رحلة إلى الأردن بين المقدسات والمعالم ( الحلقة السادسة )

أرض القدس في ضوء كتاب ” أرض الأنبياء ” للكيلاني
يناير 4, 2026
أرض القدس في ضوء كتاب ” أرض الأنبياء ” للكيلاني
يناير 4, 2026

أدب الرحلات :

رحلة إلى الأردن بين المقدسات والمعالم

( الحلقة السادسة )

الأخ الأستاذ السيد عبد العلي الحسني الندوي *

أرض مؤتة :

ها نحن الآن على أرض مؤتة التاريخية الأسطورية التي شهدت بطولات وتضحيات استثنائية منقطعة النظير في تاريخ الحروب بين المسلمين والروم ، ونذوب أسى وحسرةً لِما نشاهد من تخاذل جماهير الأمة المسلمة – بوجه عام – التي تعمر ربع العالم البشري ، وتضم أكثر من خمسين دولة ومن عجز الملوك وولاة الأمور وتقاعسهم عن نصرة القدس المحتل المغصوب ، وكأنما تلفظ حماستهم وحميتهم أنفاسها الأخيرة بل ربما لاقت حتفها دون نضال ومقاومة تجاه العدو الغاشم إلا من رحم ربي من عدد ضئيل يتصدى على جبهة الدفاع والنصرة والتحرير .

نغادر ساحة المعركة الضارية التاريخية التي داست علم الروم وكسرت غطرستهم ، وحققت شجاعة المسلمين وعزيمتهم ، رغم ما كان بين جنود الروم والمسلمين من فرق عظيم وبون شاسع في العدة والعتاد حيث يتضاءل الجيش المسلم في عدده ومعداته العسكرية ، ولكنه متشبث برجولته الباسلة وقوته الإيمانية الصلبة ، وعلى الجانب الآخر ، كانت الروم أضعافاً مضاعفةً في الأعداد ، وضخمةً في المعدات والتجهيزات ، ولكنها معجبة بالعدة والعتاد ومتخلية عن الإيمان باللّه تعالى ومحرومة من النصر الإلهي العظيم الذي يعد به الجيش المسلم ، فلم يقدروا على تثبيط المعسكر الإسلامي وتخذيلهم ،  فينبغي لنا أن نتناوله استعراضاً وتخطيطاً وتطبيقاً وتنفيذاً في الواقع الحالي .

ففي موكب من العظات والعبر من هذه الغزوة المرموقة التي تشدد على أهمية وحدة المسلمين واعتزازهم بالإيمان والثقة بأنفسهم والتوكل على خالقهم ، وتنم عن تدبيرهم والشجاعة والتضحية والفداء ومهارتهم في طرق مواجهة العدو الجسيم وصمودهم  بعدد ضئيل وعتاد قليل .

نحو وادي موسى :

ودعنا أرض مؤتة وسرنا متجهين إلى ” وادي موسى ” في الجنوب الغربي من دولة الأردن من غير الطريق الذي دخلنا به في المملكة ، من بين خربات القرى ، وأطلال القلاع والحصون التي خلفتها حضارة الأنباط العربية العريقة والرومان القديم قبل الإسلام ، وما تركت الحكومات الإسلامية أيضاً من بصمة واضحة وحظ وافر في مختلف فترات التاريخ في هذه البقعة التاريخية ، المتكونة من التلال الرملية والهضاب الصخرية الشاهقة التي تعانق السماء وتناجي السحاب ، وبجوارنا في الطريق ، يقع وادي الحساء الذي يتدفق فيه شلالات ، وتجري فيه عيون متفجرة من التلال والصخور تنساب منها المياه إلى أماكن الزراعة ، فمن هذه الطرق الخلابة وصلنا إلى وجهتنا ” وادي موسى ” ، وهذا الوادي يحوي في ثناياه مواقع التراث العالمي الأسطوري العهيد ومعالم التاريخ الحجري القديم حيث أدرجه اليونيسكو – منظمة الأمم المتحدة – على لائحة التراث العالمي في عام 1985م ، وقد تم اختيار مدينة ” بترا ” لتميزها بطبيعة عماراتها المنحوتة الضخمة في الصخور الرسوبية الجبلية الصلبة كأعجوبة من الأعاجيب السبع في عام 2007م .

الأنباط :

الأنباط أقوام عربية خرجت من جزيرة العرب وسكنوا في المنطقة الصخرية الواقعة جنوب شرقي فلسطين ، والمحصورة بين الحجاز ووادي عربة وبادية الشام وفلسطين ، استولى الأنباط على المملكة الأدومية التي كانت قائمةً في هذه المنطقة شرقي نهر الأردن إلى وادي عربة في الغرب ، وامتد نفوذ مملكتهم من وادي الحسا شمالاً إلى وادي العقبة المسماة         بـ ” أيلة ” آنذاك جنوباً حيث تتصل بحدود جزيرة العرب ، ويعود تاريخها حسب السجلات التاريخية إلى أواخر العصر البرونزي والعصر الحديدي القديم ، احتل معظم أراضيهم الأنباط بعد الفتح فاندمج الأدوميون معهم ، وأسس الأنباط دولةً عربيةً في هذه المنطقة لأول مرة في التاريخ المعلوم واستولوا عليها في أوائل القرن الرابع قبل الميلاد ، ولقد ازدهرت هذه الدولة وتوسعت حدودها حتى شملت دمشق ومدائن صالح ، وظلت قائمةً حتى هزمتهم الرومان على يد الامبراطور ” تراجان ” سنة 106 من الميلاد ، وحينئذ طوي بساط مملكة الأنباط في المنطقة بما فيها بلاد الشام وشمال جزيرة العرب بهذا الحدث التاريخي الذي كان بمثابة اللحظة الحاسمة والنقطة الفاصلة التي أدت إلى تطور كبير وتحول خطير في تاريخ بلاد الشرق الأوسط ، واستمر الحكم الروماني والبيزنطي على بلاد الشام وشمال الجزيرة العربية إلى عهد الإسلام حتى جاء نبي آخر الزمان محمد العربي صلى الله عليه وسلم ، فتبددت الظلمات وجُبرت التصدعات وأزيل حكم الرومان من شمال جزيرة العرب وجميع بلاد الشام وترفرفت رايات الإسلام في هذه البقعة عن آخرها .

مدينة بتراء وآثارها :

دخلنا في مدينة ” بتراء ” الأثرية حين كانت الشمس عند ذروة ارتفاعها ، والحرارة تصل أعلى درجاتها ، فباشرنا إلى متحف ” بتراء ” الأيقوني التاريخي الشهير ، صمم هذا المتحف خصيصاً بغرض الصيانة وعرض الآثار النبطية لتكون استمالةً للسياحين الذين يأتون إلى هذه القطعة الأرضية التراثية العريقة من كل فج عميق ، وكان صرحه ممرداً مصقولاً من الرخام العالي الجودة وتصميمه نموذجاً رائعاً للهندسة المعمارية الحديثة ، دخلنا في المتحف وتجولنا فيه دون عجلة على مهلة ، وألقينا نظرةً عابرةً على القطع الأثرية النبطية المتجانسة من المنحوتات والعملات والأدوات المنزلية والملابس وغيرها من المعروضات الأخرى التي تم اكتشافها في هذه المنطقة ، والتي كانت طريفةً ونفيسةً ، ولكن مستغربةً وغير مألوفة بالنسبة لنا ، خرجنا من المتحف بعد ساعة أو ساعتين واتجهنا إلى كهوف بترا التي كانت بمسافة بضع دقائق من هذا الموقع ، وكانت المنطقة كلها محتويةً على الكهوف والمغارات المنحوتة الصغيرة والكبيرة ، ومازالت القبائل المحلية من البدول يعيشون فيها ، وتضاربت المعلومات أنهم ينحدرون من سلالة الأنباط الذين استوطنوا البتراء تاريخياً بينما يعتقد البعض الآخر أنهم مجرد السكان المحليين ، ولا علاقة لهم بالأنباط الأسطوريين ، وعلى كل ، تثبت هذا الأمر أنهم كانوا يقطنون في المنطقة الأثرية قبل اكتشاف هذه المواقع وإدراجها في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي وتحولها إلى محمية أثرية وتوافد السياح عليها حتى تم ترحيلهم إلى مناطق مجاورة لها ، خاصةً إلى منطقة صغيرة تسمى بـ ” أم صيحون ” تقع في الشرق الشمالي من مدينة أثرية بمسافة يسيرة ، ومازالوا يسكنون في تلال مطلة على البتراء ، يزرعون ويرعون ماشيتهم ويستعملون المغارات للتخزين والسكن ، لقد وجهنا نظرةً سريعةً خاطفةً إلى المغارات المأهولة المذكورة أعلاه عند المرور بها في طريقنا إلى كهوف بتراء الأثرية ، وكانت المنطقة كلها مستفحلةً بالكهوف والمغارات المأهولة المسكونة والعاطلة الشاغرة المهجورة كلتيهما ، وتتواجد ضمن مدينة أثرية أحياء سكنية قديمة مركبة من مبان صغيرة وبسيطة من البيوت والأكواخ والأسواق التقليدية للسياح الأجانب .

وصلنا إلى ” خزنة بتراء ” (The Treasury  ) وهي أشهر معلم في المدينة الأثرية تقع في قلبها ، وتعتبر رمزاً لمدينة بتراء ، ومركزاً رئيسياً للسياح ، هذا المبنى التاريخي الحجري محفور في الصخر الوردي الكبير ، وكان شيد في الأصل لقبر ملك من ملوك الأنباط ، ولكنه اشتهر باسم    ” خزنة ” لاعتقاد البدو المحليين بوجود الكنز فيه ، وبالقرب من هذا الموقع يوجد جبل يسمى ” جبل الدير ” ، وحفر في كتف هذا الجبل الشامخ واحد من أجمل المعالم في البتراء يقال ” الدير ” ، ويعد هذا المبنى  البديع الساحر المدهش للعقول من أضخم المعالم وأطولها وأعرضها في المنطقة التاريخية حيث يبلغ عرضه وطوله كلاهما أكثر من 45 متراً ، ولكن رغم هذا الجمال والبهاء والنحت والرسم والتصميم والتقنية الفاتنة المبهرة المذهلة لم نتمكن من استعراض هذه المغارات والمباني المنحوتة الشامخة السحيقة ومشاهدتها بأم الأعين لتذاكرها الغالية الباهظة للأجانب بشكل لايخيل ولايصدق ، فكنا في حيرة وارتباك إذ أتانا أحد من السائقين المحليين ، وقدم لنا نصيحةً ، بعد أن عرف استسلامنا وتخلينا عن دفع تلك الأسعار المثيرة للقلق بشأن سياحة المعالم الشهيرة في المنطقة الأثرية ، أنه يوجد بتراء الصغيرة ” المجانية ” المسماة بـ “Triclinium  ” على بعد بضعة أميال ، ولأننا كنا غرباء ولم يكن لدينا خيار إلا ما قدم لنا من توجيه فأخذنا به وذهبنا معه إلى ذلك الموقع ، وانتهينا إليه في بضع دقائق ، وتجولنا فيه وشاهدنا المنظر الخلاب للصخر المنحوت المرسوم في واجهته مما يمثل سمةً بارزةً لهذه المدينة ، وكأن المبنى بمثابة البنية التحتية التي تقدر على حماية الجماهير عند الهجوم الجوي الشديد ، وأُعلمنا أن هذه المباني المحفورة في الصخور الوردية نحتت عبر سنوات متتالية ، وقد نحتها الأنباط العرب العرباء للوقاية من التعرض للزلازل والهزات الأرضية لوجود المنطقة قرب البحر الميت الذي يعتبر منطقة الصدع ومنطقة ذات خطر زلزالي مرتفع حيث شهدت زلازل عديدةً مدمرةً عبر التاريخ ومازال احتمال حدوثها قائماً .

( وللحديث بقية )

* نجل الشيخ السيد بلال عبد الحي الحسني الندوي .