السيرة النبوية نفحة من نفحات الرحمة الإلهية
يناير 4, 2026نداء الأقصى وغزة : الفتوى التي دوّت في وجه الصمت
يناير 4, 2026التوجيه الإسلامي :
رسل الله في خاتم كتبه السماوية
( الحلقة الخامسة )
بقلم : الدكتور غريب جمعة *
خامس أولي العزم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم :
جاء خاتم رسل الله سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وجماهير البشرية على استشراف لبلوغ رشدها العقلي والعلمي .
أي أصبحت تقدر أن تحكم العقل والعلم ، فيما تُدعى إليه من عقائد إن هي أرادت ، أما قبل ذلك فقلما كانت تستطيع – أو أرادت – لطغيان سلطة التقاليد الوحشية الوثنية المستعصية عليها .
ومن أجل ذلك كانت المعجزات ، التي يؤيد الله بها رسله ، مادية حسية مشاهدة ، وكل الأمر في جحودها ، أنها تنسب إلى السحر دهاءً وكيداً من الملحدين العالمين بها ، وسذاجة وحماقة من المغفلين الجاهلين بها كالعصا لسيدنا موسى عليه السلام ، وإحياء الموتى لسيدنا عيسى عليه السلام .
وكانت معجزة خاتم الرسل العظمى عقليةً علميةً بيانيةً مثاليةً متحديةً ، وهذا أمر أكده وحي الله اليقيني المنزل عليه – القرآن المجيد – لأن رسالته خاتمة الرسالات السماوية ، ومستمرة إلى نهاية العلم فلا بد أن تكون معجزته خاتمة المعجزات ومستمرةً إلى نهاية العالم .
والمعجزات المادية الحسية لا تصلح لذلك ، لأنها محصورة بزمنها ولا تتجاوزه ، إذ يستحيل أن تظل عصا موسى ، بين أيدي البشر ، وقد انتقل إلى الله ، ورسالته انتهت بمجيئ سيدنا عيسى ، ولو بقيت العصا لما أرسله الله بعده .
أما المعجزة العقلية العلمية البيانية الأبدية ، فهي وحدها القادرة أن تثبت صدق الرسالة في كل أجيال الإنسانية المتعاقبة ، وذلك إذا كانت المعجزة من رب العالمين حقاً وصدقاً ، لأن غير رب العالمين لا يستطيع ذلك ، وهذه حقيقة لا يرتاب بها ذو عقل وعلم وبيان ، ولو قل ما يملك من كل ذلك .
والقرآن المجيد يعلن هذه الحقيقة في جملة من السور بصراحة ووضوح :
(1) أما كونه برهاناً من الله فإليك نصه المحكم : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ) [ النساء : 174 ] .
وكما أن كل تكوين الكائنات برهان ناطق بوجود مكونه العليم القادر جل وعز ، كذلك القرآن هو برهان ناطق من الله ، وكل سورة دلت على ذلك وإن قصرت في عدد آياتها .
(2) وأما كونه موجهاً للعقل فهو مقرر في قوله تعالى : ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) [ يوسف : 2 ] .
وفي قوله تعالى : ( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) [ الحديد : 17 ] .
والآيات التي تنص على اعتماد العقل ، في الفهم والتفهيم ، كثيرة جداً . وليس هنا موردها كافة ، والمراد بالعقل العقل المنطقي القادر على التمييز بين حقائق الأشياء ، وليس العقل المدبر بالتقاليد ، الذي يجعل أصحابه جامدين على وتيرة واحدة كالدواب ، وفيهم يقول الله عز وجل : ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ) [ الأنفال : 22 ] .
(3) وأما كونه موجهاً إلى العلماء فإنه جل وعز يقول : ( . . . . . . وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) [ التوبة : 11 ] .
ويقول : ( وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) [ العنكبوت : 43 ] .
ويقول : ( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) [ سبأ : 6 ] .
ويقول : ( إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ .فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ .وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) [ الأنعام : 95 – 97 ] .
ونقول ما قلناه آنفاً : إن النصوص في ذلك وفيرة جداً ، ويكفي أن تعلم أن الله عز وجل نص أن القرآن المجيد آيات بينات : تسألنا في صدور من ؟!! الجواب من الله عز وجل : ” في صدور الذين أوتوا العلم ” كما أن جحوده ظلم ، لأنه جحود بيقين العلم .
( وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ .بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ) [ العنكبوت : 48 ، 49 ] .
ويكفي لكي يعلم الدارسون قيمة العلم في وحي الله أنه أعلن أن الجاهلين دون العلماء ، وهذا شرف للعلم وأهله ، وما فوقه شرف ، يعي ذلك ويتذكر به أرباب العقول العالمة : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) [ الزمر : 9 ] .
وهل ملأ مكاتبَ العالم العامة والخاصة بالمؤلفات الضخمة ، والتفاسير الهائلة ، والمعارف المختلفة والشرائع والآداب إلا وحي الله المعجز القرآن المجيد ؟!!
وأي كتاب في الدنيا له كل هذه الآثار الضخمة الخالدة ؟ ليكون نداً للقرآن المجيد ، ويتحدى به إعجازه السرمدي الذي هو روح من رب العالمين ، أنزله جل وعز ليكون حجة علمه الأزلي الصارخة على مدى الأجيال ، فإن كان نده موجوداً في تأريخه أو قبله أو بعده فليعرض على المجامع العلمية ليقارن به القرآن ، والتحدي مستمر إلى نهاية العالم .
(4) وأما كونه معجزةً بيانيةً متحديةً إلى الأبد فإليك نصوصها من القرآن المجيد .يكفي أن تعلم أن الله يعلن أنه نزله بعلمه ، وهل علم الله قليل ؟
لا لا ، ليس بالقليل أبداً ، أدرسْ القرآن بكل ما تملك من علم وفكر ومقارنة تلمس هذه الحقيقة لمس اليد .والقرآن المجيد نزل بعلم الله ، الذي لا يتخلف في شيئ ، هذا محال ، ولكن التخلف هو علم الإنسان ، لذلك كلما تقدم الإنسان في العلم ، قرب من فهم علم الله الذي أودعه وحيه اليقيني .
( وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) [ الأعراف : 52 ] .
( فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) [ هود : 14 ] .
وحسب خاتم الكتب السماوية القرآن المجيد ، أن الله جل جلاله هو الذي علمه للناس كما علم البيان ، وهذا شرف عظيم ، لا يعدله شرف ، ( الرَّحْمَنُ .عَلَّمَ الْقُرْآنَ .خَلَقَ الإِنسَانَ .عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ) [ الرحمن : 1 – 4 ] .
والحق أن القرآن المجيد ، لو أنزلت آياته على جلامد جبل أشم وقد آتاه الله العلم والعقل شأن الإنسان ، أي لتصدع شموخه العاتي خشوعاً ، وتفجرت صخوره إيماناً وعلماً لخلوه من عتو التقاليد ، ولكن أنزل على البشر ، فكانوا أشد قسوةً وعتواً من الجبال الشامخة ، وقد ضرب الله هذا المثل لنا من أجل أن نتفكر في وضعنا المزري ، واستبداد التقاليد بنا . ونستفيد من هدي القرآن ونقتبس من أنواره ما نستطيع اقتباسه ونعيش سحابة أعمارنا سعداء بمثله العليا وإصلاحاته الفضلى .. طارحين أغلال التقاليد تحت أقدامنا ( لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) [ الحشر : 21 ] .
( وإلى حلقة قادمة إن شاء الله )
* عضو اتحاد كتاب مصر .

