فريضة الزكاة : مقاصدها وتطبيقاتها المعاصرة
يوليو 9, 2025الفقه الإسلامي :
سؤال المصلحة في الفكر المقاصدي الإسلامي
الدكتور علي رابحي *
من بين ما تتميز به الشريعة الإسلامية أنها تهدف إلى جلب المصالح ودرء المفاسد ، والمصلحة نسبية ، لذا وجب الرجوع فيها إلى الشرع العادل ، والمصالح على ثلاثة أقسام :
مصالح معتبرة : وهي المصالح التي شرع الشارع أحكاماً لتحقيقها ، ولها شواهد من القرآن والسنة أو الأحكام الشرعية ككل تدل على اعتبارها عللاً لما شرعه . مثل حفظ الحياة ، وحفظ العقل وحفظ النسل ، وحفظ المال ، وحفظ الدين . من طرف الشرع .
مصالح ملغاة : وهي المصالح التي دلت نصوص الشارع على إلغائها وتحريمها أو بطلانها . قد يعتبرها البعض مصالح ، ولكنها شرعا ملغاة بشواهد من أحكام الشرع ، لأن الله حرمها . فكل ما حرم الله لا يمكن أن يكون موضوع مصلحة ، لأن الشرع ما حرمه إلا لأنه مفسدة في ذاته أو يؤدي إلى مفسدة ، مثال ذلك : حرم الله الخمر ، ولا أحد يمكن أن ينكر مضرته .
المصالح المرسلة : ليست معتبرةً ولا ملغاةً لغياب الشواهد الشرعية الصريحة بخصوصها ، فيدخل الاجتهاد في تحديد هذا الأمر .
وهذه المصالح التي يهدف الشرع لجلبها للإنسان هي على مراتب :
– الضروريات : التي لا بد منها في حياة الإنسان .
– والحاجيات : وهي التي فقدانها يوقع في الحرج والضيق .
– والتحسينات : التي إن فاتت لا يحس الإنسان بضيق أو حرج .
والضروريات الخمس هي : الدين والنفس والعقل والنسل والمال .
وأيد الشرع هذه الضروريات بأحكام تهدف إلى صيانتها وحفظها .
مقاصد الشريعة هي إتيان المصالح وإصابتها بدقة لا تحيد عنها ، وتبيينها ، والتوجه نحوها ، وطلبها بعينها بالعدل والاعتدال والوسطية . يقول الإمام ابن تيمية : ” المقاصد والأفعال هي في الأقوال عللها التي هي غاياتها ونهاياتها ” . وعرفها القرضاوي بأنها : ” الغايات التي تهدف إليها النصوص من الأوامر والنواهي والإباحات ، وتسعى الأحكام الجزئية إلى تحقيقها في حياة المكلفين أفراداً وأسراً وجماعات ” . وفرق القرضاوي بين المقاصد والعلل ، فالمقاصد هي العلل التي تطلب من وراء تشريع الأحكام ، وليس المراد بالمقاصد العلل التي ذكرها الأصوليون في مبحث القياس ، وعرفوها بالوصف الظاهر المنضبط المناسب للحكم ، فالعلة سبب للحكم ، وليست مقصداً له .
ومثال ذلك . رخصت الشريعة للمسافر القصر والجمع في الصلاة والفطر في رمضان ، فالعلة هي السفر ، والمقصد هو مراعاة المشقة الغير المعتادة التي يتعرض لها المسافر . وربط العلماء الحكم بالعلة ، ولم يربطوه بالمقصد لصعوبة ضبطه . فالناس متفاوتون في الشعور بالمشقة ، ومنهم من يتورع رغم شدة المشقة ، وآخر سيقصر ويفطر بأدنى شيئ من المشقة . وهكذا يميل القرضاوي إلى اعتبار الحكم في الأحكام إذا تبينت ، ويطلق عليها ” حكمة الشريعة ” أي العلة الغائية التي وراء الحكم . ويورد أيضاً طريقتين للوصول إلى المقاصد ، الأولى تتبع النصوص التي جاءت بتعليلات في القرآن والسنة لنعرف منها مقاصد الإسلام وأهدافه . والثانية استقراء الأحكام الجزئية وتتبعها والتأمل فيها وضم بعضها إلى بعض ، حتى نصل إلى مقصد كلي ؛ خلافاً لرؤى الظاهرية والمعطلة الجدد .
الظاهرية الجدد هم امتداد لظاهرية ابن حزم التي أنكرت تعليل الأحكام ، بل قالوا بأن الله كان يمكن أن يأمرنا بما نهانا عنه ، وينهانا عما أمرنا به . ويركز الظاهرية الجدد اهتمامهم بالنصوص الجزئية ، وفهمها فهماً حرفياً بمعزل عن مقاصد الشرع منها ، فورثوا من أسلافهم الجمود ، ولم يرثوا منهم سعة علمهم بالحديث . وهؤلاء رغم تعبدهم وإخلاصهم إلا أنهم يسيئون إلى الإسلام من خلال مواقفهم الواضحة من المرأة والأسرة وقضايا الثقافة وحقوق الإنسان والعلاقة بين المسلمين . وهذه المدرسة تتميز بخصائص وسمات منها : حرفية الفهم والتفسير ، والميل إلى التشدد والتعسير ، والإنكار بشدة على المخالفين وتجريحهم ، وعدم مبالاتهم بإثارة الفتن الدينية والمذهبية . ومرتكزات الظاهرية الجدد هي الأخذ بظواهر النصوص دون التأمل في معانيها وعللها ومقصدها ، وإنكار تعليل الأحكام بعقول الناس واجتهاداتهم ، واتهامهم الرأي ، بل يدينونه ، ولا يرون استخدامه في فهم النصوص وتعليلها ، وينهجون عامة نهج التشدد في الأحكام . ومن نتائج هذه المدرسة ومواقفها الفقهية إسقاط الثمنية عن النقود الورقية ، وإسقاط الزكاة عن أموال التجارة ، والإصرار على إخراج زكاة الفطر من الأطعمة ، وتحريم التصوير الفوتوغرافي والتلفزيون .
أما المعطلة الجدد فيزعمون أنهم يهتمون بمقاصد الشريعة وروح الدين ، معطلين بذلك نصوص القرآن والسنة ، مدعين أن الدين جوهر لا شكل ، فهم لا يعرفون صحيح الحديث من ضعيفه ، ويتأولون القرآن ، ويتمسكون بالمتشابهات منه ، ويعرضون عن المحكمات . يعتبرون أنفسهم أدعياء التجديد ، وفي الواقع هم دعاة التغريب . فمن الممكن عندهم أن يمنع الطلاق ، ويحرم تعدد الزوجات ، ويباح الخمر ، وتعطل الحدود والعقوبات باسم مراعاة مصالح الخلق . منهم جماعة ظهرت تدعي المعرفة بالقرآن ، فتفسره بهواها ، دون الرجوع لتفسير نبوي ، ولا قول صحابي ، ولا رأي تابعي . ومن مميزاتها جهلها بالشريعة ، وجرأتها على القول بدون علم ، وتبعيتها العمياء للغرب . وترتكز هذه المدرسة على إعلاء منطق العقل على منطق الوحي ، وادعاؤها أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إمامها في تعطيل النصوص افتراء عليه ، وتعتمد على مقولة : ” حيث توجد المصلحة فتم شرع الله ” المنسوبة إلى الإمام ابن القيم ، والحق أنه كان يتكلم عن العدل ، ولم يذكر المصلحة ، فقال : ” إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض ، فإذا ظهرت أمارات العدل فتم شرع الله ودينه ” .
مقاصد الشريعة لا تخرج عن حفظ الضروريات الخمس العامة للشريعة الإسلامية وتحقيق المقاصد الثابتة في جميع الملل والنحل كما نص عليها الغزالي في المستصفى ، والرازي في المحصول ، والآمدي في إحكام الأحكام في أصول الأحكام ، وغالب الأصوليين ، وهي : الدين ، والنفس ، والنسل ، والعقل ، والمال .
تنقسم مقاصد الشريعة إلى أقسام عدة ، باعتبارات متعددة ، نذكر منها باعتبار العموم والخصوص ، المقاصد العامة وهي ما راعاه الشارع في أحكام الشريعة عامةً من حِكَم ومقاصد تجتمع عليها جميع الأدلة أو أكثرها . والمقاصد الخاصة وهي الحِكَم أو العلل التي قصدها الشارع في كل حُكم من الأحكام . وما يهمنا بسطه بالتفصيل في هذا البحث أقسامها باعتبار المصالح التي جاءت بالمحافظة عليها ، وهي بهذا الاعتبار تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
أولاً : المصالح الضرورية :
المصالح الضرورية هي ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا ، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة ، بل على فساد وتهارج وفوت حياة ، وفي الآخرة فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين .
والمصالح الضرورية بهذا المفهوم لا يستقيم نظام الأمة وأفرادها إلا بتحصيلها ، بحيث إذا انخرمت تؤول حال الأمة إلى الفساد ، ولا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها . وحصر أغلب القدماء الضروريات في خمس أصول ، هي : ” حفظ الدين ، والنفس ، والمال ، والعقل ، وقد قالوا إنها مراعاة في كل ملة ” . وأضاف بعضهم مقصد حفظ العرض . وتوسع المحدثون في أنواعها ، فأضاف بعضهم مقصد حفظ البيئة .
ثانياً : المصالح الحاجية :
المصالح الحاجية هي ما كان مفتقراً إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب ، فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة ، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة .
والمقصود من المقاصد الحاجية رفع الحرج عن المكلفين ، وحماية الضروريات وخدمتها ، وذلك بتحقيق صلاحها وكمالها .
ثالثاً : المصالح التحسينية :
المصالح التحسينية هي الأخذ بما يليق من محاسن العادات ، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات ، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق . والمقاصد التحسينية حامية للمقاصد الحاجية ، وخادمة للمقاصد الحاجية والضرورية .
فالمقاصد الحاجية والتحسينية يقصد منها بالدرجة الأولى حماية المقاصد الضرورية والحفاظ عليها ، إما مقدمة لها ، أو مقارنة لها .
والمحافظة على هذه المقاصد يكون بأمرين : أحدهما المحافظة عليها من جانب الوجود ، وذلك بحفظ ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها . وثانيهما المحافظة عليها من جانب العدم ، وذلك بحفظها مما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها . وبإقامة هذه الأهداف والمحافظة عليها من جانب الوجود ، وجانب العدم ، يتحقق بناء الإنسان والمجتمع . وجدير اتخذها معالم طريق في الرسالة القيمية الاستشرافية التي توضع لتصحيح مسار المجتمع وفق المنظور الإسلامي الأصيل ، ولتوفير شروط الإقلاع الحضاري من جديد ، في ضوء الإمكانات المتاحة والظروف المحيطة .
فصل عن المصالح المرسلة :
المصلحة لغة هي المنفعة ، والمرسلة هي المطلقة . واصطلاحاً المصالح المرسلة مركب إضافي يطلق ويراد به المصلحة التي لم يرد دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها ، وليس لها أصل يمكن أن تقاس عليه ، ولم يشرع الشارع حكماً لتحقيقها ، ولكن في اعتبارها وبناء الحكم عليها جلب منفعة أو دفع مفسدة مما يتفق مع أغراض الشارع . ومثال ذلك المصلحة التي اقتضت أن الزواج الذي لم يُسجل في وثيقة رسمية لا تسمع الدعوى به عند الإنكار . وأيضاً المصلحة التي لأجلها ضُربت النقود ، وغيرهما من المصالح التي لم يشرع الشارع أحكاماً لها ، ولم يدل دليل منه على اعتبارها أو إلغائها ، ولكن في بناء الحكم عندها تتحقق منفعة أو تُدْرَأ مفسدة ، ولذلك تسمى مصالح مرسلةً .
وهذه المصالح اختلف العلماء حول اعتبارها دليلاً مستقلاً للأحكام ، ومصدراً من مصادر التشريع فيما لم يرد فيه نص عن الشارع .
فذهب جمهور العلماء إلى اعتبار المصالح المرسلة حجةً شرعيةً ، ودليلاً يجوز بناء الأحكام عليه فيما لم يرد فيه نص أو إجماع أو قياس أو استحسان ، وأكثر من توسع في بناء الأحكام على المصالح هو الإمام مالك .
ويُشترط للأخذ والعمل بالمصالح المرسلة ما يلي :
-أن يكون الأخذ بها في مسائل المعاملات لا العبادات .
-ألا تعارض المصلحة مقاصد الشرع ولا دليلاً من أدلته .
-أن تكون المصلحة حقيقيةً وعامةً ، والمصلحة الحقيقية هي التي يكون في بناء الحكم عليها جلب منفعة أو درء مفسدة .
والمصلحة المرسلة دليل شرعي مستقل تثبت عن طريقه الأحكام كما ذهب إليه المالكية والحنابلة ، واستدلوا على ذلك بأعمال الصحابة الذين شرعوا كثيراً من الأحكام تحقيقاً لمصالح العباد وإن لم يرد دليل من الشارع باعتبار عين تلك المصالح ، مثل جمع أبي بكر للمصحف بين دفتي كتاب ، ومحاربته لمانعي الزكاة ، ومنع عمر لسهم المؤلفة قلوبهم ، ووقف تنفيذ حد السرقة في عام المجاعة ، وقتل الجماعة بالواحد ، وإقامة السجون وتدوين الدواوين ، وتوريث عثمان الزوجة المطلقة من طلاق الفرار .
ويرى الشافعية والحنفية أن المصالح المرسلة ليست حجةً ولا دليلاً مستقلاً تثبت عن طريقه الأحكام ، واحتجوا لقولهم بأن الشريعة راعت المصالح للناس بالنص والإجماع والقياس ، فكل مصلحة لم يشهد لها دليل من هذه الأدلة ، ليست مصلحةً حقيقيةً بل هي باطلة .
* باحث في الفكر الإسلامي والحضارة ، المغرب الأقصى .