بعض قضايا معاصرة من مفطرات الصوم ( الحلقة الأولى )
فبراير 23, 2025الفقه الإسلامي :
بعض قضايا معاصرة من مفطرات الصوم
( الحلقة الثانية الأخيرة )
د . المفتي محمد مصطفى عبد القدوس الندوي *
(3) إنزال المني :
إن الجماع يوجب القضاء والكفارة إذا وجد متعمداً صورةً ومعنىً ، والجماع صورة : هو الاستمتاع بالنساء بالمباشرة وإيلاجِ الذكر في الفرج . والجماع معنى : هو التلذذ وقضاء الشهوة .
فإذا وجد الجماع صورةً أو معنىً دون كليهما معاً ، فيوجب القضاء دون الكفارة ، وإن لم يوجد أحدهما فلا يوجب القضاء ولا الكفارة ( راجع : بدائع الصنائع : 2/239 ، والخانية : 1/209) ؛ فعلى هذا إذا قبّل امرأةً زوجُها ولو قبلةً فاحشةً بأن يدغدغ أو عضّ شفتيها ، أو لمس ولو بحائل لا يمنع الحرارة ، أو باشرها فيما دون الفرج ؛ فأنزلت ، أو أخرج منيه أو أخرجت منيها باليد أو بطريقة ، يفسد الصوم ويجب القضاء دون الكفارة ؛ لوجود الجماع معنىً فقط ، وهو قضاء الشهوة والتلذذ ، دون الصورة . ( راجع : بدائع الصنائع : 2/244 ، والخانية : 1/209 ) ، 212 ، الدر المختار ورد المحتار : 2/404 ) .
(4) الاستمناء باليد :
ينبغي للصائم أن يبتعد عن الاستمناء باليد وقضاء الشهوة بها ، بل عليه أن يجنّب نفسه عن كل عمل يثير الشهوة ويُحدث الخواطر الرديئة في النفوس ؛ لأنه يغاير روح الصيام ومقصده ، وهو كسر الشهوة وقهر القوة البهيمية .
ثم الاستمناء باليد وإخراج المني بها عادة قبيحة ، وظلم وجور على نفسه ، وجرم عظيم وذنب كبير ؛ لأنه يخالف قول الله عز وجل هذا : ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) [ المؤمنون : 4 – 5 ] ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاعله ؛ فقال : ناكح اليد ملعون . ( قال الرهاوي في حاشية المنار : لا أصل له . راجع : كشف الخفاء للعجلوني : 1/449 ، رقم : 2838 ، والأسرار المرفوعة للقاري ، ص : 376 ) ؛ فمن تعوّد به فعليه أن يكفّره عن نفسه بالتوبة الصادقة والإتيان بالحسنات اللاتي يذهبن السيئات ، والله يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات مهما كانت ضخمةً . نعم ، إن كان يخاف على نفسه الوقوعَ في معصية الزنا قطعاً أو غالبَ الظن ، فساغ له الاستمناع باليد لتخليص النفس من الزنا وإبعادها من الاقتراب منه ، والرجاء من الله عز وجل أن لا يؤاخذ يوم القيامة . ( راجع : الدر المختار ورد المحتار : 2/369 ، والفتاوى التارتارخانية : 2/371 ) .
وأما حكم الاستمناء باليد وإخراج المني بها من منظور الشرع الإسلامي ، فلا يجوز في شهر رمضان ولا في غيره ؛ بما أسلفنا ؛ بل إن كان يقع في نهار رمضان من أحد فالذنب أكبر إثماً ، والصوم يفسد ، ويجب عليه أن يمسك نفسه من المفطرات بقية يومه احتراماً لشهر رمضان المبارك ، ويقضيه بعد ذلك ولا يكفّر على القول المختار ؛ لأن جنايته ناقصة ( فتح القدير والعناية : 2/330) . وإن شرع في الاستمناء ثم كفّ ولم ينزل فعليه التوبة ، وليس عليه القضاء لعدم الإنزال .
(5) الأكل والشرب عند الشك في غروب الشمس أو في طلوع الفجر :
وأما غروب الشمس فله ثلاثة صور ؛ لأنه يمكن أن يكون الشك في غروب الشمس ، أو غالب الظن أن الشمس قد غربت ، أو لم يغلب الظن غروبها .
فالصورة الأولى : هي الشك في غروب الشمس ، فلا يجوز الإفطار في هذه الصورة حتى يستيقن الصائم أن الشمس قد غربت ( رد المحتار : 2/407 ) لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ ” ( أخرجه البخاري في البيوع ، بَابُ تَفْسِيرِ المُشَبَّهَاتِ ، والحاكم في المستدرك ، برقم : 2169 ، وقال : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ، ووافقه الحافظ الذهبي بقوله : صحيح ، والترمذي في الزهد ، باب ، برقم : 2518 ، وابن حبان في صحيحه ، برقم : 722 ، وابن خزيمة في صحيحه ، بَابُ ذِكْرِ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ الْمَفْرُوضَةِ إلخ ، برقم : 2348 ) . ثم يتقاضاه الاحتياط ، واتخاذ جانب الاحتياط واجب في العبادات ؛ لأن الأصل : ” الأخذ بالاحتياط في باب العبادات واجب ” ( رد المحتار : 2/366 ، المحيط البرهاني : 1/268 ، الفصل التاسع في النفاس ، تبيين الحقائق : 1/262 ) ؛ بما أن الإفطار عند الشك في غروب الشمس يمكن أن يؤدي إلى فساد الصوم وبطلانه ؛ لأجل ذلك كره الفقهاء للصائم أن يعمل عملاً يخاف أن يتسبّب لفساد الصوم ؛ فقالوا بناءً على ذلك : ” وَكُرِهَ ذَوْقُ شَيْئ ، وَمَضْغُهُ بِلا عُذْرٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْرِيضِ الصَّوْمِ لِلْفَسَادِ ” . ( كنز الدقائق والبحر الرائق : 2/279 ، راجع أيضاً : الدر المختار ورد المحتار : 2/416 ) .
وعلى رغم ذلك ( وهو شاك في غروب الشمس ) إن أكل أو شرب أحد من الصائمين ، ثم تبيّن بعده أن الشمس قد غربت ، صحّ صومه ، وإن تبيّن أن الشمس لم تغرب ، أو لم يتبيّن له الأمر ، بطل صومه ويلزمه القضاء دون الكفارة ؛ لأن الأصل بقاء النهار . وأما إذا أكل أو شرب وهو شاك في طلوع الفجر ، وتبيّن بعد ذلك أن الفجر ، لم يكن طالعاً ، أو لم يتبيّن له الأمر ، صحّ صومه ؛ لأن الأصل بقاء الليل ، والأصل الفقهي : ” بقاء ما كان على ما كان ” ( الأشباه والنظائر : 1/61 ) ، والعمل على ذلك عند جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإليه ذهب الإمام أحمد بن حنبل ، والإمام الشافعي والإمام عطاء رحمهم الله تعالى ( المغني لابن قدامة : 3/35 ، المجموع للنووي : 6/332 ) . وإن تبين له أن الفجر كان قد طلع ، لم يصح صومه ، فيقضي بعده ولا يكفر ؛ لأن القاعدة الفقهية : ” لا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ الْبَيِّنِ خَطَؤُهُ ” ( الأشباه والنظائر : 1/ 158 ) .
(6) الأكل والشرب والجماع ظانّاً غروب الشمس وعدم طلوع الفجر :
والصورة الثانية هي : لو تسحّر أو شرب أو جامع امرأته وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أن الفجر لم يطلع ، أو تسحّر أو شرب أو جامع زوجته وغالب رأيه أن الشمس غربت ، ولم يتبيّن له الأمر بعد ذلك ، صحّ صومه ؛ لأن غالب الظن يقوم مقام اليقين في باب الأحكام ، يقول ملك العلماء الكأساني : ” وَلَوْ أَفْطَرَ وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ لِلْعَمَلِ بِهِ ، وَأَنَّهُ فِي الأَحْكَامِ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ ” . ( بدائع الصنائع : 2/106 ، فَصْلٌ بَيَانُ مَا يُسَنُّ وَمَا يُسْتَحَبُّ لِلصَّائِمِ وَمَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ ) .
ولو أكل أو شرب أو جامع امرأته وَأَكْبَرُ رَأْيِهِ أن الفجر غير طالع ، أو أكل أو شرب أو جامع زوجته وغالب ظنّه أن الشمس غاربة ، ثم ظهر له بعده خلافه ، وجب على الآكل والشارب والزوجين القضاء عند جمهور الفقهاء ، ومنهم الأئمة الأربعة دون الكفارة ( المغني لابن قدامة : 3/35 ، المجموع للنووي : 6/332 ) ؛ لأن الأكل والشرب والجماع كل ذلك لم يقع تعمّداً بل خطأً ، والكفارة تسقط في تناول المفطر خطأً .
(7) الأكل والشرب والجماع ظانّاً عدم غروب الشمس وطلوعَ الفجر :
الصورة الثالثة هي : أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع زوجته وأكبر رأيه أن الشمس لم تغرب أو غالب رأيه أن الفجر طالع ، يجب عليه القضاء دون الكفارة ؛ لأنه لا ينكر من وجود شبهة واحتمالٍ لغروب الشمس وعدم طلوع الفجر ههنا ، والشبهة تكفي لسقوط الكفارة ؛ فيقول ملك العلماء الكأساني : ” وَإِنْ كَانَ غَالِبُ رَأْيِهِ أَنَّهَا لَمْ تَغْرُبْ فَلا شَكَّ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ لأَنَّهُ انْضَافَ إلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ حُكْمُ الأَصْلِ وَهُوَ بَقَاءُ النَّهَارِ فَوَقَعَ إفْطَارُهُ فِي النَّهَارِ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ : تَجِبُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ ، كَيْفَ وَقَدْ انْضَمَّ إلَيْهِ شَهَادَةُ الأَصْلِ وَهُوَ بَقَاءُ النَّهَارِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لا تَجِبُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لأَنَّ احْتِمَالَ الْغُرُوبِ قَائِمٌ فَكَانَتْ الشُّبْهَةُ ثَابِتَةً وَهَذِهِ الْكَفَّارَةُ لا تَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ ” . ( بدائع الصنائع : 2/106 ، فَصْلٌ بَيَانُ مَا يُسَنُّ وَمَا يُسْتَحَبُّ لِلصَّائِمِ وَمَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ ) .
(8) الأكل والشرب والجماع بعد طلوعَ الفجر :
لو كان الرجل يتسحّر أو يأكل إذ طلع الفجر وعلم طلوعه فألقى اللقمة وترك شرب الماء وقطعه فوراً فصومه تام صحيح ؛ لعدم وجود الأكل والشرب بعد الطلوع ، أو كان يجامع زوجته فطلع الفجر وهو مخالط ، فنزع آلته من ساعته ، فصومهما تام صحيح ؛ لأن الموجود منه بعد الطلوع هو النزع ، والنزع ترك الجماع ، وترك الشي لا يكون محصّلاً له ، بل يكون اشتغالاً لضدّه ، فلم يوجد منهما الجماع بعد الطلوع رأساً ، فلا يفسد صومهما .
هذا إذا نزع بعد طلوع الفجر في ظاهر الرواية . وأَمَّا إذَا لَمْ يَنْزِعْ وَبَقِيَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ( البدائع : 2/91 ، فَصْلٌ أَرْكَان الصِّيَام ) . كذلك يجب القضاء لا الكفارة فيما إذا لم يترك الأكل أوالشرب أو تناول الدواء أو المخالطة مع الزوجة على رغم طلوع الفجر قطعاً ، أو في غالب الظن بل مازال يأكل أو يشرب أو يتناول الدواء أو يخالط زوجته بعده أيضاً ( راجع : بدائع الصنائع : 2/106 ، الخانية بهامش الهندية : 1/214 ، 215 ) ؛ لأن الصوم لم يشرع فلم يوجد المفطر من جانبه .
(9) جماع المسافر لزوجته في نهار رمضان :
لو جامع الرجل زوجته في حالة السفر الشرعي في نهار رمضان وهما صائمان ، يلزمهما القضاء لا الكفارة ؛ لأن الشرع الإسلامي قد أباح للمسافر الشرعي ، ورخّص له أن لا يصوم ؛ فقال تعالى : ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) [ البقرة : 185 ] ، معناه أن السفر سبب مبيح للإفطار ؛ فأورث الشبهة في وجوب الكفارة ، والكفارة لا تجب مع الشبهة ( بدائع الصنائع : 2/100 ، رد المحتار : 2/405 ، الهداية وفتح القدير : 2/331) . يقول ملك العلماء الكأساني : ” وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِماً فِي سَفَرِهِ ثُمَّ أَفْطَرَ مُتَعَمِّداً فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لأَنَّ السَّبَبَ الْمُبِيحَ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ قَائِمٌ وَهُوَ السَّفَرُ فَأَوْرَثَ شُبْهَةً وَهَذِهِ الْكَفَّارَةُ لا تَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَالأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الشُّبْهَةَ إذَا اسْتَنَدَتْ إلَى صُورَةِ دَلِيلٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَلِيلاً فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ اُعْتُبِرَتْ فِي مَنْعِ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَإِلا فَلا ” . ( بدائع الصنائع : 2/100 ، فَصْلٌ حُكْمُ فَسَادِ الصَّوْمِ ) .
كذلك الأصل عندنا أنه صار الصائم في آخر النهار على صفة لو كان عليها في أول النهار يباح الإفطار ، تسقط عنه الكفارة ( الخانية بهامش الهندية : 1/215 – 216 ، البحر الرائق : 2/277 ، رد المحتار : 3/384 ، ط : زكريا ، ديوبند ) .
(10) حكم الإكراه على الجماع :
ومن المعلوم لدى عامة الناس وخاصتهم أن الكفارة تسقط بالإكراه ، وأنه لا يجوز الجماع للصائم في نهار رمضان ، وأن الجماع مفطر للصوم ، ويلزم من المجامعة متعمداً ذاكراً له مع القضاء كفارةٌ مغلظةٌ ، وهي عتق رقبة ، فإن لم يجد رقبة فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً .
وعلى هذا : الرجل الذي قدم من سفره ، وهو غير صائم وأجبر زوجته على الجماع وهي صائمة في نهار رمضان ؛ فلا شيئ عليه ؛ لأنه غير صائم ، إلا أنه مسيئ وعليه وزر الإكراه على المعصية والتوبة منه ، وقضاء ذلك اليوم ؛ بما فاته صوم يوم من أيام رمضان ؛ لأن الله تعالى قال : ( أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) [ البقرة : 185 ] ، وأما المرأة المكرهة فعليها القضاء دون الكفارة إذا كانت لم تستطع التخلّص منه ومدافعته ( الجوهرة النيرة : 1/138 ) ؛ لأن الكفارة تسقط بسبب الإكراه ؛ بما تجب الكفارة بالإفطار قصداً وتعمداً ، ولم يوجد منها القصد ههنا ( راجع : رد المحتار : 2/401 ) . وإن وافقته على الجماع ومكّنته على نفسها برضاها ، فيجب عليها القضاء والكفارة جميعاً . ولو أكره الرجل المرأة على الجماع فيفسد صومهما ، ويجب عليهما القضاء فقط دون الكفارة ، سواء كانا زوجين أو أجنبيين ، وإن أكره أحدهما الآخر على الجماع ، فيجب على المكرِه القضاء والكفارة جميعاً ، وعلى من أُكرِه القضاءُ دون الكفارة ؛ بما سلف أن الكفارة تسقط بالإكراه . ( راجع : البحر الرائق : 2/276 ، الفتاوى الغياثية ، ص : 53 ، الخانية بهامش الهندية : 1/209 ، 210 ) .
(11) حكم ما إذا جامع الرجل زوجته في نهار رمضان وهي نائمة :
إذا وطئ الزوج زوجته في نهار رمضان وهو غير صائم ، بسبب أنه رجع من سفره الشرعي ، وهي صائمة نائمة ، وَلَمْ تَنْتَبِهْ ، فَسَدَ صَوْمُهَا ( البدائع : 2/91 ، فَصْلٌ أَرْكَان الصِّيَام ، الجوهرة النيرة : 1/138 ) ، وجب عليها القضاء دون الكفارة ؛ لأن الإنسان لا يكلفه الشرعي الإسلامي بالأحكام التكليفية في حالة النوم ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ : عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ، وَعَنِ الْغُلامِ حَتَّى يَحْتَلِمَ ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ” . ( أخرجه أبو داود في الحدود ، باب في المجنون يَسرقُ أو يُصيبُ حدَّاً ، برقم : 4398 ، قال الأرنؤوط : إسناده صحيح ، الترمذي في الحدود ، بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الحَدُّ ، وحسنه ، برقم :1423 ، والنسائي في الطلاق ، بَابُ : مَنْ لا يَقَعُ طَلاقُهُ مِنَ الأَزْوَاجِ ، برقم :3432 ، وابن حبان في صحيحه ، برقم : 142 ) . ولأنه لا صنع لها فيه فأصبحت كالمكرهة .
(12) حكم الأكل والشرب والجماع أثناء الأذان وبعده :
يُرى في المجتمع أن بعض المسلمين يتسحرون ويشربون وقت أذان الفجر وبعده أيضاً ولا يتحرجون فيه ، كذلك في بعض الأحيان يُرى رجال من الناس يكونون مخالطين مع أزواجهم ، ويباشرونهن ويجامعونهن والمؤذن يؤذن ، ويظنون أن وقت التسحر يبقى إلى انتهاء الأذان ، ويجوز الأكل والشرب والجماع إلى أن يفرغ المؤذن من أذانه للفجر .
هذا عملهم قبيح مذموم لا يجوز شرعاً ، عليهم التوبة والاحتراز عنه في المستقبل ، وأما الحكم الشرعي لمن يفعله ، فهو قضاء صوم ذلك اليوم ، لا يجب عليه الكفارة . وجه وجوب القضاء ظاهر ؛ لأنه إن كان يأكل أو يشرب أو يجامع زوجته من قبل ، وبقي على ذلك وقت أذان المؤذن لصلاة الفجر ولم يقطعه ، فصومه لم يشرع لوجود الأكل والشرب والجماع بعد طلوع الفجر ، وإن بدأ تناول الطعام أو شرب الماء أو الجماع عند أذان الفجر ، ومازال يأكل أو يشرب أو يجامع زوجته أثناء الأذان إلى أن فرغ المؤذن من أذانه ، وعُرف أن المؤذن لا يؤذن إلا بعد أن تبين له الصبح ودخول وقت صلاة الفجر ، أو مازال مستمرّاً على حاله بعد الأذان أيضاً ، فيجب عليه القضاء دون الكفارة ؛ بما أن نظام الأوقات للتسحر والإفطار وللصلوات المفروضة ليس تقويماً حتمياً بل ظنيّاً تعليبيّاً ، فذلك يورث شبهة بقاء الوقت للتحسر ويفيد شبهة طلوع الفجر ، ومن المعلوم أن الكفارة لا تجب مع الشبهة ( بدائع الصنائع : 2/100 ، رد المحتار : 2/405 ، فتح القدير : 2/331 ) . وإن كان المؤذن يؤذن بعد عشرة دقائق مثلاً بعد دوخول الوقت لصلاة الفجر ، فحينئذ أيضاً يجب عليه القضاء دون الكفارة ؛ لأنه لم يشرع صومه ، فلم يوجد مفطر قصداً بعد وجود الصوم منه .
* عميد كلية البحث والتحقيق بجامعة العلوم ، غرها – غجرات .