب آرائهم ونظرياتهم .
فإذا سُلّمت آراؤهم في النصوص التي لا تحتاج إلى زيادة أو حذف أو تغيير ، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة مطاع ، بل كان ذلك بمثابة ترجيح الرأي الشخصي على رأيه ، ولم يعد ذلك على جماعة المسلمين إلا بالحيرة والاضطراب ، وأصبحت الشريعة نتيجة ذلك لعبةً يلعب بها كل من يريد ويديرها كيفما يشاء ، وأصبحت هي دون مقصدٍ بُعثت به ، لأن الآراء والنظريات كما نعرف تتغير كل يوم .
وقد أبان الله تعالى ذلك بالعنت ؛ يعني كلاً من المشقة والاختلال ، فيتيه الإنسان نتيجة ذلك في أودية من الضلال والحيرة والاضطراب ، لا يجد منها مخرجاً .
فلابد لكل فرد من أفراد الأمة أن يُقوي صلته بالشريعة ، ويُحب كل ما يمت إليها بصلة ، ويحتفظ بكل جزء من أجزائها ، وإن ذلك مسؤولية عظيمة على كواهل الأمة يجب أداؤها في كل زمن من الأزمان .
فإن الإنسان إذا وقع في حفرة من الظلام غاب عنه النور ، وصعب عليه الوصول إلى الطريق . يقول تبارك وتعالى : ( وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ) [ النور : 40 ] .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحكم في حياته مباشرةً كحكم ضروري قاطع ، واتباعه كان واجباً في كل حالٍ من الأحوال ، والانحراف عنه واتخاذ سبيل غير سبيله كان يُعد من علامات النفاق الفاحشة .
فكانت توجيهاته وأحكامه بمثابة الحكم القاطع للمسلمين ، حيث كان لابد لهم من العمل بها ، وقضاء حياتهم في ضوئها ، وامتثالها بانشراح الصدر وطمأنينة القلب في جميع الظروف والأحوال . فأكد الله سبحانه وتعالى قوله في الآية الشريفة بالقسم قائلاً : ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) [ النساء : 65 ] .
ومهما كان سبب نزول الآية ، فإن الحكم الذي ورد فيها يشمل كل فردٍ وكل جماعةٍ وطبقةٍ من المسلمين ، ويمتد إلى يوم القيامة .
فسيرته الطيبة ، وتوجيهاته القيمة ، وسننه المباركة بمنزلة حكم قاطع يجب اتباعه للمسلمين أجمعين .
وإن افتراق الطبائع واختلاف الأفكار والآراء والنظريات لم يكن بدعاً من الأمر ، لكن إذا تطرقت إلى ذلك الأهواءُ والشهواتُ والمصالحُ الشخصية ، وصل الأمر إلى النزاع والشتائم والسباب ، وقد يبلغ الأمر إلى القتال والنضال .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ” سباب المسلم فسوقٌ ، وقتاله كفرٌ ” ( صحيح البخاري ، كتاب الإيمان ، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله ، رقم الحديث : 48 ) .
والحديث جليٌّ واضحٌ ، يُبيّن خطورة الأمر ، ويتوعد من ينهضون فيما بينهم بالسب والشتم والحرب والقتال . ومع ذلك نجد من نعدّهم متدينين يصابون بهذا المرض القبيح السيئ ، ويفعلون هذه القبائح والشنائع ، ويحاولون أن يسدلوا عليها ستار الدين ، ويلجؤون لتحقيق أغراضهم ورغباتهم إلى كلمات الإطراء والمجاملة .
وتوجد هنالك طبقة أخرى تعصي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم علناً ، وتسعى للإضافة في العز والجاه والمال ، مستندة في ذلك إلى كل نوع من الأكاذيب والأقاويل ، وتطعن في أغراض الآخرين ، وتغتصب حقوقهم ، وتتنازع فيما بينها لأمور حقيرة تافهة .
فأمر الله سبحانه وتعالى المسلمين أن يجعلوا النبي صلى الله عليه وسلم حكماً في نزاعاتهم ، ثم يرضوا بحكمه ولا يشعروا منه بضيق ، فإن أحكامه وتعاليمه وتوجيهاته كلها حيَّة خالدة قاطعة هادية ، قد وعد الله بحفظها وبقائها على مر الأزمان .
فالحكم في الحقيقة حكمه في كل شأنٍ من الشؤون ، صغيراً كان أو كبيراً ، عاديّاً كان أو هامّاً ، فرديّاً كان أو جماعيّاً ، يتعلق بنزاعات أسرية أو بخلافات اجتماعية .
فمن البيِّن أن سيرته وطريقته وتعاليمه وأحكامه لم تزل ولا تزال باقيةً قاطعةً تصلح لمسايرة الركب البشري في كل زمان ومكان .
فاعتباره حكماً في جميع الشؤون والقضايا من دلائل الإيمان .
فأكثر ما نحتاج إليه اليوم أن نصوغ فكرنا وطبيعتنا وفق فكر النبي صلى الله عليه وسلم ونظرته ومنهجه ، وندرس سيرته دراسة عميقة غائرة تحيط بجميع مناحي حياته ، ونزيل الخلافات والنزاعات في ضوئها ، فإن الإيمان دون ذلك مجرد ادعاء ، وليس من الحقيقة في شيئ .
إن الله سبحانه وتعالى وضّح أن الإيمان ليس كلمة تقال باللسان فحسب ، إنما هو أن يطمئن القلب والعقل بما يحكم به النبي صلى الله عليه وسلم ، ويرضيان بما يأمر به .
والتعبير القرآني :
( وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) [ النساء : 65 ] واضحٌ جليٌّ في هذا المعنى ، وينادي بكل صراحة أن الإقرار اللساني وحده لا يكفي ، بل لابد من الخضوع والاستسلام والامتثال والانقياد بطواعية نفس .
وقد أبان الله سبحانه وتعالى في آية أخرى أن المؤمن والمؤمنة سلَّما أنفسهما لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا خيار لهما إذا قضى الله ورسوله أمراً دون أن يطيعاهما ويمتثلاهما ، ومن عصى الله ورسوله واتخذ سبيل الغي والبعد عن أحكامهما ضلَّ عن الصراط السوي وفقد طريق الحق والصواب .
قال الله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً ) [ الأحزاب : 36 ] .
وقال في آية أخرى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) [ النساء : 59 ] .
مقتضيات الإيمان :
وإن الأمر الذي يطلبه الإيمان هو الرجوع إلى أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم ، والنظر في توجيهاته ، والتكيف وفق تعاليمه ، والعمل بها في شأن العقيدة والعبادة والمعاملة والتجارة ، وفي مناسبة الزواج ، وفي مناسبة الفرح والحزن ، وفي أمر الاجتماع والسلوك مع الآخرين ، بل في كل شعبة من شعبها ، وفي كل مناسبة من مناسباتها .
فمهما تقتضي النفس ، ومهما تطلب التقاليد والأعراف ، فإن أمر النبي صلى الله عليه وسلم يجب أن يكون فوق كل شيئ ، وذلك في الواقع من متطلبات الإيمان ودلائله ، وأصبح لا يُقدَّر بأغلى ثمن .
هذا هو مجد كل مسلم ، وهذه هي هويته وسمته ، وهذه هي إرادة الله وحكمه .
فعرفنا أن من الحقوق الأساسية التي تعود على المسلمين تجاه النبي صلى الله عليه وسلم أن يطيعوه ، ويعملوا بتعاليمه وتوجيهاته في كل مرحلة من مراحل الحياة ، وفي كل شعبة من شعبها . . . . .
( وللحديث بقية )
* معهد الدراسات العلمية ، ندوة العلماء ، لكناؤ .