دور الشباب في نهضة الأمة

طاعة النبي صلى اللّه عليه وسلم
مارس 24, 2025
في ظلال الإسلام ( الحلقة الأولى )
مارس 24, 2025
طاعة النبي صلى اللّه عليه وسلم
مارس 24, 2025
في ظلال الإسلام ( الحلقة الأولى )
مارس 24, 2025

الدعوة الإسلامية :

دور الشباب في نهضة الأمة

الأستاذ محمد إسحاق بن محمد عبد اللطيف *

المقدمة :

إن التاريخ الإنساني زاخر بروائع بطولات الشباب ، فما من أمة تقدمت ، وما من حضارة ازدهرت ، وما من رسالة انتشرت ، إلا كان للشباب فيها دور فعّال لا ينكر ، وموقف قويّ لا يجحد ، كذلك التاريخ الإنساني ، فلعلّنا لا نبالغ إذا قلنا : إن تاريخ الفتوحات الإسلامية إنما هو تاريخ بطولات الشباب المسلم ، وإنّ تاريخ المكافحة والدفاع عن الإسلام إنما هو تاريخ مغامرات الشباب المسلم ، فإن الإسلام لم يقطع طوراً من أطوار التاريخ ولم يخط خطوة إلى الأمام إلاّ بالدماء التي ضحى بها الشباب المسلم ، وبالنفوس التي جاد بها الشباب المسلم .

فإن الله سبحانه وتعالى يثني على جماعةٍ من الشباب بـ ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) [1] ، لماذا ؟ لأنهم هجروا قومهم الذين اتخذوا من دون الله آلهةً ولجأوا إلى الله في كهفٍ يعبدونه ويدعونه .

اعتناء الإسلام بالشباب :

اعتنى الإسلام بالشّباب عنايةً فائقةً ، ووجَّههم توجيهاً سديداً نحو البناء والنّماء والخير ، واهتمّ الرّسول صلى الله عليه وسلم بالشّباب اهتماماً كبيراً ، فقد كانوا الفئة الأكثر الّتي وقفت بجانبه صلى الله عليه وسلم في بداية الدّعوة ، فأيّدوه ونصروه ونشروا الإسلام وتحمّلوا في سبيل ذلك المشاق والعنت ، قال ابن عبّاس رضي الله عنهما : ” ما آتى الله عزّ وجلّ عبداً علماً إلاّ شاباً ، والخيرُ كلُّه في الشّباب ” ، ثمّ تلا قوله عزّ وجلّ : ( قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) [2] وقوله تعالى : ( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى[3] وقوله تعالى:  وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِياً ) [4] .

وعمل عليه الصّلاة والسّلام على تهذيب أخلاق الشّباب ، وشحذ هممهم ، وتوجيه طاقاتهم ، وإعدادهم لتحمّل المسؤولية في قيادة الأمّة ، كما حفّزهم على العمل والعبادة ، فقال عليه الصّلاة والسّلام : ” سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ : وعدَّ منهم : شَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّه ” [5] .

كما ذكر عليه الصلاة والسلام فيما يسأل عنه العبد يوم القيامة قبل أن يقضى له أو عليه أنه ( اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ) [6] .

تضحية الشباب في سبيل الإسلام :

تعالوا أيها القراء الكرام ! نستعرض جميع أطوار التاريخ الإسلامي استعراضاً عابراً ، ماذا نرى ؟ هل نرى صفحةً من صفحات التاريخ إلاّ وتتلمّع فيها أسماء لا تزال مرتسمةً في لوحة كلّ قلب مؤمن ؟ ولا تزال الأمة الإسلامية تذكرها بإجلال وتقدير وبافتخار واعتزاز ؟ شباب غادروا أوطانهم وفارقوا أقاربهم وتجردوا من كل مطامع الدنيا وشهوات النفس ، ومن كل اللذات والرغبات ، وضحوا بكل راحة وهناءة ، ورضوا بكل عناء وتعب ومشقة وكلفة في سبيل الدفاع عن الإسلام والحفاظ على ثغور الدين وتوسيع حدود الإسلام .

فها هو بلال بن رباح – رضي الله عنه – الشابّ المؤمن الصابر قد تلقَّى في سبيل الله ألواناً من العذاب وأصنافاً من البلاء ، فكلما اشتدَّت عليه وطْأَة الألَم ، ووُضِعَت على بطنه الحجارة الثقيلة في وهج الظهيرة المحرق ، ازداد إيماناً ، وهتف من الأعماق : أحد أحد ، فرد صمد [7] .

وهذا مصعب بن عُمير – رضي الله عنه – شابّ أسلَم مع الأوَّلين الأوائل في دار الأرْقم بن أبي الأرقم ، وكتَم إسلامه خوفاً من أُمِّه وقومه ، ولَمَّا كشَفوا أمره أخَذوه ، فحَبَسوه وعذَّبوه ، فلم يَزَل محبوساً معذَّباً ، حتى خرَج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى ، ثم رجَع مع المسلمين حين رجعوا ، وقُتِل – رضي الله عنه – في غزوة أُحد شهيداً ، فلم يجدوا شيئاً يُكَفِّنونه فيه سوى بُردة ، فكانوا إذا وضَعوها على رأسه ، خرَجَت رجلاه ، وإذا وضعوها على رِجليه ، خرَج رأسه ، فقال لهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ” اجْعَلوها على ما يلي رَأْسه ، واجعلوا على رِجليه من الإذْخِر ” [8] .

ومن منا لا يعلم عن شجاعة عمر بن الخطاب الشاب رضي الله عنه ؟ دخل الإسلام وهو في سنّ السادسة والعشرين من عمره ، فقد شعر المسلمون حينها بالعزّة والقوة والمنعة ، فلم يكن أحدٌ منهم يستطيع أن يُصلِّي علانيةً ، أو يطوف حول الكعبة ، فلمّا أسلم عمر ؛ صار الصحابة رضي الله عنهم يُصلّون ويطوفون بالبيت ، وانتصفوا ممّن ظلمهم ، وقد أعلن عمر رضي الله عنه إسلامه للمشركين ، فأصابتهم الكآبة من هذا الخبرِ الصعب عليهم ، وقد أخبر أبا جهل بإسلامه دون خوفٍ أو وجل . وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : ما كنا نقدر أن نصلى عند الكعبة حتى أسلم عمر [9] .

وعن صهيب بن سنان الرومى رضي الله عنه قال : لما أسلم عمر ظهر الإسلام ، ودُعى إليه علانيةً ، وجلسنا حول البيت حلقاً ، وطفنا بالبيت ، وانتصفنا ممن غلظ علينا ، ورددنا عليه بعض ما يأتى به [10] . وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنه قال : ” مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ ” [11] .

بطولات الشباب في ساحات الجهاد :

تعالوا أيها القراء الأحبة ! نستعرض تلك الغزوات والمعارك التي كانت نقطة تحوّل في التاريخ الإسلامي ، هل نرى فيها إلا أولئك الشباب المسلمين الذين يدين لهم الإنسانية على الإطلاق فضلاً عن الأمة الإسلامية ، من أمثال سيّدنا خالد بن الوليد ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبادة بن الصامت ، وطارق بن زياد ، وعمرو بن العاص ، وعقبة بن نافع وغيرهم رضى الله تعالى عنهم وأرضاهم .

أيّنا لا يعلم قصة غزوة مؤتة ؟ التقى الفريقان وبدأ القتال المرير ، ثلاثة آلاف رجل يواجهون هجمات مأتي ألف مقاتل ، معركة عجيبة في تاريخ البشرية ، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب والثبات ، أخذ الراية زيد بن حارثة الشاب حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل يقاتل بضراوة بالغة وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثال هؤلاء من أبطال الإسلام ، فلم يزل يقاتل ويقاتل حتى شاط في رماح القوم وخر شهيداً رضي الله تعالى عنه ، وحينئذ أخذ الراية شابّ آخر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، وطفق يقاتل قتالاً منقطع النظير حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها ثم قاتل حتى قطعت يمينه فأخذ الراية بشماله ولم يزل بها حتى قطعت شماله فاحتضنها بعضديه فلم يزل رافعاً إياها حتى قتل شهيداً رضي الله تعالى عنه ، وكان يقول :

يَا حَبّذَا الْجَنّةُ وَاقْــــتِرَابُهَا  طَــــيّــــبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا

وَالرّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا  كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا

عَلَيّ إنْ لاقَـــيْتهَا ضِرَابُهَا [12]

وأثابه الله بجناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء ، ولذلك سمي جعفر الطيار ، وبجعفر ذي الجناحين [13] . روى البخاري عن نافع أن ابن عمر أخبره رضي الله تعالى عنهما كُنْتُ فِيهِمْ فِى تِلْكَ الْغَزْوَةِ فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِى طَالِبٍ ، فَوَجَدْنَاهُ فِى الْقَتْلَى ، وَوَجَدْنَا مَا فِى جَسَدِهِ بِضْعاً وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ [14] .

ثم أخذ الراية عبد الله بنُ رواحة وتقدم بها وهو على فرسه فتقدم فقاتل حتى قتل ، وحتى لا تسقط الراية أخذها ثابت بن أقرم وقال : يا معشر المسلمين ! اصطلحوا على رجل منكم ، فاصطلح الناس على خالد ابن الوليد الشاب رضي الله تعالى عنه ، فلما أخذ الراية قاتل قتالاً مريراً . روى البخاري عن خالد بن الوليد قال : لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسيافٍ ، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية [15] .

وهؤلاء الشباب الذين أشاد الله بهم في كتابه الحكيم :

( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) [16] .

وإليكم يا شباب الإسلام هذه النماذجَ الخالدة من مواقف أصحاب القدوة في التاريخ ؛ لتعرفوا جيداً كيف تحمَّل هؤلاء في سبيل الدعوة إلى الله الأذى الأكبر ، وكيف ذاقوا في سبيل الإسلام صنوفَ الاضطهاد ، فما وَهَنوا وما ضَعُفوا ، وما استكانوا ، بل ظلوا مجاهدين مثابرين إلى أن حقَّق الله على أيديهم الفتح المبين والنصر المؤزَّر .

نداء متواضع إلى شباب الإسلام :

يا شباب الإسلام ! إن الإسلام قد أصبح غريباً كما بدأ غريباً ، والأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها أصبحت فريسةً للشبكات والحبائل التي نصبتها الأعداء في كل اتجاه وفي كل طريق ، فقد آن أوان الصحوة للشباب المسلم ، وحان حين النهوض بالمسؤولية المنوطة من قبل التاريخ ، ولا بد للشباب المسلم أن يلعبوا دورهم المطلوب وينافحوا عن دينهم وعقيدتهم ورسالتهم ، بل عن وجودهم وكيانهم وهويّتهم ، ويكافحوا عن حضارتهم وثقافتهم كما فعلوه بالأمس .

أيها الشباب المسلم ! هل نرى ماذا يتطلب منا هذا العصر ؟ وهل ندري ما هو الدور المطلوب منا للدفاع عن الإسلام والمسلمين في هذا العصر الراهن ؟ نعم أيها الشباب ، علينا أن ندرس التاريخ الإسلامي دراسةً جديدةً عميقةً ، ونطلع على جميع لغزات التاريخ وأسرارها حتى نحفظ التحريف والتشويه ، وعلينا أن نستعد لغزوة ثقافية خطيرة تدور بيننا وبين أعداء الله ورسوله ، كما علينا أن نتأهب أهبة الجهاد في سبيل الله عندما تدعو إليها الحاجة والضرورة ، وأن نربّي أنفسنا على تحمل أقصى المشقات والمتاعب وترك الراحة والهناء في سبيل الله وفي إعلاء كلمة الله ، وفقنا الله تبارك وتعالى .

الخاتمة :

إنّ الشّباب في كلِّ زمان ومكان – وفي جميع أدوار التاريخ إلى زماننا هذا – عماد الأمّة ، وسِرُّ نَهضتها ، ومَبعث حضارتها ، وحاملُ لوائها ورايتها ، وقائدُ مَسيرتها إلى المجد والتقدّم والحضارة ، وصُنَّاعُ مجدِها ، وصِمامُ حياتِها ، وعنوانُ مستقبلِها ، إن الإسلام لَم ترتفع في الإنسانية رايتُه ، ولَم يمتدَّ على الأرض سُلطانه ، ولَم تَنتشر في العالمين دعوته – إلاَّ على يد هذه الطائفة المؤمنة التي تَربَّت في مدرسة النبي – صلى الله عليه وسلم – وتخرَّجت في جامعته الشاملة .

فهم يملكون الطّاقةَ والقوّةَ والحماسة الّتي تؤهّلهم إلى أن يعطوا من أعمالهم وجهودهم وعزمهم وصبرهم ثمرات ناضجة للأمّة إذا ما ساروا على الطّريق الصّحيح المرسوم في اتّجاه التّنمية والتقدّم ، واستغلّوا نشاطهم فيما فيه منفعة لهم ولغيرهم خدمة للوطن وللأمّة .

اللهم وفّق شبابنا لما تحبّ وترضى ، واجعلهم هداةً مهتدين ، وصلّى الله على نبيّنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإيمان وإحسان إلى يوم الدين .

* محاضر في قسم الدراسات الإسلامية بجامعة شيتاغونغ ، بنجلاديش .

[1] سورة الكهف : 13 .

[2] سورة الأنبياء : 60 .

[3] سورة الكهف : 13 .

[4] سورة مريم : 12 .

[5] البخاري ، محمد بن إسماعيل ، الصحيح ، تحقيق : د . مصطفى ديب البغا أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة ، جامعة دمشق ، ( دار ابن كثير ، اليمامة – بيروت ، الطبعة الثالثة ، 1407 – 1987م ) ، رقم الحديث : 3650 ، ج 3 ، ص 1403 .

[6] النسائي ، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب ، السنن الكبرى ، تحقيق : حسن عبد المنعم شلبي ، ( بيروت : مؤسسة الرسالة ، ط 1 ، 1421هـ – 2001م ) ، رقم : 11832 ، ج 10 ، ص 400 .

[7] أصحاب الرسول ؛ للشيخ محمود المصري ، ص 466 و 467 .

[8] رواه البخاري ومسلم ، أصحاب الرسول ؛ للشيخ محمود المصري ، ص 370 .

[9] المباركفوري ، صفي الرحمن ، الرحيق المختوم ، الطبعة الأولى ، سوريا ، دار العصماء ، ص 57 – 58 .

[10] المصدر نفسه ، صفي الرحمن ، الرحيق المختوم ، الطبعة الأولى ، سوريا ، دار العصماء ، ص 57 – 58 .

[11] البخاري ، محمد بن إسماعيل ، الصحيح ، تحقيق : د . مصطفى ديب البغا أستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة ، جامعة دمشق ، ( دار ابن كثير ، اليمامة – بيروت ، الطبعة الثالثة ، 1407هـ – 1987م ) ، رقم الحديث : 3650 ، ج 3 ، ص 1403 .

[12] البيهقي ، أحمد بن الحسين ، السنن الكبرى وفي ذيله الجوهر النقي ، مجلس دائرة المعارف النظامية الكائنة في الهند ببلدة حيدر آباد ، الطبعة الأولى ، 1344هـ ، رقم الحديث : 18939 ، ج 9 ، ص 154 .

[13] المباركفوري ، صفي الرحمن ، الرحيق المختوم ، الطبعة الأولى ، سوريا ، دار العصماء ، ص 365 .

[14] صحيح البخاري ، ج 14 ، ص 162 ، حديث رقم 3932 ، باب : غزوة مؤتة من أرض الشام .

[15] المصدر نفسه ، ج 13 ، ص 160 ، حديث رقم 4261 ، باب : غزوة مؤتة من أرض الشام .

[16] سورة الأحزاب : 23 .