النظافة في الحياة البشرية من خلال المصادر الإسلامية والدراسات الحديثية ( الحلقة الرابعة )

في ظلال الإسلام ( الحلقة الأولى )
مارس 24, 2025
في ظلال الإسلام ( الحلقة الأولى )
مارس 24, 2025

الدعوة الإسلامية :

النظافة في الحياة البشرية

من خلال المصادر الإسلامية والدراسات الحديثية

( الحلقة الرابعة )

د . يوسف محمد الندوي *

نظافة اليد :

اليد من أهم الأعضاء الرئيسية التي يستخدمها الإنسان لقضاء الحياة اليومية ، ربما تكون الأيدي كبرى حاملة الميكروبات المرضية إلى الأعضاء الباطنية ، فقد تنقل المرض عند السلام على المريض أو عند نقل طعام ملوث أو زبالة أو بعد الذهاب إلى الغائط عندما يكون الشخص نفسه مريضاً ؛ وبعض الديدان ينتقل من نفس الشخص المصاب عند التبرز إلى فمه عند ما يأكل إذا لم يغسل يديه جيداً . . وأهمها الإكسورس وهي دودة صغيرة تعيش حول الشرج وتنتقل البويضات تحت أظافر اليد [1] .

السنة النبوية تقول بتنظيف الأيدي ست مرات عند كل وضوء ، يغسل المتوضئ كفه ثلاث مرات ، ويغسل يديه مع المرفقين ثلاثة أخرى وكذلك سن النبي صلى الله وسلم تنظيف الأيدي قبل تناول الطعام وبعد الفراغ منه وقبل النوم وبعده أيضاً .

قال الله تعالي : ( يا أيهَا الَّذِينَ أمنُواْ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأيدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَأمسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أوعَلَى سَفَرٍ أوجَاء أحد مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أولامستُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأمسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأيدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [2] .

  • عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فاستوكف ( أي غسل كفيه ) ثلاثاً [3] .
  • عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يديه في إناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدرى أين باتت يده [4] .
  • عن البراء بن عازب رضي الله عنها قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة [5] .

والذي يستن بسنة النبي صلى الله عليه وسلم يغسل يديه مرات وكرات كل يوم . وهو يغسل يديه أولاً عقب الاستيقاظ من النوم ثم يغسل كفيه ثلاث مرات فيغسل يديه مع المرفقين ثلاث مرات أيضاً . وهو يتكرر مثل هذا الغسل خمس مرات عند كل وضوء دون ما يغسلها مرات بمناسبة صلاة التهجد والضحى .

ويغسل يديه كلما يتناول الطعام زهاء أربع أو خمس مرات في اليوم حسب عادة الأكل والشرب ، وعندما يتوضأ للنوم أيضاً هو يغسل يديه عدة مرات ، علاوةً بعد ما مس النجس والملوث – لاسيما عند الاستنجاء من البول والغائط – فهل يبقي في يد هذا الإنسان الذي يغسل اليدين أكثر من خمسين مرةً يومياً شيئ من الأوساخ والميكروبات ؟

تقليم الأظفار عنصر هام في النظافة :

ولتقليم الأظفار وتطهيرها مكانة كبيرة في نظافة الأيدى في وجهة نظر الحديث ، قد سن النبي صلى الله عليه وسلم تقليم الأظفار من سننه الحسنة ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث عديدة .

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الفطرة خمس أو خمس من الفطرة : الختان والاستحداد وتقليم الأظفار ونتف الإبط وقص الشارب [6] .

أثبت الطب الحديث أن الذين يطيلون الأظفار أكثر عرضةً للإصابة بالعديد من الأمراض والطفيليات ، لأن الأظفار الطويلة تحمل الأوساخ والبكتريا والطفيليات ، يستطيع الإنسان الذى يعمل بالحديث من قص الأظفار أن يقي من الأمراض الفتاكة الكثيرة .

أما العناية بالأظفار فتكمن بالفحص المستمر لها وتقليمها لمنع تراكم القاذورات لمنع انتقال الأمراض بسببها وتجنب إطالة الأظفار لأن ذلك يعيق بعض الأعمال ، وقد يحدث ويسبب الجروح تحت الظفر وبالتالي قد يسبب الأمراض ، فالأظفار قد تعطي فكره عن التغذية ومستواها والصحة ، فنقص الكالسيوم مثلاً يسبب دخول الجراثيم إلى الجسم [7] .

أثبت علم الطفيليات أن الدودة الدبوسية ( دودة الإكسيورس ) دودة صغيرة تشبه ( ديدان المش ) ، وتضع هذه الديدان بيضها ليلاً حول فتحة الشرج ، فتعلق بعض البويضات الصغيرة المجهرية بأظافر الطفل فتنتقل العدوى ، فالسبيل الوحيد للنجاة من هذه الطفيليات قص الأظفار وغسل اليدين [8] .

نظافة الأقدام :

الأقدام هي أسرع أعضاء تصل من طريقها الميكروبات والطفيليات إلى البدن ، لأنها أكثر احتمالاً بتعلق الأوساخ والتراب عند المشي على ظهر الأرض ، فلذا لابد من احتفاظها عن كل الأوساخ والغبار والقاذورات .

يقول الدكتورة أيمن مزاهرة صاحبة كتاب ” الصحة والسلامة العامة ” يجب غسل القدمين بالماء الدافئ والصابون ثم بالماء البارد يومياً مع تنظيف ما بين الأصابع وتقليم الأظفار ، ومن ثم تجفيف القدمين لتجنب حدوث نمو للطحالب في المسابح العامة التى لا يجرى تنظيفها وتعقيمها باستمرار ؛ أما الأشخاص الذين يعانون من رائحة القدمين فينصحون بتدليك القدمين كل مساء بالكحول المنقي بعد غسل وتنشيف القدمين .

ومن حفظ الأقدام أن تختار الجوارب المناسبة وأن لا تكون ضيقةً مع تنظيفها باستمرار ، ويراعي أن يختار حذاء مناسب للقدم من حيث الشكل والحجم يسمح بحرية الحركة وعدم اختيار الكعب العالي الرفيع لأنه يسبب وضع حمل معظم الجسم على مقدمة القدم فيختل توازن الجسم ويسبب تعب القدمين مع تجنب الأحذية مدببة الرأس لكي تجنب ضغط أصابع القدمين لمنع تشويهها ولمنع إعاقة الدورة الدموية كذلك ، إن ضيق الأحذية قد يسبب غرز الظفر ( مسامير لحم ) في اللحم ، وقد يسبب الدحاس والالتهاب [9] .

أمر القرآن الكريم والحديث النبوي بنظافة الأقدام كما اعتنى بسائر الأعضاء بغسلها بالماء الطهور كل يوم عدة مرات ، ذلك عند كل وضوء وحينما يتلوث ويتوسخ ويتنجس ؛ يتوضأ المسلم في كل يوم خمس مرات على الأقل للصلاة المكتوبة ، فهو يتوضأ للأمور المسنونة أيضاً بمناسبات شتى كالنوم وعند المكاره وغيره ؛ قد سن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغسل الأقدام ثلاث مرات عند كل وضوء وأن يحتفط بإيصال الماء بين أصابع القدمين واليدين ؛ فيغسل أقدامه يومياً أكثر من ثمانية عشر مرات ؛ فكيف السبيل لإيصال الميكروبات والطفيليات في أقدام المتوضأ الذي تكون أقدامه صافية في كل حين ؟

رغم ذلك شجع النبي صلى الله عليه وسلم أن يتنعل المسلم في بيت الخلاء ، عندما يبول أو يتغوط ؛ ومن المعروف أن مكان التبول والتغوط يكون مركز الميكروبات والطفيليات يستطيع الإنسان إذا كان يلبس النعل أو الحذاء عند قضاء الحاجة أن ينجو كثيراً من الأمراض الجلدية والمعدية .

نظافة الأنف :

الأنف من الأعضاء المثقوبة التى تصل من طريقها إلى الجوف؛ ربما يكون الأنف أكبر سبيل يصل منه الغبار والميكروبات إلى الحلق وإلى جوف الرأس وهو يكون مفتوحاً وفعالاً دائماً حتى في حالة النوم عكساً عن سائر الأعضاء المفتوحة إن لم يعتن الإنسان بنظافته وطهارته يكون ذلك خطيراً شديداً للصحة .

فمعظم الميكروبات التي تنتقل إلى الإنسان بالرذاذ مثل الإنفلونزا وشلل الأطفال والدفتريا وكثير غيرها ؛ يصل الميكروب إلى الأنف والحلق أولاً ، ومن هناك تنتقل إلى داخل الجسم وتصيبه بالمرض [10] .

والسنة النبوية شجعت الأمة البشرية بنظافة الأنف مع الفم خمسة أوقات في كل يوم على الأقل ؛ ذلك عند كل وضوء ؛ والذي يتوضأ يوصل الماء إلى جوف أنفه وينظفه بالاستنشاق عدة مرات .

نظافة الشعر والرأس :

الرأس أهم الأعضاء البدنية لكل من الحيوانات ، لأنه يحمل الدماغ ويحفظه وهو الذي مصدر الفكر ومركز الوعي ، فلذا نري الله الخالق بني إطاراً قوياً لاحتفاظه وخلق في الرأسي شعراً أيضاً لمصالحه المتنوعة ؛ إن القرآن والحديث أمرا لاحتفاظه من القاذورات والميكروبات بالغسل والمسح بالماء .

قال الله تعالى في الوضوء والغسل : ( يَا أيهَا الَّذِينَ أمنُواْ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأيدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَامسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أوعَلَى سَفَرٍ أوجَاء أحد مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أولامستُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأمسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأيدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : في تهذيب الشعر وتسريحه : من كان له شعر فليكرمه [11] .

يتأثر الشعر بالحالة الصحية للجسم فهو أحد الأنسجة الجسمية والنامية في الجلد ، لذلك فالتغذية غير المتوزنة ( سوء التغذية ) له أثر سلبي على الشعر من حيث قوته وبريقه ، لأن الشعر يتغذى من خلال الدورة الدموية المتصلة بخلايا موجدة في جذور الشعر ، وإن استعمال الصابون والشامبو المناسب للشعر وتدليك فروة الرأس بأطراف الأصابع يلين الشعر . وينبغي عدم القلق والحزن قدر المستطاع لأنه يؤثر على قوة الشعر ثم تمشيط الشعر ، لهما أثر جيد على توارد الدم في جذور الشعر وتحسينه .

إن عملية تمشيط وتفريش الشعر تساعد على تنظيف وعلى توزيع المادة الدهنية على سطحه توزيعاً منتظماً مما يعطيه لمعانا ويؤدي أيضاً تنبيه بصيلات الشعر وتنشيط وصول الدم وبذلك ينمو ويتحسن مظهره ويقل تساقطه ولتقليل تساقط الشعر ينصح بتدليك فروة الرأس بأطراف الأصابع لمدة خمس دقائق كل يوم مرة [12] .

أمر القرآن الكريم والحديث النبوي بمسح الرأس عند كل وضوء ، أما الصورة الكاملة التي شجعها الحديث النبوي من مسح الرأس أن يمسح المتوضأ جميع الرأس بأصابعه حتى يبل جميع الأشعار من الرأس ؛ يستطيع به الإنسان أن ينظف أشعاره من الميكروبات والقاذورات وأن ينشط مجري الدم في فروة الرأس .

( للبحث صلة )

* الأمين العام : رابطة الأدب الإسلامي فرع كيرلا ، الأستاذ المساعد ، كلية الفنون والعلوم لدار الأيتام المسلمين بوايناد ، كيرلا ، الهند .

[1] د . أحمد شوقى الفنجرى ، الطب الوقائي في الإسلام : 22 .

[2] سورة المائدة : 6 .

[3] سنن النسائي : 82 .

[3] صحيح مسلم : 416 .

[3] سنن النسائي : 82 .

[4] صحيح مسلم : 416 .

[5] صحيح البخارى : 583 .

[6] صحيح البخاري ، رقم الحديث : 5439 .

[7] د . أيمن مزاهرة ، الصحة والسلامة العامة ، ص : 43 .

[8] والمرجع نفسه : 44 .

[9] د . أيمن مزاهرة ، الصحة والسلامة العامة ، ص : 45 .

[10] د . أحمد شوقى الفنجرى ، الطب الوقائي في الإسلام : 7 .

[11] سنن أبو داود ، رقم الحديث : 3632 .

[12] د . أيمن مزاهرة ، الصحة والسلامة العامة ، ص : 45 .