حقوق الحيوان المعنوية في القران الكريم

فقه السيرة النبوية
يناير 4, 2026
النماذج الوقفية للأغراض العلمية وأثرها في النهضة العلمية
يناير 4, 2026
فقه السيرة النبوية
يناير 4, 2026
النماذج الوقفية للأغراض العلمية وأثرها في النهضة العلمية
يناير 4, 2026

الدعوة الإسلامية :

حقوق الحيوان المعنوية في القران الكريم

بقلم : الدكتور أحمد مصطفى محمد منصور *

الحقوق الواردة في سياق العموم :

الأول : حق الوجود :

قال تعالى : ( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ) [ الأنعام : 38 ] .

فهذا خطاب يستغرق جميع الدواب التي تدب في أي مكان من أمكنة الأرض ، وكل طائر يطير في أي ناحية من نواحيها .

وقد حملت المماثلة على معان عدة ، من أهمها .

(1) طوائف مختلفة أمثالكم في الخلق والموت والحاجة إلينا في الرزق والتدبير في جميع أمورها والدلالة على كمال القدرة وبديع الصنعة في تسخيرها وتعريفها بقدرتنا [1] .

(2) جماعات مثلكم خلقهم الله كما خلقكم ، ورزقهم كما رزقكم داخلة تحت علمه وتقديره وإحاطته بكل شيئ .

(3) أمثالكم في ذكر الله والدلالة عليه .

(4) أمثالكم . في كونهم محشورين .

(5) أمثالكم في أن لها أسماءً تعرف بها .

(6) أمثالكم في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص ، وهذه المعاني كلها لا تعارض بينها ، والأولى أن تحمل المماثلة على كل ما يمكن وجود شبه فيه كائناً ما كان [2] .

والذي تقرره هذه الآية هو أن الحياة حيث ما حلت فقد أذن الله بوجودها بغض النظر عن كنه المخلوق الذي حلت فيه ، والذين يملكون هذه الخاصية هم في ذلك سواء .

الثاني : إحسان الخلقة :

قال تعالى : ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ )       [ السجدة : 7 ] .

فبعد أن قرر سبحانه وتعالى حق جميع المخلوقات – والحيوان جزء منها – في الوجود لم يدع وجودها أن يأتي كيف ما اتفق وإنما جاء به على أحسن هيئة وتصوير ، فهنالك ألوف من الطيور والأزهار والأشجار والحيوان الذي يسكن داخل الأرض والذي يسكن في البحر ، إنها جميعاً تتمتع بالحسن والجمال في ألوانها وأوضاعها وخواصها وأصواتها وأفعالها ، بحيث يتعسر التفاضل بينها [3] . وذلك لأنه ما من شيئ خلقه إلا وهو مرتب على ما تقتضيه الحكمة . فالمخلوقات كلها حسنة وإن تفاوتت في الحسن ، وحسنها من جهة المقصد الذي أريد بها . فقد أوجد سبحانه وتعالى الخلق محكماً متقناً على وفق ما أراده سبحانه واقتضته الحكمة واستدعته المصلحة [4] .

الثالث : حق الاستمرار في الحياة :

قال تعالى : ( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) [ هود : 6 ] .

والدابة : ما دب من الحيوان ، والمراد جميع الحيوان الذي يحتاج إلى رزق ، ويدخل في ذلك الطائر والهوام وغير ذلك [5] ، وقد أوجب الله تعالى على نفسه بمقتضى رحمته وكرمه ، أوجب على نفسه أنه ما من دابة من أنواع الدواب توجد على ظهر الأرض أو في جوف البحر أو بين طيات الصخر أو تطير في الجو إلا على الله رزقها وغذاؤها المناسب لها ، هدى كل دابة إلى ذلك بمقتضى الغريزة والطبيعة [6] . فالحق سبحانه وتعالى الذي وهب الحياة تكفل بتسيير الأسباب التي تبقي الكائنات الحية على قيد الحياة إلى أجلها المسمى ، وعلى هذا فكل كائن مرحب به في شريعة الإسلام عضواً في هذه الحياة .

الرابع : المشاركة في رسالة الحياة :

يقول تعالى : ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) [ الإسراء : 44 ] .

إن كل شيئ يسبح بلغته : الإنسان بلغته ، الحيوان بلغته والنبات بلغته والجماد بلغته . . . . . وقد أثبت العلم الحديث أن مختلف الفصائل الحيوانية والطيور تتفاهم معاً بطريقة لا ندركها ، وأن لبعضها لغات تختلف في نبراتها وقوتها وأنغامها اختلافاً عجيباً تبعاً للسن والجنس والعواطف والأفراد [7] . إن ورود هذا الوصف في كتاب الله تعالى يمثل درجةً عاليةً من الأهمية ، وذلك لأننا إذا أمعنا النظر في مقاصد الشارع من التشريع وجدنا نوعين :

الأول : مقاصد الخالق من الخلق .

الثاني : مقاصد الخالق من التشريع .

فأما مقاصد الخالق من الخلق فتنحصر في أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً . كما دل على ذلك قوله تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون )       [ الذاريات : 6 ] ، وهذا المقصد عام في جميع الرسالات السماوية كما جاء ذلك في كثير من آيات القران الكريم مثل قوله تعالى : ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ) [ النحل : 36 ] .

أما مقصد الشارع من التشريع فهي الغاية التي يرمي إليها التشريع والأسرار التي وضعها الشارع الحكيم عند كل حكم من الأحكام ، وبذلك تكون الشريعة مستهدفةً تحقيق مقصد عام وهو إسعاد الأفراد والجماعة وحفظ النظام وتعمير الدنيا بكل ما يوصل إلى الخير والكمال الإنساني حتى تصير الدنيا مزرعةً للآخرة فيحظى الإنسان بسعادة الدارين [8] .

فإن كان الحيوان قد وضع عنه التكليف في شريعة الإسلام فقد أدخل في شرف اللحاق بمقاصدها من خلال ما يقوم به من تسبيح وما يسهم به من نفع يصب في صالح إعمار الأرض .

الآيات الواردة في سياق التخصيص :

الأول : التخصيص بالذكر :

قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ) [ البقرة : 26 ] .

إن الاعتبارات المعنوية الكبرى للحيوانات في القرآن الكريم تتمثل في أن يتحدث سبحانه وتعالى عن أنواع عديدة من هذه الحيوانات ويخصها بالذكر ، وقد جاءت العديد من الآيات المشتملة على أسماء لحيوانات بعينها ، بل وقد سميت العديد من سور القرآن بأسماء حيوانات ، وهنا في هذه الآية يخبر سبحانه وتعالى أنه لا يستحي أي لا يستنكف ، وقيل : لا يخشى أن يضرب مثلاً ما أي : أي مثل كان بأي شيئ كان ، صغيراً كان أو كبيراً [9] . وقد خص هنا البعوضة بالذكر .

الثاني : الحيوان معلماً للبشر :

يقول تعالى : ( فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ) [ المائدة : 31 ] .

في هذه الآية يبين سبحانه وتعالى أنه بعث غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما صاحبه ثم حفر فدفنه ، وكان ابن آدم هذا أول من قتل ، وقيل : إن الغراب بحث الأرض على طعمه ليخفيه إلى وقت الحاجة إليه لأنه من عادة الغراب فعل ذلك فتنبه قابيل بذلك على مواراة أخيه [10] .

الثالث : الحيوان رسولا بين البشر :

يقول تعالى : ( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ )        [ النحل : 20 ] ، إن الله تعالى أخبر عن سليمان أنه تفقد الطير إما للنوبة التي كانت عليها وأخلت بها ، وإما لحاجة كانت إليها عن بعد الماء وقال : أخطأه بصري فلا أراه وقد حضر ، أم هو غائب فيما غاب من سائر أجناس الخلق فلم يحضر فلما أخبر سليمان عن الهدهد أنه لم يحضر وأنه غائب غير شاهد أقسم ( أُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً ) ، أو لأقتلنه أو ليأتيني بحجة تبين لسامعها صحتها وحقيقتها فمكث سليمان غير طويل من حيث سأل عن الهدهد حتى جاء الهدهد ، وقال : أحطت بعلم ما لم تحط به أنت يا سليمان وجئتك من سبأ بخبر يقين ، ثم يذكر تفاصيل ما رأي عن قوم سبأ فيقول سليمان للهدهد : ( سَنَنظُرُ ) فيما اعتذرت به من العذر واحتججت به من الحجة لغيبتك عنا وفيما جئتنا به من الخبر ( أَصَدَقْتَ ) في ذلك كله ( أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ) فيه ، فيأمره بأن يأخذه كتابه إلى أهل سبأ ليلقيه إليهم [11] . وهكذا يتعبد المؤمنون بذكر الهدهد وهم يتلون هذه الآيات المباركات .

الرابع : الحيوان نذيراً في قومه :

قال تعالى : ( حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) [ النمل : 18 ] .

فها هو القرآن يقص علينا ما كان من أمر هذه النملة التي قامت نذيراً في قومها تدعوهم للدخول في مساكنهم حتى لا يهلكوا تحت أقدام سليمان وقومه دون أن يشعروا بهم . وقد أورد القرطبي رحمه الله في نفي الشعور عنهم كلاماً لطيفاً قال فيه : ” وهم لا يشعرون : إشارة إلى الدين والعدل والرأفة . ونظير قول النملة في جند سليمان : ( وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ) قول الله تعالى في جند محمد صلى الله عليه وسلم ( فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ )      [ الفتح : 25 ] ” .

التفاتاً إلى أنهم لا يقصدون هدر دم مؤمن ، إلا أن المثني على جند سليمان هي النملة بإذن الله تعالى ، والمثني على جند محمد صلى الله عليه وسلم هو الله عز وجل بنفسه لما لجنود محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل على جند غيره من الأنبياء ، كما لمحمد صلى الله عليه وسلم فضل على جميع النبيين صلى الله عليهم وسلم أجمعين [12] .

الخامس : الحيوان آية من آيات الله تعالى :

والآيات الواردة في ذلك كثير ، وهي دالة على مكانة الحيوان في التشريع الإسلامي والتي تستلزم علماً وعملاً من قبل المؤمنين الموقنين بنصوص القرآن الكريم ودعونا نأخذ سياحةً في هذه الآيات :

أولا : عجيب خلق الإبل :

يقول تعالى : ( أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) [ الغاشية : 17 ] .

يقول تعالى آمراً عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته ( الإبل ) ، فإنها خلق عجيب وتركيبها غريب ثم إنها في غاية القوة والشدة وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف وتوكل وينتفع بوبرها وبشرب لبنها [13] .

ثانياً : تسخير الأنعام :

يقول تعالى : ( وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ ) [ النحل : 66 ] .

وقد ورد ذكر الأنعام في مواقع شتى ، يذكر فيها تعالى ما جعله لخلقه في الأنعام من المنافع ، وذلك أنهم يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم ويأكلون من لحمها ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها ويركبون ظهورها ويحملون الأحمال الثقال إلى البلاد النائية عنهم ، وقد جاء ذكرها هنا لتكون دلالةً على قدرة الله ووحدانيتة وعظمته والعبرة فيها تكمن في تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم [14] .

ثالثاً : هداية النحل :

قال تعالى : ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) [ النحل : 68 ] .

المراد بالوحي هنا الإلهام والهداية والإرشاد للنحل أن تتخذ من الجبال بيوتاً تأوي إليها ومن الشجر ومما يعرشون [15] ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصها بحيث لا يكون في بيتها خلل .

رابعاً : التنبيه بالقسم :

قال تعالى : ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ) [ العاديات : 1 ] .

إن الله تعالى قد أقسم بحياة محمد صلى الله عليه وسلم فقال :       ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [ الحجر : 72 ] .

وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها وقدح حوافرها النار من الجمر فقال : ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ) [16] . وهذا بلا شك حفظ للحق المعنوي لهذه الحيوانات التي تساهم في إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى .

* أستاذ مشارك تفسير وعلوم القرآن ، دولة عمان .

[1] صفوة البيان لمعاني القرآن ، للشيخ حسنين محمد مخلوف ، ص 174 .

[2] فتح القدير ، محمد ابن على لشوكاني ، ج 2 ، ص 164 .

[3] رحمة العالمين ، للقاضي محمد سليمان المنصور نورى ، ص 526 .

[4] صفوة البيان لمعاني القرآن ، مصدر سابق ، ص 522 .

[5] المحرر الوجيز ، لابن عطية ، ج 7 ، ص 242 .

[6] التفسير الواضح ، للدكتور / محمد محمود حجازي ، ج 12 ، ص 7 .

[7] القرآن والعلم ، أحمد محمود سليمان ، ص 48 – 49 .

[8] المقاصد العامة للشريعة الإسلامية ، الدكتور / يوسف حامد العالمي ، ص 48 .

[9] تفسير ابن كثير ، ج ، ص 207 .

[10] تفسير القرطبي ، ج 6 ، ص 141 .

[11] تفسير الطبري ، ج 9 ، ص 505 – 506 .

[12] تفسير القرطبي ، ج 13 ، ص 170 .

[13] تفسير ابن كثير ، ج 3 ، ص 633 .

[14] تفسير القرطبي ، ج 10 ، ص 123 .

[15] تفسير ابن كثير ، ج 2 ، ص 336 .

[16] تفسير القرطبي ، مصدر سابق ، ج 20 ، ص 154 .